(مسألة)
المستفاد في خلال الحول لا يضم إلى النصاب الذي عنده في الحول بل يستأنف له الحول عندنا.
وعندهم: إذا كان من جنس النصاب يضم إليه ويزكى بحوله.
لنا:
ما رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر أن النبي ﵇ قال: «من استفاد مالًا فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول».
ورواه أيضًا عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﵇، ذكر هذين الخبرين أبو عيسى الترمذي في
[ ٢ / ٣١ ]
جامعه، وروى عن ابن عمر نفسه أيضًا أن المستفاد يستأنف له الحول.
قال: وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، ثم حكى الضم عن سفيان الثوري وأهل الكوفة.
فإن قالوا: راوي خبركم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف كثير الغلط، كذا ذكره أحمد وعلي بن المديني.
قلنا: قد قواه من روى عنه، وعلى أنا قد روينا بطريق آخر.
وأما الكلام من حيث القياس:
نقول: المستفاد مال مملوك أصلًا بنفسه لا على طريق التبع لغيره فيعتبر له حول نفسه لوجوب الزكاة فيه، دليله: إذا كان من غير جنس النصاب.
ودليل قولنا: «أنه ليس بتبع لما عنده من النصاب»، لأنه مملوك بسبب مثل السبب الذي ملك به النصاب فلم يصلح أن يكون تبعًا له، لأن مثل الشيء لا يكون تبعًا له بحال.
[ ٢ / ٣٢ ]
يدل عليه: أن تبع الشيء ما يكون قيامه به بوجه ما، ومن ملك خمسًا من الإبل ثم ملك خمسًا من الإبل فلا قيام للثاني بالأول بوجه ما، فكيف يتصور إثبات تبعية له؟ فدل أنه أصل بنفسه مثل الأول، والحول شرط الزكاة فما لم يوجد لم يجب، ولم يوجد فقات الوجوب مثل ما إذا لم يوجد في النصاب الذي عنده، فإنه يفوت الوجوب كذلك ههنا.
والحرف الوجيز لنا: هو فوات الحول في المستفاد حسًا، وعدم قيام الدليل على كون الحول المنعقد للأصل حولًا له، لأنه لو كان هو التبعية، وقد ذكرنا أنه لا تبعية، وإذا ثبت فوات الحول لم يجز إيجاب الزكاة بلا حول.
وأما حجتهم:
قالوا: مستفاد من جنس النصاب في حول لم يزك/ أصله فيضم إليه ويزكى بحوله.
دليله: الأولاد والأرباح.
وأما الفقه لهم: قالوا: أجمعنا على أن الضم في الحول مشروع في الجملة بدليل الأولاد والأرباح، ولابد له من علة وأصح علة له الجنسية حكمًا وحقيقة.
أما الحكم فلأن الأولاد والأرباح يضم إلى النصاب في حكم الحول فليس هو بعلة التفرع والتولد، لأن التولد إن كان علة فهذا علة إسراء الحكم من الأصل إلى الفرع، ولو كان يوجب إسراء حكم الحول الذي هو شرط الوجوب لكان يوجب إسراء حقيقة الوجوب إذا حدثت الأولاد بعد حول الحول، وحين لا يكون علة الإسراء حقيقة الوجوب بعد الحول فلأن لا تكون علة إسراء شرط الوجوب أولى، ولأن الأولاد تأخذ محلية الزكاة بعد الانفصال وزالت التبعية بعد الانفصال بل صارت أصولًا مثل أصولها، ولأن الأولاد تغير حكم الأصل من الواجب فإنه ربما ينتقل الواجب من سن إلى سن بحدوث
[ ٢ / ٣٣ ]
الأولاد والتولد توجب أخذ الأولاد حكم الأصول، فأما أن يوجب تغيير حكم الأصل فلا.
فدل أنه لا يجوز أن يكون الضم معلولة بعلة التفرغ والتولد، فدل أنه بعلة الجنسية وقد وجدت في مسألتنا فثبت الضم.
وأما من حيث الحقيقة فلأن الجنس إذا اتحد صار الجميع في حكم الشيء الواحد لاتفاق الكل في المعنى، وإذا صار الجميع كالشيء الواحد يجوز أن يجعل كأنه ملك الكل في وقت واحد فيكون بعضه مضمومًا إلى البعض ضرورة.
