(مسألة)
المني طاهر عندنا.
وعندهم نجس.
لنا:
ما رواه شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس قال: سئل النبي ﵇ عن المني يصيب الثوب قا ل: «إنما هو بمنزلة البزاق والمخاط وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بأذخرة».
[ ١ / ١٢٠ ]
وعن ابن عباس نفسه كذلك.
قالوا: أليس يورى عن النبي ﵇ أنه قال لعائشة: «إذا رأيت المني رطبة فاغسليه، وإذا وجدته يابسًا فافركيه».
وأيضًا فإن النبي ﵇ مر على عمار وهو يغسل ثوبه من النخامة فقال: «إنما يغسل الثوب عن خمس: البول والغائط والقيء والدم والمني».
الجواب:
أما الخبر الأول/ فلا يعرف على ما رووا، وإنما المعروف عن عائشة أنها قالت: «كنت أفرك المني عن ثوب رسول الله إذا كان يابسًا وأغسله إذا كان رطبًا» وهذا نقول به على الاستحباب.
وأما الخبر الثاني: لم يروه غير ثابت بن حماد، قال الدر قطني: هو ضعيف جدًا.
[ ١ / ١٢١ ]
ومن جهة المعنى نقول: المني متولد من أصل ليصير أصلًا مثله فلا يكون نجسًا، دليله البيض، وتأثيره أن نجاسته إما أن يكون من أصله أو من عينه، فإذا كان من أصله فأصله طاهر فلا يوجب نجاسة متولدة منه، وإن كان من عينه فليس عينه إلا غذاء مستحيل، وهذه الاستحالة إلى صلاح وهو تكون الولد منه.
والاستحالة إلى صلاحية تكون الولد منه كالاستحالة إلى صلاحية تغذي الولد به وذلك اللبن، ثم تلك الاستحالة لا توجب النجاسة كذلك هاهنا.
فإن قالوا: إن الاستحالة إلى نتن وقذارة.
قلنا: أما النتن فلأن رائحته رائحة الطلع، وأما القذارة فقذارة يسيرة مثل قذارة المخاط، وذلك لا يعتبر.
واستدل الأصحاب بجواز الفرك في اليابس إذا أصاب الثوب. قالوا: لو كان نجسًا لم يجز الاقتناع بالفرك، لأنه يلين الموضع، وليس يستأصل أجزاء النجاسة، ولهذا المعنى لو أصاب الموضع بعد ذلك ماء فإنه ينجس، ثم ناقضوا الثوب بالبدن وقالوا: لو أصاب المني بدنه ويبس لم يطهر بالفرك وهذه مناقضة بينة ولا يتبين بينهما فرق، والاعتماد على ما سبق.
وأما حجتهم:
قالوا: خارج ينقض الوضوء فيكون نجسًا، دليله البول، وتأثيره أن وجوب الطهارة إنما يكون عن نجاسة على ما سبق، فوجوب الطهارة دليل النجاسة قطعًا بل هذا أولى من البول، لأنه ينقض الطهارة الصغرى والمني ينقض الطهارة الكبرى.
[ ١ / ١٢٢ ]
واعترضوا بما قالوه على قولنا: «إنه ليس في أصله ولا في عينه ما يدل على نجاسته»، لأنه إن لم يكن في أصله وفي عينه ما يدل على نجاسته ففي حكمه ما يدل على نجاسته.
قالوا: وأما الاكتفاء بالفرك عند يبسه فإنما كان لدفع الحرج، وذلك لأن المني يكون حصوله في الغالب بين بنات الإنسان ويكثر ويتردد على العادات فإنه يوجد بالغشيان وهو يكثر بين الرجال والنساء، فلو أوجبنا الغسل أدى إلى الحرج بخلاف البول، فإنه يكون في المواضع المعتاد من الكنيف والمستراحات (وعلى أن المني شيء غليظ لزج فإنما يخف على ظاهر الثوب، ولا يدخل أجزأه فإذا فرك يزول معظمه، وإنما تبقى أجزاء يسيرة لا يعتد بها.
