(مسألة)
المضمضة والاستنشاق لا يجبان في الوضوء ولا في الغسل عندنا. وعندهم يجبان في الغسل.
لنا:
إنهما عضوان باطنان فلا تتعلق بهما الجنابة.
دليلة سائر البواطن، وهذا لأن الغسل يتعلق بالظواهر لا بالبواطن ومعنى قولنا: إنه باطن «أي باطن في أصل الخلقة»، فإن الإنسان يخلق منطبق الفم، وإنما يفتحه لحاجة الكلام، والأكل، وداخل الأنف باطن أيضًا، لأن قصبة الأنفة حائل بينه وبين الإبصار، ولهذا يقال: داخل الفم والأنف، والداخل والباطن في المعنى واحد. يبينه أن الظاهر ما يظهر
[ ١ / ٨٦ ]
للأبصار والباطن ما يبطن عن الأبصار، ومعلوم قطعًا أن داخل الفم والأنف غير ظاهرين للأبصار.
دل أنهما باطنان، ونستدل بالوضوء فنقول: الفم والأنف عضوان مركبان في الوجه، وغسل الوجه واجب بنص القرآن فلو كانا محلى وجوب الطهارة بالحدث لكان أولى موضع بذلك ثم نبني عليه الغسل من الجنابة وغيره، فلما لم يجب غسلهما في الوضوء علمنا أن المعنى المسقط ما ذكرناه من بطونهما، وهذا المعنى موجود في الغسل فسقط فيه أيضًا.
وأما حجتهم:
تعلقوا بقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، ومعناه: طهروا أبدانكم، والبدن اسم لجملة صورة لإنسان ظاهرًا وباطنًا فكل ما هو من البدن طاهر أو نجس يجب تطهيره بإيصال الماء إليه بحاكم ظاهر الآية إلا أن يعجز عنه فيسقط حينئذ بالعجز، وداخل الفم والأنف يمكن الوصول إليهما فيجب تطهيرهما/ بظاهر الآية.
وقالوا على ذلك موضع من البدن يتيسر الوصول إلى تطهيره فيلحقه حكم الجنابة. دليله سائر المواضع.
قالوا: وقولكم «باطن» هو باطن من وجه ظاهر من وجه. ألا ترى أنه يفتح فمه فيظهر داخل فمه كأنه وجه ويطبق فمه فيسقط كأنه جوف. ولأنه فيما بينه وبين الظاهر ظاهر.
ألا ترى أن الصائم لو وضع شيئًا في فمه لا يفطر، وفيما بينه وبين الباطن باطن، ألا ترى أن الصائم لو ازدرد ريقه لم يفطر فدل أنه ظاهر من وجه باطن من وجه، وأمر الطهارة يحتاط فيها فما بنى فيها على العموم
[ ١ / ٨٧ ]
والشمول تعلق به، ووجب غسله احتياطًا له بخلاف الوضوء، فإنه لم يبن على العموم والشمول بل إنما يتعلق بمواضع مخصوصة من بدنه فإذا كان باطنًا من وجه سقط عنه.
ولهذا يسقط إيصال الماء إلى باطن اللحية في الوضوء، لأنه باطن من وجه ووجب في الغسل لأنه ظاهر من وجه، وكذلك داخل الخف.
وأما الوضوء واجب خاص، فإذا كان باطنًا من وجه خرج عن خصوصه ولم يتعلق إلا بما هو ظاهر من كل وجه.
وتعلقوا بالطهارة من النجاسة فإنها تتعلق بداخل الفم والأنف للمعنى الذي بينا من عموم محلها فكذلك في مسألتنا.
قالوا: ويتبين بهذا فساد تعلقكم بكونه باطنًا، فإن الطهارة من الحدث كما لا تتعلق بالبواطن، كذلك الطهارة من النجاسة لا تتعلق بالبواطن، فدل أن المعتبر في الطهارة التي تعم محلها كون المحل ظاهرًا من وجه فحسب قالوا: وأما غسل وجه الميت فإنما يسقط المضمضة والاستنشاق في حقه لعذر.
والواجبات تسقط بالأعذار، والعذر هو العجز الغالب، فإن الميت تنغلق مفاتحه بالموت فيشق عليه إيصال الماء إلى داخل فمه وأنفه وربما يؤدي التكلف لذلك إلى المثلة بالميت، ولهذا لا يسن أيضًا.