وقد قالوا: إن المستفاد تبع النصاب الذي عنده في الحكم، بدليل أن المالك لنصاب واحد لو أخرج زكاة أنصبة يجوز فصار النصاب الذي عنده سببًا لملك المستفاد فصح التعجيل بهذا الوجه.
ولأن المستفاد زيادة على الأصل، والزيادة على أصل تبع الأصل وهو في المعنى نظير شجرة تنمو وعبد يكبر وغيره هذا من الأمثلة، وإذا صار له تبعًا له من هذا الوجه وجب الضم مثل ما يجب الضم في الأولاد والأرباح لما كانت أتباعًا لما عنده. فهذا معتمدهم وأحسن التمسك كلامهم بالأولاد على ما سبق تقريره.
وقد قال بعضهم: إن الحول صار ساقط العبرة في المستفاد لأجل الحرج وهذا لأن وجوه الفوائد كثيرة، وإذا كثرت وجوه الفوائد كثرت الفوائد، فيشق حفظ الحول لكل فائدة، ويلحق المالك إذا أوجبناه عليه حرج شديد فسقط عنه بعلة الحرج وهو مثل الأولاد والأرباح لا يعتبر حول جديد لكل ربح ولكل ولد، لأنه يكثر في العادة فتكليف المالك حفظ الحول لكل فائدة يؤدي إلى حرج شديد فسقط لعلة الحرج كذلك ههنا.
قالوا: وأما ثمن السائمة الزكاة وصورته إذا كان عنده نصاب من السائمة ونصاب من الدراهم فسبق مضى حول السائمة وأدى زكاتها ثم إنه باعها بنصاب
[ ٢ / ٣٤ ]
من الدراهم أو دونه لا يضم إلى حول الدراهم التي عنده لأنا احترزنا عن هذا في العبارة بقولنا: «لم يزك أصله».
وأما من حيث المعنى ..
قالوا: الجنسية علة الضم على ما ذكرنا، وقد وجدت في هذه المسألة إلا أنا لم نضم لأنه قام دليل مانع من الضم وهو تحريم الثني في الصدقة والضم يؤدي إلى الثني في الصدقة.
وقد قال النبي ﵇: «لا ثنا في الصدقة»، وإنما قلنا إنه يؤدي إلى الثني لأن الزكاة حق المال، والثمن بدل عن مبدل قد أدى زكاته والمالية في البدل والمبدل واحد، ولهذا لا ينقطع حول التجارة بالمبادلة فإذا أوجبنا الضم في هذه الصورة التي ذكرتم وزكيناه عند حول النصاب الذي عند بثني الصدقة فلأجل هذا امتنع الضم، ويجوز أن يمتنع عمل العلة بمانع من العمل، هذا من جملة ذلك، وليس كما لو أدى صدقة الفطر عن عبده ثم باعه حيث يضم ثمنه إلى النصاب الذي عنده، لأن صدقة الفطر ليس بحق المال إنما هو حق الرقبة، بدليل وجوبها في رقبة الحر.
وإنما ملك المال شرط الوجوب فلم يؤد الضم إلى الثني في الزكاة، وليس كما لو أدى عشر الزرع ثم باع الزرع بدراهم حيث يضمها إلى ما عنده من النصاب، لأن العشر ليس بحق الزرع، إنما هو حق الأرض النامية مثل الخراج على ما نذكر من بعد فلم يؤد الضم إلى الثني في
[ ٢ / ٣٥ ]
الصدقة بخلاف ما نحن فيه على ما سبق بيانه، وقد احتج بعضهم بفصل القدرة.
وقالوا: المستفاد يضم إلى ما عنده في القدر فيضم إلى ما عنده في الحول/ بل الحول أولى بالضم، لأن القدر أصل والحول وصف فإذا ضم المستفاد إلى ما عنده فيما هو الأصل فلأن يضم في الوصف أولى.
وبيان الضم في القدر عدم اعتبار القدر في المستفاد لا تفسير له سوى هذا وذلك إذا كان عنده مائتا درهم فملك زيادة عليها لم يعتبر النصاب فيها أصلًا.
