مسألة
المرتد إذا عاد إلى الإسلام يلزمه قضاء ما ترك من الصلاة عندنا في حال الردة.
وعندهم: لا يلزمه.
وكذلك ما كان عليه من واجبات لله تعالى، وفي ذمته قبل الردة فإذا ارتد ثم أسلم فهي عليه كما كانت.
وعندهم: تسقط كلها.
وعلى هذا الأصل إذا ارتد وقد حج أو صلى الظهر في أول الوقت ثم عاد إلى الإسلام لم يلزمه أن يحج ويصلي ثانيًا.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وعندهم: يلزمه.
وإنما جمعنا بين المسألتين، وإن اختلفا في الصورة، لأنهما يتفقان في المعنى على ما سيأتي بيانه.
وبناء المسألتين على أن الخطاب بالعبادات وسائر الشرعيات متوجه على الكفار عندنا.
وعندهم: غير متوجه، وقد ادعوا فقد أهلية العبادات في الكفار، ونحن ندعي وجود الأهلية وتوجه الخطاب إلا أنه سقط بعفو من الشرع في موضع، ولا يسقط في موضع بحسب قيام الدليل فهذا محل النزاع.
لنا:
إن الكافر مكلف يمكنه التوصل إلى فعل العبادة فيلحقه خطاب العبادة دليله المسلم، أما قولنا: «مكلف» فلا إشكال فيه، والدليل عليه أنه مكلف بالإسلام. وأما قولنا: «يمكنه الوصول إلى فعل العبادة»، فهو أن يسلم ويصلي، فهذا طريق التوصل فثبت ما ادعيناه، وتحقيقه أن الكافر عبد من العباد وقد خلق الله تعالى عباده ليعبدوه على ما نطق به الكتاب، فكل من سهل له طريق العبادة بوجه ما، يلحقه خطاب العبادة لإطلاق الخطاب وشمول الأمر فيكون هو داخلًا في زمرة المخاطبين، ويكون الخطاب المطلق متناولًا إياه. فإن قالوا: إن الكافر لا يمكنه التوصل إلى فعل العبادة، لأنه إذا أسلم لا يكون كافرًا.
[ ١ / ٢٥٤ ]
قلنا: هذا ليس بشيء، لأن الخطاب متناول ذات المخاطب، والإسلام والكفر صفتان له فهو وإن أسلم فذاته واحد، وقد اتصل بذاته إلى فعل ما خوطب به فيكون المخاطب هو المتوصل إلى فعل خوطب به في الموضعين وإن بدل وصفه بوصف. وهذا مثل الجنب يخاطب بالصلاة، فإن طريق توصله إلى فعل الصلاة بالاغتسال، وإذا اغتسل لم يكن جنبًا ثم هذا لا يدل على أن الخطاب لا يتناوله، وكان طريق تحقيق توجه الخطاب مع تبدل وصفه بوصف الاغتسال هو ما بينا. كذلك هاهنا.
وإذا ثبت ما بينا من توجه الخطاب عليهم فنقول:
المرتد مخاطب بالصلوات في حال الردة ولم يوجد عفو من الشرع في حقه، فإذا أسلم يلزمه قضاء ما فات.
وكذلك نقول في الكافر الأصلي أنه مأمور بالعبادات إلا أنه إذا أسلم سقط عنه بعفو الشرع، وذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾. وأجمع أهل العلم أن هذا الخطاب للكفار الأصليين.
وهذا لأن الكافر الأصلي عارف بدينه غير عارف بدين الإسلام وقد ادعى من دينه الذي عرفه وتعوده ورأى فيه نجاته ومصلحته ثم دعى إلى دين لم يعرف ما يشتمل عليه فاحتاج إلى نوع ترغيب والطاف لينزع عما كان عليه، ويرغب فيما لم يكن عليه، ومن اللطف المرغب في حقه هو عفو الشرع عنه بعد قبول الإسلام عما سلف منه، فهذا نوع لطف من الله تعالى مع الكفار ليرغبوا في الإسلام ولا ينفروا عنه وهو كسائر ألطافه الخفية الغزيرة.
