(مسألة)
المجنون إذا أفاق في بعض الشهر في رمضان لا يلزمه قضاء ما مضى من الشهر عندنا.
وعندهم: يلزمه.
لنا:
إن خطاب الإيجاب لم يتناول المجنون في حال جنونه فإذا أفاق فالخطاب في حقه ابتداء إيجاب فلا يتناول الزمان الماضي.
دليله: الصبي إذا بلغ في خلال الشهر فإنه لا يلزمه قضاء ما مضى من الشهر، كذلك ههنا، ثم الدليل على أن الإيجاب بخطاب الشرع أن
[ ٢ / ١٨٦ ]
هذه عبادة من العبادات السمعية فلا تجب إلا بسمع ولا سمع إلا بخطاب الشرع، ولأنه لا دليل يدل على الوجوب سوى الخطاب.
أما العقل فليس فيه دليل على وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج على هذا الوجه، وكذلك في سائر العبادات.
وأما دخول وقت الظهر، ووجود المال، وشهود الشهر ووجود البيت، فليس في ذلك إلا وجود وقت أو وجود مكان وليس في الأوقات والأمكنة ما يدل على وجوب واجب فلم يبق سوى خطاب المعبود عبادة بفعل العبادة، وهذا أقوى دليل يوجد، لأن المال له حق استعباد مماليكه لقضاء حقوقه وأداء حق عبوديته، وهذه الأوامر من الاستعباد، وللمالك حق تصريف عبده في عبوديته.
يدل عليه: أن أصل الإيمان يجب بخطاب الشرع، فكذلك فروعه وشرائعه، فدل أن الوجوب بخطاب الشرع ولا خطاب على المجنون بدليل قوله ﵇: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى ينتبه، وعن المجنون حتى يفيق»، لأن المجنون ليس من
[ ٢ / ١٨٧ ]
أهل الخطاب لأنه لا يعقل الخطاب فيصير خطابه بمنزلة خطاب البهائم فيكون سفهًا وعبثًا.
والحرف أن الخطاب بالفعل إنما يصح مع من هو أهل الفعل، والخطاب بالعبادات خطاب بفعل العبادات بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقال الله تعالى في الصوم: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وقوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ أمر بالفعل، وكذلك الحج: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ ﴾، معناه فعل الحج، وإذا كان خطابًا بفعل العبادة فمن لا يكون من أهل فعل العبادة لا يتصور معه خطاب فعل العبادة.
وأما حجتهم:
قالوا: (الجنون آفة معجزة عن فهم الخطاب، فلا ينافي وجوب الصلاة والصوم ولا صحة الأداء إذا تصور كالنوم والإغماء، وهذا لأن وجوب هذه العبادات بأسباب متحققة في حق الناس أجمع كالشهر للصوم، والوقت للصلاة، والمال للزكاة).
والدليل على أن الوجوب بهذه الأسباب: أن هذه الأحكام مضافة شرعًا إلى هذه الأسباب، والإضافة المطلقة دليل على/ أن الوجوب بها.
[ ٢ / ١٨٨ ]
يبينه: أن الله تعالى قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ واللام في مثل هذا تذكر للتعليل، كما قال: اضربه لأنه لص، وتوضأ للصلاة، وتأهب للشتاء.
