(مسألة)
المتيمم إذا رأى الماء في خلال صلاته فإنه لا يبطل صلاته ولا تيممه ويمضي فيها عندنا.
وعندهم: يبطل تيممه وصلاته ويلزمه التوضئ والاستئناف، وهو اختيار المزني، وابن سريج.
[ ١ / ١٤٣ ]
لنا:
إن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهو معطوف على قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾.
ومعناه: فلم تجدوا ماءً فيتمموا للقيام إلى الصلاة، فقد جعل عدم الماء شرط التيمم للقيام إلى الصلاة، وقد فعل التيمم مع وجود شرطه المشروط له، وهو عدم الماء، وإذا تم المأمور به بشرطه فلا يعتبر بعد ذلك قيام الشرط كسائر الأفعال إذا تمت بشروطها لم يعتبر بعد ذلك قيام الشرط كذلك هاهنا.
فإن قالوا: فلم يجب التوضئ لصلاة أخرى؟
قلنا: لأن الله تعالى جعل القيام إلى الصلاة بالتيمم مشروطًا بعدم الماء وقد قام إلى الصلاة الثانية بالتيمم، والشرط مفقود فلم يجز.
فأما الصلاة الأولى فقد قام إليها بالتيمم مع وجود شرطه والمأمور به إذا استوفى شرطه لم يعتبر بعد ذلك بقاء الشرط، وهذه طريقة في غاية المتانة، وسنذكر ما يتكلمون عليه في حجتهم.
وقد اعتمد في الفقه عامة الأصحاب طريقة أخرى، وهي أنه غير قادر على استعمال الماء لحرمة الصلاة، فإن الصلاة مانعة من كل ما ينافيها وهي منافية لفعل الوضوء. ألا ترى أنه لو فعلها تبطل صلاته فتصير حرمة الصلاة مانعة منها وإذا كانت القدرة معدومة حكمًا على هذا الوجه وجب المضي في صلاته كما لو وجد الماء وبينه وبين الماء حائل من سبع أو غيره.
والطريق الأولى أحسن واصبر على المحك وسيظهر من بعد.
[ ١ / ١٤٤ ]
وأما حجتهم:
قالوا: وجد الماء المقدور على استعماله فينتقض تيممه كما قبل الشروع في الصلاة. أما الوجود فظاهر، وأما دليل القدرة هو أنه قادر على استعماله حسًا وحقيقة فلو انعدم انعدم حكمًا، ولابد من دليل على العدم حكمًا، لأن نهاية ما في الباب أن ينسب هذا المعنى إلى حرمة الصلاة فيقال: إن استعمال الماء يؤدي إلى هتك حرمة الصلاة فينتصب الصلاة مانعة منه، وحرمة الصلاة غير مانعة من الاستعمال لأنه يستعمل الماء ليقيم حرمة الطهارة، فلا يؤدي إلى الهتك وهذا (لأن الصلاة ما شرعت إلا بالطهارة.
والأصل هو الطهارة بالماء وهو يحصل حقيقة به، وإنما نقل إلى التيمم بعذر فيكون إفساد الصلاة في هذه الصورة لأدائها بالماء أداء الصلاة بالطهارة الحقيقة على سبيل الكمال فيكون تحته إقامة لحرمة الصلاة على الحقيقة لا إفسادًا).
(ألا ترى أنه إذا وجد الثوب وهو يصلي عاريًا، والثوب بعيد منه تبطل صلاته ويستأنف بالثوب، لأن فيه أداء الصلاة بستر على الكما، ولا يجعل القدرة على لبس الثوب بمنزلة العدم لحرمة الصلاة، وكذلك لو خاف فوات وقت الصلاة لو توضأ لا يجوز له التيمم وإن انتقض بالقضاء، لأن فيه قضاء بوضوء والتفاوت الذي بين الأداء والقضاء فوق التفاوت الذي بين المضي في الصلاة والإفساد ثم الأداء في الوقت فلما لم يجعل ذلك التفاوت عذرًا فهذا أولى، وكذلك من شرع في الفرض ثم أقيمت الصلاة يقطع الفرض ليؤديه بالجماعة وأصل الجماعة سنة والطهارة
[ ١ / ١٤٥ ]
بالماء في مسألتنا فريضة، فثبت أن وجود الماء قد حصل ولم يصر عادمًا له حكمًا من الوجه الذي قلتم فخرج التيمم من أن يكون طهارة لفوات شرطه فيبطل صلاته كما لو أحدث).
قالوا: وليس كما لو كان تيمم في صلاة الجنازة في فرأى الماء وهو يخاف فوتها لو اشتغل بالوضوء حيث يمضي فيها.
لأن عندنا صلاة الجنازة لا تقضى فلو أفسدناها فاتته الصلاة أصلًا، والماء يجب استعماله لا لعينه بل للصلاة، فإذا كان لا يفيد في حق الصلاة لفواتها أصلًا صار عادمًا للماء في حق تلك الصلاة وإن وجد حسًا بخلاف مسألتنا.
