(مسألة)
العمرة واجبة عندنا.
وعندهم: تطوع.
لنا: ما رواه ابن فضيل عن حبيب بن أبي عمرة عن
[ ٢ / ٢٧٨ ]
عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: قلت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: «عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة».
وروى محمد بن كثير الكوفي قال: حدثنا إسماعيل بن يعلى بن مسلم عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الحج والعمرة فريضتان لا يضربك بأيهما بدأت».
وروى الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن
[ ٢ / ٢٧٩ ]
جده أن النبي - ﷺ - كتب إلى اليمن كتابًا وبعث به مع عمرو بن حزم وفيه: «إن العمرة الحج الأصغر، وألا يمس القرآن إلا طاهرًا».
وفي بعض ما رواه عمر عن النبي ﵇ أن جبريل ﵇ سأله عن الإسلام فقال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتصوم رمضان، وتحج وتعتمر». وهم يروون بطريق حجاج بن أرطأة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: سأل رجل رسول الله - ﷺ - عن الصلاة والزكاة أواجبة هي؟ قال: «نعم»، فسأله عن العمرة أواجبة هي؟ قال: «لا، وأن تعتمر خير لك».
[ ٢ / ٢٨٠ ]
وروى عبيد الله بن المغيرة/ عن أبي الزبير عن جابر قال: قلت: يا رسول الله، العمرة واجبة فريضتها كفريضة الحج؟ قال: «لا، وأن تعتمر خير لك».
ويروون بطريق طلحة بن عبيد الله أن النبي ﵇ قال: «الحج جهاد، والعمرة تطوع».
[ ٢ / ٢٨١ ]
واعلم أن في أسانيد كل هذه الأحاديث مقال:
فإن الخبر الأول بما أسنده الحجاج بن أرطأة وعبيد الله بن المغيرة، وهما ضعيفان.
وخبر طلحة رواه عمرو بن قيس وهو متروك.
وكذلك الأخبار التي رويناها في أسانيدها أيضًا مقال يطول ذكرها إلا الخبر الذي ذكرناه أن النبي ﵇ قال: «وأن تحج وتعتمر»، حين سئل عن الإسلام معتمد، وهو رواية سليمان بن طرخان التيمي عن يحيى بن يعمر عن عبد الله بن عمر عن عمر وهو خبر جبريل المعروف حيث جاء فسأل النبي ﵇ عن الإيمان والإسلام وفي آخر الخبر قال: «هذا جبريل أتاكم ليعلمكم معالم دينكم فخذوا عنه».
وهو خبر ثابت، وهذه الزيادات رواتها ثقات.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
وقد أوردها الجوزقي في متفق الصحيحين.
ويمكن أن يحتج ويعتمد على قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ والمراد من الإتمام في هذه الآية ابتداء الفعل على أكمل الوجوه.
وقد قال جماعة من أهل العلم: إن ابتداء فريضة الحج كان بهذه الآية وهو أول ما نزل في القرآن في إيجاب الحج وهو تناولت الحج والعمرة تناولًا واحدًا.
وقد قامت الدلائل القطعية أن الأمر على الوجوب فاقتضت وجوب العمرة كما اقتضت وجوب الحج.
وقد روى النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن أبي رزين أنه سأل النبي ﵇ قال: إن أبي شيخ كبير أدرك الإسلام ولا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، فقال: «حج عن أبيك واعتمر».
[ ٢ / ٢٨٣ ]
وهذا أمر والأمر على الوجوب. فقال الدارقطني حين روى هذا الحديث: رجال هذا الحديث كلهم ثقات.
وروى أيضًا بطريق روح بن القاسم عن أبي الزبير عن جابر عن سراقة ابن مالك قال: قلت: يا رسول الله، أعمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ قال: «لا، بل للأبد .. دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة».
وقال: رجاله كلها ثقات.
ومثل هذا السؤال لا يكون إلا في واجب، وقوله: (العمرة في الحج» المراد من ذلك في الأفعال على ما سنبين.
وقد ثبت عن ابن عباس قال: «الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأصغر العمرة».