وأما في البدن فقد قال بعضهم: يطهر بالحت أيضًا وعلى التسليم قالوا: إن حرارة البدن تتشربه فلا يزول إلا بالغسل.
وقد تعلق بعضهم في الحكم بنجاسة المني بجريانه في الموضع وهو داخل القضيب) وقالوا: «مائع جاري في مجرى البول فيكون نجسًا كالمذي».
وتعلقوا من الحكمة بالعلقة، وزعموا أنها أخت النطفة وقرينتها.
قالوا: وبهذا نعترض على قول من قال من مشايخكم: إن النطفة أصل الآدمي فيكون طاهرًا كالتراب، فإن العلقة أصله أيضًا ومع ذلك هي نجسة. ثم قالوا: إن الأصل لنبي آدم ليس إلا التراب فإن الله تعالى قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ﴾.
[ ١ / ١٢٣ ]
وإنما النطفة عارض داخل في الوسط مثل العلقة، فالحكم بنجاستها لا يوجب إدخال نقيصة في كرامات الآدمي مثل العلقة سواء.
قالوا: وأما البيض فإنه يحتجب بقشرة عن الفضلات النجسة في البدن، وعلى أنه يخرج على الأصل الذي قلناه، فإنه لم يقم دليل حكمي على نجاسته بخلاف مسألتنا على ما سبق.
الجواب:
أما قولهم: «إنه خارج ينقض الطهارة».
قلنا: ولم إذا نقض الطهارة وجب أن يكون نجسًا؟
قالوا: لأن الطهارة لا تجب عن نجاسة.
قلنا: ليس كذلك، وقد بينا أن الطهارة عن الأحداث محض تعبد ولا يدل الوجوب على النجاسة أصلًا، هذا وقد سبق بما فيه المقنع والكفاية. يبينه أنه لو كان وجوب الطهارة دليل النجاسة في الخارج فيجب أن يقال: إن الواجب من الطهارة إذا كان أعظم تكون النجاسة أغلظ وإذا كان الواجب أخف تكون النجسة أخف كذلك فإن نجاسة البول أغلظ من نجاسة المني ومع ذلك خروج المني يوجب الطهارة الكبرى، وخروج البول يوجب الطهارة الصغرى.
وقد نقض الأصحاب ما قالوه/ بالولد الجفاف والحصا، والاعتماد على ما بينا.
وأما ما تعلق به مشايخهم من جريانه في مجرى البول فليس بشيء.
لأن هذا يقتضي أن يكون نجاسة المني نجاسة مجاورة لا نجاسة عينية. وعندهم أن نجاسة المني نجاسة عينية، وعلى أنه لا ينكر أن يكون بين
[ ١ / ١٢٤ ]
مجرى المني ومجرى البول حاجز يمنع اختلاط البول به، ولهذا المعنى اجتزوا بالفرك من اليابس منه، وما تنجس بالبول فإنه لا يجتزئ بالفرك فيه.
وأما ما اعتذروا به من اعتبار الحرج فلا حرج، وعلى أنه موجود في المذي، ولعل ابتلاء الناس به بوجوده في ثيابهم أكثر منه في المني، ومع ذلك لا يكتفي فيه بالفرك فبطل ما قالوه.
وأما العلقة فقد منع بعض أصحابنا، وقال إنها طاهرة، ولئن سلمنا فلأنها دم، ولا يدل الحكم بنجاسة الدم على نجاسة المني.
فإن قالوا: إن المني أيضًا دم إلا أنه أبيض بنار الشهوة، كما يبيض ماء الورد الأحمر بتصعيد النار.
قلنا: هذا هوس من يدرس أنه دم، وإنما خلقه الله منيًا كما هو في صلبه، كما خلق البيضة في جوف الطير كهيئته، وخلق اللبن في الضرع كهيئته، والرجوع إلى قول الطبيعيين باطل.
* * *
[ ١ / ١٢٥ ]