[ ١ / ٢٥٥ ]
فأما المرتد فقد كان عرف الإسلام، وعرف ما يشتمل عليه ثم أنه ترك الإسلام وعاد إلى رأس كفره، فكانت الحاجة إلى تشديد الأمر عليه، فيرد أولًا إلى الإسلام شاء أم أبى من غير إمهال وتثبت، ثم لا يعفى عن شيء من الواجبات المتوجهة عليه بل يؤمر بقضائها ولا يحابي ولا يساهل في شيء منها، فإنه قد حصل استعمال اللطف في حقه ابتداء حتى قبل الإسلام ابتداء، فلما لم ينفع اللطف، وقد عاد إلى رأس أمره كانت الحكمة في استعمال العنف والتشديد في حقه، وذلك باستمرار الخطاب عليه ثم بالمؤاخذة بفعل ما يتوجه عليه شاء أو أبى فيحصل بهذا تأديبه وتعريكه، ويحصل بها أيضًا زجر سائل المسلمين عن ارتكاب مثله فعله فهذا هو المعنى المفرق بين الصورتين وهذه حكمة لطيفة من حكم الشيء لا يقع عليه إلا من أمده الله تعالى بنور من عنده.
وإذا عرف هذا الأصل فعلى/ هذا يخرج غيره من المسائل وهو بقاء الواجبات عليه وكذلك بقاء العبادات له، فإن خطاب العبادات إذا استمر في حقه بعد الردة بقيت الواجبات في ذمته، وبقي الحج الذي فعله، والصلوات التي فعلها له مثل ما بقي لسائر المسلمين فلم يؤمر بفعلها ثانيًا.
أما حجتهم:
قالوا: الكافر ليس من أهل العبادة فلا يخاطب بالعبادة دليله البهيمة، وإنما قلنا: «إنه ليس من أهل العبادة» لأن العبادة معنى شرعي يعرف بموجبه وهو الثواب، والثواب هو الجنة، والكافر ليس من أهل الثواب، فلا يكون من أهل العبادة، وهذا كالنكاح معقود للحل، والبيع للملك ثم من لا يكون من أهل الحل لا يكون من أهل النكاح.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وكذا في الملك مع البيع، وهذا لأن الأمر بالعبادة ليس لمعنى يرجع إلى المعبود، لأنه تعالى غنى عن جميع الناس، وإنما الأمر بالعبادة لنفع، لنفع العبد بالثواب، فحقيقة العبادة فعل مخصوص يعرف بموجبه وهو الثواب، ولا ثواب له بحال فلم يكن من أهلها.
قالوا: وهذا بخلاف السكران لأنه من أهل الثواب فإنه مسلم وكذلك الجنب والمحدث، فصارت الطهارة شرط الأداء لا شرط الوجوب فلم ينتف الوجوب بتراخي شرط الأداء.
وأما الإسلام فهو شرط الوجوب فإذا عدم الإسلام عدم الخطاب بالوجوب.
يبينه: أن الإسلام أصل والصلاة فرع، ولا يصلح الأصل شرطًا للفرع.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إنا لو أسقطنا الخطاب عن المرتد لصار الكفر سببًا للتخفيف عنه، وهذا لا يجوز، وذلك لأن إسقاط الخطاب بالعبادة عن المرتد، وسائر الكفار ليس بطريق النظر والرحمة، مثل ما يسقط عن الصبيان نظرًا لهم ومرحمة، ولكنا نسقط الخطاب بطريق الخزي والتنكيل، وذلك أنه بكفره ألحق نفسه بالبهائم والخطاب بالعبادة كرامة (فإن الله تعالى أكرم بني آدم بالتخليق ثم بالتأهيل لحمل الأمانة ثم بالتوفيق لأداء ما حمله ثم بالثواب الموعود)، فإذا سقط الخطاب عن الكفار بالعبادات، كان السقوط خزيًا له وتنكيلًا له بحكم جنايته بالكفر، فكأنا ألحقناه بالبهائم بكفره وصرفنا عنه التكريم بالخطاب.
وأما عذاب الآخرة فلا تخفيف عنه لهذا السبب، لأنا لو قلنا لا عقوبة عليه بترك العبادات فالعقوبة متوجهة بتأخيره بترك الإسلام وارتكاب هذا
[ ١ / ٢٥٧ ]
الجناية العظيمة وإلحاقه نفسه بالبهائم، وربما تكون المعاقبة عليه بهذا أشد من المعاقبة بترك الفروع من الشرعيات.
قالوا: وأما الخطاب بأصل الإيمان فمتوجه على الكفار، لأنه لو أتى به صح ولأنه إذا تم منه يكون فرضًا، وهو من أهل الثواب، فاستقام خطابه بالإسلام، لأنه من أهل موجبه إذا وجد منه، وفي مسألتنا لا يستقيم الخطاب بسائر العبادات لما بينا أنه ليس من أهل موجبها.