قالوا: وأما إذا كان يصلي بالتيمم فوجد سؤر الحمار، فإنه يمضي في صلاته ثم يتوضأ بسؤر الحمار ويعيد الصلاة، ويصير في المعنى كأنه جمع بين التيمم وسؤر الحمار في الابتداء، وإنما عمل كذلك لأن سؤر الحمار طهور بالشك، وقد شرع في صلاة بطهارة فلا يخرج بالشك كما في الابتداء لا يدخل بشك بل يجمع ليزول الشك، كذلك هاهنا لا يجبر بالشك بل يمضي ثم يتوضأ ويعيد الصلاة ليزول الشك هاهنا.
قالوا: وليس كما لو وجد الماء بزيادة على ثمن المثل حيث يجعل الوجود كالعدم (لأن قدر الزيادة يذهب بلا عوض، ولذا اعتبرت المحاباة بالهبات في باب التصرفات وللمال حرمة وإن قل فكان له ألا يبذله جزافًا بلا عوض، فإذا لم يصل إلى الماء إلا ببذله يصير عادمًا للماء حكمًا.
[ ١ / ١٤٦ ]
ألا ترى أنه إذا كان عريانًا ووجد الثوب بزيادة ثمن على ثمن المثل يصلي عريانًا وبمثله في مسألتنا لو كان يصلي عريانًا ووجد الثوب ولا يمكنه لبسه إلا بقطع الصلاة قطع الصلاة).
وحرفهم في هذه الطريقة أن أداء الصلاة لا يصح إلا بشرط الطهارة وقد فاتت الطهارة فلم يجز المضي فيه، لأنه بالمضي يؤدي الصلاة بلا طهارة فلا يجوز.
قالوا: فإن قلتم إذا رأى الماء في تضاعيف الصلاة فلم لا يبنى مثل ما إذا سبقه الحدث يبنى على صلاته؟
قال: لأن رؤية الماء ليست بحدث لعينه، ولكنه إذا رآه خرج الصعيد من أن يكون طهورًا فتبطل الطهارة بالصعيد مستندًا على أول الاستعمال حتى يكون جنبًا إن كان تيمم من جنابة ومحدثًا إن كان تيمم من حدث وإذا استند إلى أول الصلاة امتنع البناء إلا أن الفساد يظهر في حق الصلاة القائمة دون الصلاة التي فرغ منها وسلمها إلى الله تعالى.
وأما إذا سبقه الحدث فإنه تنقطع الطهارة في الحال ولا يستند فلا يصير ما مضى من الأداء أداء بحدث بحال فأمكنه البناء على جزء مضى على الصحة بدليل شرعي يقوم عليه).
قالوا: ونظير رؤية الماء في خلال الصلاة انقضاء مدة المسح في خلال الصلاة فإنه تبطل الصلاة فلا يجوز له المضي، ويجب عليه الاستئناف، كذلك هاهنا.
[ ١ / ١٤٧ ]
(قالوا: وأما قولكم في الابتداء أن البدل شرع لصحة الشروع في الصلاة وقد صح بشرطه فلا يعتبر دوام الشرط من بعد.
قال: التيمم ما شرع للشروع فحسب بل شرع للشروع والأداء جميعًا، ولو قيل الأداء فحسب فهو صحيح إلا أنه شرط للشروع، لأن الافتتاح لا يوجد إلا متصلًا بالأداء فشرط له شروط الأداء، وإذا كان البدل مشروعًا للأداء، ولم يتم الأداء بعد اعتبر قيام الشرط ليبقى البدل مشروعًا فإذا سقط وجود الأصل لم يصح الأداء بعده).
وحرف الاعتراض أن الأداء لا يصح إلا ببدل مشروط بقيام عدم الماء فإذا وجد الماء فات وبطل الأداء.
(قال: وليس كما لو وجد هدى التمتع بعد صوم الثلاثة قبل السبعة حيث لا يعود إليه، لأن الهدى ليس بنسك مقصود بل هو مشروع للتحلل وبصوم الثلاث قد حصل التحلل فسقط الرجوع على الهدى، لأنه لما تحلل وقد كان وجب التحلل عليه فسقط وجوبه كما لا تجب الطهارة إلا للصلاة، وهاهنا الطهارة مشروعة للحاجة إلى أداء الصلاة والحاجة باقية على ما مر).
الجواب:
أما الطريقة الأولى فهي أمتن الطريقتين ووجه تمشيها ودفع اعتراضهم عليها أن الصلاة مشروطة بالطهارة، والطهارة بالتراب مشروطة بعدم الماء وقد أتى بالتيمم مقارنًا بشرطه المشروط فيه فلا يعتبر بعد ذلك قيام العدم، لأن الشرائط متى عملت عملها لم يعتبر وجودها من بعد.