وإذا كان حجًا فكل ما يدل على وجوب الحج يدل على وجوبها، ولا معنى يدل على وجوب العمرة سوى التشبيه بالحج، ومجرد الشبه بلا معنى مخيل لا يعرف حجة.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
وأما المخالف: صار إلى أن العمرة غير مؤقتة، لأنها تجوز في جميع السنة والحج مؤقت، والفرق بين النفل والفرض هذا فإن الفرض لا يكون إلا مؤقتًا، لأنه واجب علينا ولو قلنا وجب فعله وإذا لم يكن مؤقتًا، وقد خلق الله الناس العباد ليعبدوه وجب فعله في جميع الأوقات فيؤدي إلى أن يقع الناس في الحرج العظيم أو يؤدي إلى تكليف العاجز، لأن العباد يعجزون عن مباشرة العبادة في جميع الأوقات على العموم.
وأما النفل ففعله مفوض إلى اختيار العبد فإن الله وإن خلق الناس ليعبدوه وجعل النفل مشروعًا في عموم الأحوال والأوقات فلا يؤدي إلى الحرج ولا إلى تكليف العبد ما يعجز عنه فنظرنا إلى عموم الأوقات على ما دلت عليه الآية واعتبرنا ذلك وقلنا: لا يختص بوقت دون وقت.
قالوا: فإن قلتم: «إن العمرة عندكم لا يجوز فعلها في خمسة أيام من السنة وهي يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق».
قلنا: لا نقول إن فعلها لا يجوز لكن يكره ترجيحًا لأمر الحج على العمرة. لا شك أنه مرجح في الشرع، والأيام التي تعينت لفعله في الشرع كرهت العمرة فيها تقديمًا للحج على العمرة.
وقد قالوا أيضًا: إن الحج سبب وجوبه البيت، وكذلك العمرة لو وجبت وجبت بالسبب الذي يجب به الحج فيؤدي إلى التنافي الواجب، وهذا لا يجوز كما لا يجب ظهران بوقت واحد وزكاتان بمال واحد وصومان بيوم واحد.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
الجواب:
إن كلا الدليلين في غاية الضعف والذي قالوا: في التفريق بين الفرض والنفل بالحد الذي قالوه لا يعرف، وليس عليه فإن الإسلام واجب وهو غير مؤقت، وكذلك الجهاد واجب وكذلك صلاة الجنازة والكفارة وما يشبه ذلك، وعلى عكسه النوافل الرواتب في الصلاة والصوم مؤقتة وليس واجبة ونعني في الصوم صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء والاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر.
وأما الذي قالوه إن الله تعالى خلق العباد ليعبدوه فيقتضي العبادة على العموم.
قلنا: له خلينا هذا والظاهر لاقتضى أنهم عبدوه مرة سقط عنهم الأمر إذ ليس في ظاهر هذا اللفظ دليل على فعلها في/ عموم الأوقات وأيضًا إذا قلنا إن الفريضة لا تتوقت لا يؤدي إلى ما قالوه من تكليف العاجز وإيقاع المكلف في الحرج الذي ظنوه، لأنه يكون مأمورًا بفعله على الجملة حتى لا يجوز تركه، فأما أن يكون مأمورًا بفعله على الاستدامة حتى لا يجوز أن يخلى عنه وقتًا ما فليس عليه دليل.
وأما في النفل إذا قلنا إنه لا يتوقت، وقلنا إنه يكون مفوضًا إلى اختيار العبد وربما لا يختار فعله أصلًا فلا يظهر لما قالوه أن العبد خلق للعبادة في جميع الأوقات أثر، وعلى أن العباد إذا فعلوا الفرائض في مواقيتها وقاموا بحق الأوامر الموظفة عليهم فقد عبدوا الله في جميع مدى عمرهم حكمًا، وإن كانوا خلى بعض الأوقات عن عبادتهم حسًا.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وأما كلامهم الثاني، وقولهم: «إن إيجاب العمرة يؤدي إلى الثناء في الواجب».
قلنا: لا يؤدي لأن الثناء بإيجاب حجتين وعمرتين، فأما إيجاب حج وعمرة وهما عبادتان مختلفتان متغايرتان فلا يؤدي إلى هذا، ولئن جاز أن يقال هذا ثنى فيجوز أن يقال إن إيجاب الظهر والعصر ثنى، وإيجاب صدقة الفطر لك سنة ثنى، وكذلك إيجاب الزكاة كل سنة ثنى، ومثل هذا لا يدخل فيه فقيه.
وقد ذكر الأصحاب لنا: إن العمرة واحد نسكى القرآن فأشبه الحج.
وقالوا: عبادة يجب المضي في فاسدها فكانت واجبة في الحج، والمعتمد ما سبق. والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ٢٨٧ ]
(مسألة)