ويدل عليه: أن الوجوب يتكرر بتكرر هذه الأسباب، والأمر بالفعل لا يقتضي التكرار، وتكرار الشرط لا يوجب تكرر الحكم، فدل أن التكرار إنما كان لأن السبب تكرر والأصل أن السبب إذا تكرر فلابد من تكرر المسبب ويصير وجوده ثانيًا وثالثًا مع وجوده أولًا مثل تكرر القتل واليمين وتكرر سائر الأسباب الموجبة للأحكام، (وهذه أسباب متحققة بنفسها فينفذ حكمها وهو الوجوب على من هو أهل له، والآدمي يصير أهلًا للوجوب عليه بالذمة، والذمة لا تختل بالجنون فإنه يلزمه حقوق الناس ولا تبطل حقوقه لكن الأداء شرط وهو القدرة، ويكون وجوبه بالخطاب، وأمر الشرع لا يجب على العاجز والذي لا يفهم الخطاب، لأن الخطاب لا يصح في حق من لا يفهم، وهذا كالنائم تلزمه العبادات ولا يلزمه الأداء حتى لو مات، كذلك لا يؤاخذ به، ومثاله: ابن السبيل تلزمه الزكاة في المال الذي خلفه في بلده ولا يلزمه الأداء لأن الوجوب بملكه القائم وهو ثابت، والأداء باليد ولا يد، وهو كالبائع يقول للمشتري: اشتريت فأد الثمن، فالأداء يلزمه بالأمر والوجوب بالشراء).
(ولا يلزم إذا استغرق الجنون الشهر، لأن القضاء إنما يسقط بسبب الحرج، لأن الجنون مما يمتد كالصبا) وقد يقصر كالإغماء فلا بد من
[ ٢ / ١٨٩ ]
فارق بين المديد والقصير (فاعتبر أصحابنا في الفارق بين المديد والقصير بالشهر، لأنه وقت كل الصوم وبعده إنما يوجد التكرار والتضاعف، واعتبروا في الصلاة ست صلوات، لأن وقت كل الصلاة يوم وليلة وهو قصير في نفسه فقدروا تعدد الصلاة واعتبروا أن يدخل في حد التكرار والتضاعف)، وإذا ثبت هذا فنقول:
إذا استوعب الجنون كل الشهر ألحق بالصبي لأنه قد امتد وطال فلو لم تسقط العبادة عنه لتضاعف القضاء عليه وحرج فسقط بسبب الحرج، ولهذا سقط بسبب الصبا، لأنه يطول فلو أوجبنا القضاء بعد البلوغ أدى إلى حرج عظيم.
قالوا: (وأما الكافر إذا أسلم إنما سقط عنه القضاء بعد الإسلام بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ولأن الكافر ليس له أهلية وجوب العبادات)، لأنه ليس من أهل موجبها على ما ذكروا في أصول الفقه، وفي موضع آخر. فأما المجنون من أهل العبادات وجوبًا، لأنه من أهل الجنة ولأنه يبقى له الإسلام وسائر العبادات بعد الجنون لينال بها الثواب في الآخرة بخلاف الكافر.
قالوا: وإذا ثبت هذا الأصل فنقول:
(إذا حن الصائم في خلال اليوم صح يومه، لأن الركن بعد النية ترك المفطرات في اليوم، وأنه متصور من المجنون، كما هو متصور من العاقل
[ ٢ / ١٩٠ ]
ولما تصور الركن وهو بالجنون لم يخرج من أهلية العبادة صح الصوم منه كما يصح من النائم والمغمى عليه.
والدليل على أنه لم يخرج من أهلية العبادة أنه مؤمن والمؤمن من أهل تعبد الله تعالى، ولأنه أهل الجنة، والجنة جزاء العبادة) فإذا كان من أهل موجب العبادة كان من أهل العبادة.
قالوا: وكذلك إذا أفاق في بعض الشهر وجب عليه قضاء ما مضى لما بينا أن الوجوب قد سبق، والجنون إنما تأثيره في منع خطاب الأداء وتأخير خطاب الأداء غير مانع من الوجوب، لأن خطاب الأداء يجوز أن يتأخر عن الوجوب كما بينا في المغمى عليه والنائم، وكذلك الحائض في حق الصوم، وهذا لأن الوجوب يستدعي فائدة ليتحقق في نفسه.
وخطاب الأداء سواء اتصل بزمان الوجوب أو تأخر فالفائدة قد تحققت واستقام تحقيق الوجوب مع تأخر خطاب الأداء ثم أفاق وقدر على الأداء فالآن يتوجه خطاب الأداء للواجب السابق بمنزلة المغمى عليه سواء.