[ ١ / ١٤٨ ]
وعلى هذا نقول: إذا وجد الماء قبل الشروع في الصلاة يبطل تيممه لا لأنا جعلنا قيام العدم شرطًا لازمًا لبقاء التيمم بل إنما أبطلنا تيممه وأمرناه بالوضوء بدليل مستخرج من نص الكتاب وهو أن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
وقد بينا أن المعنى: فتيمموا للقيام إلى الصلاة، والمراد من القيام هو الشروع فقد جعل عدم الماء شرطًا للشروع في الصلاة بالتيمم فإذا كان الماء موجودًا فقد الشرط المشروع، وهذا لا يوجد في أثناء الصلاة فرجعنا إلى الأصل الممهد في الشرع وهو أن الشيء إذا تم بشرطه لا يعتبر قيام الشرط من بعد.
فأما قولهم: «إن هذا الشرط للشروع والأداء جميعًا».
قلنا: ظاهر النص لا يترك وقد جعله الله تعالى شرط الشروع ثم نقول: إن أداء الصلاة مشروطة بالطهارة وهو عند المضي في مسألتنا مؤدى للصلاة بطهارة وهو طهارة التيمم غير أن هذه الطهارة لها شرط وقد فعلها بشرطها، وقيام الدليل عند الشروع اعتبرناه بالدليل المستخرج من النص على ما سبق فلم يعتبر فيما وراء الشرع وصح الأداء لأنه أداء بطهارة وقد تمت بشرطها هذا هو نهاية هذه الطريقة.
وقد خرج على هذه الطريقة فصل العاري، لأن الستر شرط الصلاة ولا ستر مع القدرة، وهاهنا الطهارة شرط، والطهارة موجودة إلا أنها بالتراب، وكذلك إذا أحدث في خلال الصلاة فقد فاتت الطهارة، وكذلك إذا مضت مدة المسح فقد ظهر الحدث القائم في الرجل.
فإن قالوا: وهاهنا إذا رأى الماء فقد ظهر الحدث السابق الذي تيمم له.
[ ١ / ١٤٩ ]
قلنا: لا يظهر، لأنه لو ظهر يظهر باعتبار شرط قيام عدم الماء بجواز التيمم وقد بينا أنه غير معتبر.
وأما المسح فرخصة موقوتة بالنص فإنه ما ورد إلا كذلك.
فإن قالوا: وهذا أيضًا موقوت بوجود الماء.
قلنا: لا، فإن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ أطلق إطلاقًا فهو طهارة صحيحة مطلقة عند وجود شرطها وبطلانه عند رؤية الماء لصلاة أخرى بدليل آخر على ما سبق ولابد من تمشية هذه الطريقة من فضل قوة في الجدال والله الموفق بمنه.
أما الطريقة الثانية: فغاية ما يمكن الجواب عن اعتراضهم أن ندعي أن الطهارة بالتيمم والوضوء واحد والصلاة بهما على صفة الكمال ولا تفاوت بين الصلاة بالوضوء والصلاة بالتيمم بوجه ما إلا أن الماء طهور في حال والتراب طهور في حال، وإذا كان الأمر هكذا فيصير إفساد هذه الصلاة للوصول إلى صلاة أخرى لا زيادة ولا تفاوت فتصير حرمة الصلاة مانعة منه، وعلى هذا ينبغي أن ندعي التيمم يرفع الحدث في حق الصلاة المؤداة مثل الوضوء سواء.
وأما فصل العاري إذا وجد الثوب وبينهما مسافة فقد منع في وجه بعيد وعلى أن اللبس غير مناف للصلاة بدليل أنه لو كان قريبًا منه يلبس ويمضي في صلاته فتتحقق القدرة بخلاف مسألتنا، فإن نفس الوضوء مناف للصلاة فتصير الصلاة مانعة منه.
وأما الحدث المعترض في خلال الصلاة، فإنما أفسد الصلاة لأنه مبطل للصلاة لعينه، فإذا وجد عينه فلابد من إبطاله الصلاة، وأما رؤية الماء يبطل الصلاة بواسطة القدرة على استعماله ولم يوجد، وكذلك مسألة
[ ١ / ١٥٠ ]
انقضاء مدة المسح يخرج على هذا الأصل، فإنه إذا انقضت المدة وطهر الرجل فثم حدث قائم في الرجل فصارت كنفس الحدث وهم يدعون هكذا في مسألتنا.
والجواب: لا يمكن إلا بدعوى رفع الحدث بالتيمم على الإطلاق في حق الصلاة بخلاف مسح الخف وهو في نهاية الصعوبة.
وقد تمسك المزني أيضًا بفصل العدة وهو إذا قدرت على الأقراء في خلال الشهور، وليس يرد هذا على الطريقة الأولى، وعلى الطريقة الثانية مانع من المصير إلى الأقراء بخلاف مسألتنا على ما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
[ ١ / ١٥١ ]
(مسألة)