قالوا: وإذا ثبت أنه لا خطاب على الكافر بالعبادات، قلنا: لا يجب عليه القضاء إذا أسلم، لأن القضاء ثاني الوجوب، فإنه إذا لم يكن وجوب فلا قضاء.
وكذلك ما فعله من الحج والصلاة في أول الوقت يلزمه إذا أسلم أن يفعل ثانيًا، لأنه إذا لم يكن من أهل العبادة لا تبقى له العبادات فصار بعد عوده إلى الإسلام ككافر أصلي أسلم ابتداء فتلزمه الصلاة عند إدراكه بعض الوقت ويلزمه الحج، وصار المفعول بمنزلة العدم.
وربما يقولون: إن المسلم إذا ارتد- والعياذ بالله- بطل ما فعله من الإسلام من قبل، لأن زمان الإسلام لا يقبل التبعيض والتجزئ، ولو أسلم وخرج لحظة من عمره عن الإسلام لم يصح إسلامه، فإذا لم يتبعض، فإذا ترك الإسلام في المستقبل بطل ما فعله في الماضي بمنزلة الصوم في اليوم الواحد. وإذا بطل الإسلام بطل ما فعله أيضًا في حال الإسلام، ولابد من وجوب الحج عليه ثانيًا، وكذلك الصلاة.
قالوا: وليس كمن تيمم في إسلامه ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام حيث يبقى تيممه، لأنا إنما ادعينا ما ادعيناه في العبادات والتيمم ليس
[ ١ / ٢٥٨ ]
بعبادة على ما سبق بيانه، وأما اشتراط النية فيه فلم يكن لأنه عبادة بل كان لما رأينا أن التراب ليس بطهور في ذاته، وإنما صار طهورًا بالشرع، والشرع إنما جعله طهورًا عند إرادة الصلاة به، فإذا لم يرد لم يكن طهورًا.
وأما هاهنا فإن الصلاة عبادة، وقد بينا أنه ليس من أهل الخطاب/ بالعبادة يبينه: وهو أن العبادة فعل مقرب على الله تعالى فمن لا يعرف الله أو لا يكون من أهل التقريب إلى الله تعالى، كيف يكون محلًا للخطاب بالعبادة؟
وتعلقوا بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾، وهذا اللفظ عام في كل عمل إلا ما يخصه الدليل.
الجواب:
إنه قولهم: «إنه ليس من أهل العبادة». ليس كذلك بل هو من أهل العبادة بفطرته وخلقته، لأن خلق ليعبد ربه، ولأنه عبد من العباد، والعبادة تعبد فيكون له أهلية العباد.
وقولهم: «إن العبادة للثواب».
قلنا: قد توجد العبادة بلا ثواب، بدليل أن النبي ﵇ قال: «الغيبة تفطر الصائم»، ومعناه تلحقه بالمفطر لفقد ثواب الصوم ومع ذلك فإن صومه صحيح، وكذلك قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ﴾.
[ ١ / ٢٥٩ ]
ومعلوم أن المراياة تفوت ثواب الصلاة، ومع ذلك فإن صلاته صحيحة.
قالوا: فوات الثواب في هذين الموضعين بحكم مقابلة الوزر بالغيبة والمراياة لثواب الصلاة والصوم، وإذا تقابلا وتوازيا، صار الثواب كالعدم، ولم يكن لأجل فوات أهلية الثواب.
وأما في مسألتنا كان فوات الثواب لفقد الأهلية فسقط الخطاب.
قلنا: هذا كلام تقولونه في كثير من المواضع فلا تعرف صحته، والتقابل الذي يدعونه لا يعرف إلا بوحي، وقد أخبر النبي ﵇ أنه لا ثواب للصائم المغتاب ومع ذلك قد صح صومه.
ويمكن أن يقال: إن صحة العبادة ليس من ضرورتها الثواب، ويجوز أن تصح العبادة من الشخص ولا يثاب عليه أصلًا، وهذا كلام طويل ذيله واسع مجاله، وليس من باب الفقه.
والأصح أن نوافقهم فيما ادعوه، لكن نقول: صحة الخطاب بالعبادة بإمكان التوصل، فإذا أمكن التوصل بوجه ما صح الخطاب.