هذه جملة كلامهم في هذه المسألة ذكرناها مع زيادة بسط، لأنه كلام يحتاج إليه في هذه المسألة، ويدخل أيضًا في مسائل كثيرة فاحتاج إلى زيادة بسط وشرح ليوقف على حقيقته.
قالوا: (وأما الخبر فهو حجة عليكم، لأنه جمع بين الصبي والمجنون والنائم وأثبت فيهم رفعًا واحدًا فيجب أن يكون حكمه فيه متفقًا ثم النوم أخر الأداء حتى لم يأثم بتركه ولم يسقط أصل الوجوب فكذلك الصبي والمجنون).
[ ٢ / ١٩١ ]
قالوا: وأما في حق الصبي فأهلية الوجوب في حقه موجودة بوجود الذمة إلا أن الصبا مما يمتد فصار الصبا عذرًا مسقطًا للوجوب لئلا يحرج الصبي في القضاء بعد القدرة والبلوغ، فصار سقوط الوجوب/ عن الصبي بدلالة أخرى.
قالوا: ونحن لا ننكر أن يسقط الوجوب بعد وجود السبب والأهلية بدليل آخر.
الجواب:
أنا بينا أن الوجوب بخطاب الشرع هذا هو محز الكلام ومفصل الخصام وقد دللنا عليه.
يدل عليه: أن هذه الأسباب قد كانت ولا وجوب أن بالخطاب وجبت العبادات.
يبينه: أن هذه العبادات ما عرفت واجبة إلا بخطاب الشرع فكيف يقال إنها لم تجب بخطاب الشرع؟ لكن خطاب الشرع وجد عقيب هذه الأسباب فصارت هذه الأسباب علامات وأمارات للوجوب بخطاب الشرع، وأيضًا فإن العبادات في الابتداء لا تجب على من لم يبلغه الخطاب وهو الذي أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا، ولو كان الوجوب بوجود الأسباب دون الخطاب لوجبت عليه العبادات، وهذا حرف معتمد، فإن البلوغ شرط الوجوب، والمجنون لا يتصور بلوغ الخطاب إليه، لأنه ليس في نفسه بأهل معرفة الخطاب.
[ ٢ / ١٩٢ ]
واعتذر أبو زيد عن هذا الفصل وهو اعتبار البلوغ في الابتداء في الأسرار قال: نحن إنما جعلنا هذه الأشياء أسبابًا للوجوب بجعل الله تعالى إياها أسبابًا وقد ورد خطاب الشرع بجعل هذه الأسباب أسبابًا غير أن شرع الخطاب والعلم به شرط، (لأنه أوسع للامتثال قبل العلم ولا علم للناس قبل البلوغ، فإذا انعدم العلم لخفاء الخطاب من قبل الله تعالى، أو لم يظهره بعد لم يلزم الناس، فأما بعد الظهور فالخفاء على البعض غير معتبر لسقوط الحكم عنه، لأن التبليغ إلى كل شخص متعذر على الرسول - ﷺ - فلم يجب تبليغه إلى كل أحد وتعلق صيرورته سببًا موجبًا بوجود الإظهار في الناس حتى يصير بحيث يوجد في الناس وقام ذلك مقام البلوغ عامًا).
واعتذروا عن مسألة الحربي إذا أسلم في دار الحرب وقالوا: إنما سقط عنه الوجوب أيضًا دفعًا للحرج، لأن مقامه في دار الحرب قد يطول ولا يجد من يوقفه على العبادات فلو وجبت عليه من غير علم اجتمعت عليه عبادات كثيرة، ويقع في حرب عظيم لقضائها فسقط الوجوب دفعًا للحرج حتى لو أسلم في دار الحرب ومضت عليه أيام ولم يشعر بوجوب العبادات عليه وجب القضاء عليه، لأنه لا يؤدي إلى الحرج فإنه يجد من يوقفه عليها ويعلمه إياها.
والجواب عن كلام الكلامين سهل.
وقد ثبت أن بلوغ الخطاب شرط الوجوب باعترافهم بذلك ولا بلوغ في حق المجنون.