أما عندكم يجب في الزيادة بحساب ما سبق قل أو كثر.
وعندنا يجب إذا ملك أربعين درهمًا، ولم يعتبر ملك المائتين، وكذلك من عنده ثلاثون من البقر ثم ملك عشرة وحال عليها الحول يجب فيها ربع مسنة.
وكذلك قلتم من كان عنده خمس وثلاثون من الإبل ثم ملك بعيرًا وحال عليه الحول يجب عليه جزء من ستة وثلاثين جزء من بنت لبون وأمثال هذا يكثر وأصل الإيجاب في هذه المواضع ليس إلا باعتبار الضم في القدر.
قال أبو زيد في آخر المسألة:
(ووجه آخر عن الاستدلال بالنص الحديث المشهور في باب الزكاة في حديث ابن عمر وعمرو بن حزم: «ليس في أقل من خمس من الإبل السائمة
[ ٢ / ٣٦ ]
الصدقة فإذا كانت خمسًا ففيها شاة ثم ليس في الزيادة شيء حتى يكون عشرًا فإذا كانت عشرًا ففيها شاتان » إلى آخره.
ونحن نعلم قطعًا أن الزيادة خمسًا على خمس لا يكون كما حال الحول على الأصل ولا تقع جملة فلما أوجب الشرع شاتين بوجود الحول علم أن الضم واجب وكذلك بنت مخاض بزيادة خمس بعد العشرين).
الجواب:
أما التحرير فليس في صورته دليل على الحكم، لأن الخلاف في مستفاد بهذه الصورة وقع فلابد من بيان المعنى.
وأما قولهم: «إن الجنسية علة الضم».
قلنا: التعليل بالجنسية فاسد، لأن الضم في الحول إثبات تبعية المستفاد للنصاب الذي عنده، لأنه إذا لم يكن تبعًا لم يتصور القول بالضم، لأنه لا يكون ضم المستفاد إلى النصاب أولى من ضمه إلى المستفاد، فدل أن القول بالضم مبني على إثبات التبعية ولا دليل على التبعية، لأن المجانسة لا تدل على التبعية، ويجوز أن يوجد أصلان من جنس واحد والدنيا ملاآء من هذا.
وإنما حد التبع ما ذكرناه، وهو أن يكون قيامه به بوجه، ولا يوجد هذا في مسألتنا على ما سبق.
ويخرج فصل الأولاد على هذا، لأن قيامها كان بالأمهات والآن صار أصلًا بذواتها فيجوز أن يقال إنها أتباع، وكذلك الأرباح والذي ذكر من الكلام على علة التفرع فلا يسمع لا ادعينا التبعية محسوسًا وعينًا فبل الانفصال.
وقولهم: إنها صارت أصولًا».
[ ٢ / ٣٧ ]
قلنا: انفصلت على التبعية إلى أن صارت أصولًا بعد تمام الانفصال وإنما لم يسر الوجوب بعد الحول، لأن الوجوب يكون في الذمة فيكف يسرى معنى الذمة في الأولاد؟
وأما تغير حكم النصاب كان لأن الأولاد قد صارت أصولًا بعد الانفصال، والحروف أنها انفصلت حين انفصلت إتباعًا فسرى إليها حكم الحول المنعقد على الأصول ولما صارت أصولًا بعد الانفصال جاز تغير حكمها على ما نص عليه الشارع هذا تمشية مع جواب الأصحاب، وقد استدل الأصحاب على تصحيح علة التفرع بمسألة نصوا عليها في الجامع الكبير وهي أنه إذا كان عنده نصابان مختلفان في الحول من جنس واحد فاستفاد مالًا يضم إلى أقربهما إلى الحول، ولو كان من ربح أحدهما أو نتاجه يضم إلى أصله وإن كان أبعدهما من الحول بعلة التفرع، ولهم على هذا عذر ذكرته في التعليق، والجواب سهل.
