(مسألة)
القراءة واجبة في جميع الركعات عندنا.
وعندهم: تجب في ركعتين منها.
لنا:
حديث الأعرابي أن النبي ﵇ علمه الصلاة والقراءة ثم قال: «وكذلك أفعل في كل ركعة»، والأمر على الوجوب.
[ ١ / ١٩٧ ]
فإن قالوا: إن قوله: «افعل» ينصرف إلى الفعل دون القول.
قلنا: بل ينصرف إلى الكل. ألا ترى أنه ينصرف إلى التكبيرات والتسبيحات وإن كان من المقول لا من المفعول، وهذا لأن الذكر فعل الإنسان فهو كفعل سائر الجوارح، ولأن الثالثة والرابعة ركعة من الصلاة فتجب فيها القراءة الأولى والثانية، وهذا قياس جلي شبهًا.
ويمكن أن يقال من حيث المعنى: إن القيام متردد بين العادة والعبادة فوجبت القراءة لتمييز العبادة عن العادة، وهذا المعنى موجود في جميع الركعات.
ألا ترى أن الركوع والسجود لما كان متميزًا عن العادة بذاته لم تجب فيها التسبيحات، والقعود لما تردد بين العادة والعبادة كلف ووجب التشهد/ المميز فيه ويقال أيضًا: إن الثانية تكرار الأولى، والثالثة تكرار الثانية فيجب فعله على رسم الأولى والثانية لهما وإلا لم يكن.
وأما حجتهم:
نقلوا عن علي، وابن مسعود ﵄ أنهما قالا في المصلي: إنه بالخيار في الركعتين الأخراوين إن شاء قرأ وإن شاء سبح».
[ ١ / ١٩٨ ]
ولأن القراءة في الأخراوين ذكر يخافت فيه جميع الأحوال فلم يكن واحدا ً، دليله التسبيحات، وهذا لأن الصلاة في الأصل ركعتان على ما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر»، وإذا كانت كذلك فالركعتان أصل والباقي من ركعة في المغرب واثنتين في الصلوات ذوات الأربعة زيادة، وقد ثبتت على الخفة في الشرع ولهذا لا تقرأ السورة ولا يجهر بالقراءة فيها. ومن الخفة ألا تجب القراءة بل تسن.
وأيضًا فإنه لما لم تكن الركعتان الأخراوان أصلًا بل كان زيادة لم يتحقق فيهما التكرار الذي احتججتم به، لأن الأصل لا يكرر بما ليس بأصل.
قالوا: وأما الذي قلتم بأن القراءة مميزة بين العادة والعبادة فليس بصحيح، لأنه لو كان هذا المعنى يفيد الوجوب لوجب التشهد في القعود الأول، وبإجماع هو غير واجب.
الجواب:
أما التعلق بالمخافتة فضعيف، لأن القراءة تخفيها في الظهر والعصر في جميع الأحوال وهي واجبة، وعلى عكس هذا فإن الإمام يجهر بالتكبيرات الفواصل بين الأركان وهي غير واجبة، وهذا لأن الجهر والمخافتة إتباع محض، ولا يهتدي إليهما قياس بحال.
وأما قولهم: «إن الأصل ركعتان».
[ ١ / ١٩٩ ]
قلنا: لا بل كل الواجب أصل، يبينه أنه وجب في كل واحد من الركعتين الأخراوين من الفعل ما وجب في الأوليين، دل أنهما أصل مثل الأوليين. والخبر الذي رووه عن عائشة فليس في دليل، لأنه يجوز أن يجب من بعد ويصير أصلًا مثل الأول كالشرائع التي وجبت شيئًا فشيئًا صارت كلها أصولًا وأركانًا.
فإن تعلقوا بالسقوط في السفر فليس بشيء، لأن الركعة الثالثة في صلاة المغرب لا تسقط وليست بأصل على ما زعموا، ولأن عندنا ما سقط ولكن القصر رخصة كما أن الإفطار رخصة.
وأما قولهم: «إنه وجبت الركعتان الأخروان على طريق الخفة».
قلنا: ليس لهم على هذا دليل سوى حذف السورة منهما، وهذا ممنوع على أحد القولين فإنه يشرع قراءة السورة فيهما كما يشرع في الركعتين الأوليين، وعلى أنه لا يدل شرع الخفة من هذا الوجه على سقوط أصل القراءة، فإنه قد شرع في الركعة الثانية في الصبح على أصلهم نوع خفة حتى إنه لا يطول فيها ما يطول في الأولى، ومع ذلك يجب القراءة فيها مثل ما يجب في الأولى.
وأما الذين تكلموا به على فصل التمييز بين العادة والعبادة من إلزام فصل التشهد الأول.
قلنا: وجب التشهد في الجملة، فإنه إن لم يجب الأول فقد وجب الثاني وعلى إنه خرج عن هذا الأصل بالنص الوارد في إسقاط وجوبه على ما عرف.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وأما تعلقهم بأثر علي وابن مسعود.
فقد قيل: إن الراوي عن علي هو الحارث الأعور، وقد زعم الشعبي أنه كان كذابًا، وعلى أن قول الصحابي الواحد والاثنين لا يقدم على القياس عندنا. اللهم إلا أن ينتشر في الصحابة ولا يظهر له مخالف فينزل منزلة الإجماع، وعلى أن التعلق بالظاهر من أفعال النبي ﵇ أولى، وقد قرأ النبي ﵇ في الركعات الأربع وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي». والله أعلم.
* * *
[ ١ / ٢٠١ ]