[ ٢ / ١٩٣ ]
وقولهم: «إنه لا يعتبر ظهور الخطاب في الناس».
قلنا: يجوز أن يقال هذا فيمن هو محل البلوغ إلا أنه لم يبلغه لما ذكروا أن التبليغ إلى كل أحد حرج.
فأما من ليس بمحل البلوغ ولا هو من أهل الخطاب فلا يجوز إثبات الوجوب في حقه، لأن من هو من أهل الخطاب ومحل البلوغ يجوز أن يجعل الخطاب كأنه قد بلغه دفعًا للحرج.
فأما من هو بمنزلة بهيمة في الخطاب ولا يتصور أن يبلغه محسوسًا لا يجوز أن يجعل في حقه بمنزلة الواصل البالغ والمجنون بهذه المنزلة. وأما الحرج الذي يعتمدون عليه في دفع المسائل الإلزامية، ففي نهاية الضعف، لأن الشرائع بنيت على الحرج، وما من تكليف إلا وفيه حرج فلا يجوز أن يجعل هذا أصلًا لإسقاط الواجبات عند وجوده، وإثبات الواجبات عند وجوده وإثبات الواجبات عند انتفائه.
وأما الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
معناه أنه لم يوجب على عباده شيئًا لا سبيل لهم إلى الخروج عنه وهو منى قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
وأما استدلالهم في أن الوجوب بالأسباب لأجل ورود الشرع بالإضافة المطلقة.
قلنا: الإضافات للإعلام، ونحن لا ننكر أن هذه الأوقات والأمكنة
[ ٢ / ١٩٤ ]
علامات للوجوب بإيجاب الله تعالى فكانت الإضافة مشعرة بمجرد الإعلام.
وأما التكرار بتكرار الأسباب فنقول:
إن الأمر قد يفيد التكرار عند اقتران دليل به يوجب التكرار وإنما قالوا: إن الأمر المطلق الخالي عن قرينة لا يفيد التكرار، فأما لم يقل أحد إنه لا يجوز أن يكون مفيدًا للتكرار عند اقتران دليل به فوجب التكرار، وهذه الواجبات المتكررة من هذا النمط.
وأما قولهم: «إن الوجوب يحصل بوجود هذه الأسباب والخطاب بالأداء يتأخر».
فنقول: ليس أصل الإيجاب إلا بخطاب الأداء، لأن الإيجاب لابد وأن يلاقي شيئًا وليس يلاقي إلا الفعل، فكيف يتصور أن يفصل الوجوب عن خطاب الأداء؟
والدليل عليه: أنا إذا تأملنا في خطاب الشرع لم نرها إلا خطابا بالفعل مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾.
فدل أن الوجوب ليس إلا إيجاب الفعل إلا أنه يتضيق مرة ويتسع أخرى ويطلق له التأخير بعذر.
[ ٢ / ١٩٥ ]
وأما مسألة الإغماء والنوم فنحن لا نقول إن/ الخطاب متوجه عليهما في حال الإغماء والنوم بل يتوجه بعد الإفاقة والانتباه، وكذلك الحائض في حق الصوم، وهذا لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد.
فإن قالوا: «قد سمي قضاء فلابد من وجوب سابق».
قلنا: لفظ القضاء والأداء في المعنى واحد على ما عرف، ولأنه سمى قضاء ليقوم هذا الفعل مقام من فعل هذا الواجب في قوته المسمى ويلتحق به حكمًا.
فأما أن يكون لما قلتم فلا، وعلى هذا الأصل نقول:
إذا نوى الصوم ثم طرأ الجنون في بعض اليوم بطل صومه، لأن الأهلية تفوت بالجنون ولا يجوز وجود الصوم من الإنسان مع فوات الأهلية.
وأما عندهم: لا يبطل صومه، لأن بطريان الجنون لا تفوت الأهلية والكلام في الجانبين قد سبق بيانه، والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ١٩٦ ]