ويمكن أن يجاب بجواب أولى من هذا، وهو أن اعتبار الحول في الأولاد سقط بالحرج، لأن الأولاد يكثر حصولها، وتتفاوت أوقاتها وأزمانها تفاوتًا فاحشًا، وإذا أوجبنا اعتبار حول كل ولد يحصل من زمان الحصول وكذا كل ربح يحصل من زمان التجارة، وزمان الحصول مع كثرة البياعات واشتغال التجار بها في جميع أوقاتهم، وكثرة الأولاد لكثرة السوائم أدى إلى حرج في نهاية العظم فقسط لاعتبار هذا الحرج.
وهذا لا يوجد في الفوائد من وجوه الإرث والهبات والشراء وغير ذلك لأنه لا يكثر، واستفاد صاحب السائمة زيادة على السائمة بهذه الوجوه يندر ويقل فلا يؤدي على الحرج، وإن ادعوا وجود الحرج على ما ذكروا يكون مجرد دعوى زيادة بلا برهان وهذا الجواب أولى من الأول، وعليه الاعتماد.
[ ٢ / ٣٨ ]
وأما سائر ما قالوه في إثبات التبعية فليس بشيء، ومسالة التعجيل على أصولهم، وقولهم: «إن الزيادة على أصل يكون وصفًا له ويكون كشجرة تطول، وصغير يكبر».
فهوس، ومن ملك/ خمسًا من الإبل ثم بعد شهرين يملك خمسًا من الإبل، كيف تكون الخمسة الثانية وصفًا للخمسة الأولى؟
وأما قولهم: «إن الكل في المعنى واحد».
قلنا: ولا يجوز أن يكون الغرض والمطلوب من شيئين معنى واحدا ولا يكون أحدهما تبعًا للآخر، أليس في المرأتين والهدين، والجاريتين والدابتين يتفق الغرض في كل شيئين من هذه الأشياء ومع ذلك لا يكون أحدهما تبعًا للآخر؟
وأما تعلقهم بضم القدر فهو مندفع بجدال جيد قريب المأخذ سهل المتناول، وذلك لأن الواجب في الصورة التي قالوها يبتني على قدر المستفاد حتى وجب فيه بقدره، ولم يجب بقدر الأصل، فكذلك الواجب في مسألتنا وجب أن يبتنى على حول المستفاد حتى يجب فيه بحوله ولا يجب بحول الأصل.
يبينه: أن القدر الذي عنده لم يجعل كأن المستفاد مشتمل عليه بالحول المنعقد على ما عنده وجب أن يجعل كأنه حائل على المستفاد.
ثم الجواب معنى:
إن المال قد كثر بالمستفاد فإذا كثر قدرًا يكثر الواجب ثم يكون الواجب في الأصل بقدره وفي الزيادة بقدرها.
[ ٢ / ٣٩ ]
فإن قالوا: «لم لا يعتبر وجود قدر كأصل في المستفاد يعني النصاب».
قلنا: أما في الدراهم والدنانير سقط بالنص فإن النبي ﵇ قال: «وفيما زاد فبحسابه».
وأما السوائم فلأن النصاب المعهود اعتبر في السوائم ليصير غنيًا بالغنى الشرعي ويصير محلًا لوجوب الزكاة عليه ثم توجب الزكاة عليه إذا كما نصاب بالزيادة مثل الصورتين اللتين قالوهما في أمثال ذلك.
لأن إخلأهما عن الواجب لا يمكن وقد كمل بها نصاب شرعًا غير أنا أوجبنا بقدرها، ولم يثبت الضم الذي ظنوه، ولم يوجب في الزيادة إذا لم يكمل بها النصاب، لأنها في الشرع وقص، والوقص حقيقة ما خلا من الوجوب الزائدة، فهذا وجه الجواب معنى.
وقد أعيا كثيرًا من الفحول فليتمسك به وليقارع عليه.
وقد أورد بعضهم على الضم قدرًا فصل الجمعة، ولست أرى الاعتماد عليها لوجوه ذكرتها في التعليق.
وأما الخبر الذي تعلقوا به فالخبر صحيح.
ووجه تعلقهم في هذه المسألة ضعيف، لأن الخبر وارد لبيان مقادير الواجبات في مقادر النصب على الإطلاق من غير تعرض لمحال التفاصيل، فإذا جاءت التفاصيل فيطلب الدليل من موضع آخر وقد ذكرنا. والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ٤٠ ]