وهذا لأن خطاب العبادة إذا كان الثواب، ولم يصح فعلها منه إلا بعد أن صار أهلًا للثواب استقام الخطاب بها ليؤديها بعد أن يأتي بشرط الإسلام، وهذا كالخطاب بأداء الصلاة فإنه متوجه على الجنب، وكذلك السكران، ولا يقال: إنه كيف يخاطب بالأداء من لا يصح منه الأداء، ولكن يقال: إنه مخاطب بأداء الصلاة ليؤديها بعد أن يعقل من السكر أو بعد أن يطهر من الجنابة فاستقام الخطاب بالأداء على هذا التقدير.
والحرف أن الثواب لما كان بالفعل ولا فعل إلا بعد الإسلام لم يمنع عدم أهلية الثواب من توجه الخطاب، وهذا بخلاف البهيمة، لأن خطابها مستحيل ولا وقت لوجود فعل العبادة منها بحال.
[ ١ / ٢٦٠ ]
وها هنا ليس فقد الخطاب عنهم لاستحالة الخطاب فإن الخطاب مع الكافر صحيح معقول، ولكن كان عدم الخطاب عندهم لعدم أهلية الثواب فإذا قدرنا لفعله تقديم الإسلام زال هذا المعن، واستقام الخطاب.
جواب آخر نقول:
وهو أن صحة العبادة بإفادة الخطاب، وقد أفاد الخطاب مع الكافر. لأنه إذا لم يفد فعلًا يستحق به الثواب أفاد تركًا يستحق عليه العقاب، وهذا لأن خطاب الفاجر عن الأداء بالأداء مستحيل، كما أن خطاب غير الأهل مستحيل، ثم يتوجه خطاب أداء الصلاة على السكران وإن كان عاجزًا عن الأداء، ولكن توجه الخطاب بالأداء لأنه إن لم يفد فعلًا فقد أفاد تركًا حتى يعاقب عليه، وهم يقولون على هذا الخطاب ليس إلا للفعل فلا يجوز تصحيح الخطاب لمعنى يعود إلى ترك الفعل، وفي السكران الخطاب بالفعل صحيح، لأنه ليس فيه إلا بآخر الأداء وبآخر الأداء لا يسقط الخطاب بالأداء.
ونحن نقول: إن صحة الخطاب لفائدة، فأما إذا أفاد الخطاب صح الخطاب وقد أفاد على ما بينا. وأما السكران ففي غاية اللزوم.
وقولهم: «إنه لم يفت الأداء في السكران وإنما تأخر».
قلنا: في حالة السكر هو مخاطب بالأداء آخرًا يعاقب على تركه. ولا يتصور منه أداء في هذه الحالة، ومع ذلك صح الخطاب بالأداء لما بينا.
وقولهم: «إن الإسلام أصل لا يصلح شرطًا لفرعه».
قلنا: معنى الشرط ما تقف عليه العبادة فسواء وجد معناه في الإسلام الذي هو أصل العبادات أو غيره استقام تسميته شرطًا، ويمكن أن يقال: إن الإسلام أصل فيما يرجع إلى ذاته شرط فيما/ يرجع إلى الصلاة المؤداة بعدها.
[ ١ / ٢٦١ ]
والجواب الأول أحسن وأجرى في المعاني.
وأما قولهم: «إنه إذا ارتد بطل الإسلام الذي وجد منه وصار بمنزلة العدم».
قلنا: إلحاق الموجود بالمعدوم لابد فيه من دليل قطعي، وعلى أنه إن جاز أن يقال: إذا ارتد يصير الإسلام الموجود منه بمنزلة المعدوم، يجوز أن يقال: إنه إذا عاد إلى الإسلام تصير الردة الموجودة منه بمنزلة المعدوم، وهذا أحسن، والشرع عليه أدل، والاعتقاد له أقبل.
وأما الآية التي تعلقوا بها فقد قال في موضع آخر: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾. وذلك الآية المطلقة محمولة على هذه المقيدة، ويصير عمله بمنزلة الموقوف إن مات على الردة بطل عمله، وإن عاد إلى الإسلام بقي له عمله.
وقد قالوا: هذا في أملاك المرتد أنها موقوفة إن دام على الردة، وإن قتل أو مات زالت أملاكه من وقت الردة، وإن عادة إلى الإسلام جعل ملكه بمنزلة المستمر ولم يزل شيء من أملاكه عن ملكه، كذلك هاهنا. والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ١ / ٢٦٢ ]
(مسألة)