وأما هاهنا لا عذر في الترك، ولهذا يسن إيصال الماء إليهما في الحدثين عندكم.
قالوا: وكذلك داخل العين يسن إيصال الماء إليه.
[ ١ / ٨٨ ]
وقيل: إن من دوام على ذلك يعمى، ونقل أن ابن عمر ﵁ عمى من كثرة إدخال الماء في العين.
الجواب:
أما الآية قلنا: معنى الآية: فاطهروا أي فاغسلوا والاغتسال قد وجد، وإن ترك المضمضة والاستنشاق، لأن الاغتسال هو فعل يسمى اغتسالًا وقد فعله. فإن قالوا: إذا ترك المضمضة يسمى مغتسلًا أيضًا، وإن كان لا يسقط الواجب عنه.
قلنا: كان ترك الاعتداد به لقيام الدليل، وعلى إنه كان المراد ما ذكروا فتقديره: طهروا أبدانكم ما ظهر منها، لأن هذا التطهير يكون بالاغتسال والاغتسال هو إفاضة الماء على ظاهر بدنه.
وقال النبي ﵇: «أما إني أفيض على رأسي وجسدي فإذا أنا قد طهرت» وهذا كلام معتمد.
فأما قولهم: «إنه باطن من وجه ظاهر من وجه».
قلنا: هو باطن في أصل الخلقة على ما سبق، والمعتبر أصل الخلقة. ألا ترى أن داخل اللحية باطن بكل وجه لا يظهر بحال لكن لما كان ظاهرًا في الخلقة تعلق به حكم الجنابة.
[ ١ / ٨٩ ]
فأما في الوضوء إنما يسقط إيصال الماء إليه إذا كانت لحيته كثيفة لأن الوضوء واجب متكرر، وفي إيصال الماء إليه نوع عسر ومشقة فسقط لدفع الحرج.
وأما الجنابة تندر فلم يشق إيصال الماء إليه فاعتبر كونه ظاهرًا في أصل الخلقة فوجب إيصال الماء إليه، وهاهنا لا ظهور في أصل الخلقة فالتحق بسائر البواطن ولم ينظر فيه إلى التيسر في الحدثين؟
قلنا: أليس يسن إيصال الماء إليهما في الحدثين؟
قلنا: إنما يسقط الوجوب لأنهما باطنان في أصل الخلقة، ولما كانا يظهران للأبصار في بعض الأحوال يسن إيصال الماء إليهما فأخذ في صفة الواجبية بأغلب المعنيين وأرجحهما، وأخذ في صفة السنة التي أدنى الرتبتين بأدنى المعنيين وأضعفهما ولا انفصال لهم عن الوضوء بما ذكروه من خصوصه وعموم الغسل لأنه وإن كان خاصًا فهو عام في جميع الوجه وهذا من أجزاء الوجه ويدخل/ على العموم الذي اعتمدوا عليه، فصل غسل الميت والذي اعتذروا به ضعيف، لأنه ينافي أن يجب بقدر الممكن أو يجب في داخل الأنف، لأنه لا مشقة في إيصال الماء إليه، وأما فصل الطهارة من النجاسة وعلم أن الكلام إذا رجع إلى الاعتبار والتعلق بالمثال، وأولى المثالين الوضوء لتحلق به الجنابة لأنهما طهارتان عن حدث.
ولأن كل واحد طهارة حكمية غير معقول المعنى، والطهارة عن النجاسة طهارة حسية، والحكميات بعيد الشبه عن الحسيات، وإنما يعتبر في الحسي نفس الوصول إلى موضع تصل إليه اليد بدليل أصل الفم وداخل
[ ١ / ٩٠ ]
العين فإنه إذا اكتحل بإثمد نجس يجب غسل عينه حتى لو كان بموضع آخر من بدنه نجاسة، فإذا ضم إليه زاد على قدر الدرهم لا تجوز صلاته.
وكذلك المبالغة تسقط في الوضوء والجنابة ويجب غسل أصل الفم وأعلى الحلق إذا أصابته نجاسة، فدل أنهما مختلفان في الاعتبار ووضع الشرع فسقط تمثيل أحدهما بالآخر والله تعالى أعلم.
* * *
[ ١ / ٩١ ]