(مسألة)
تارك الصلاة يقتل عندنا.
وعندهم: لا يقتل لكن يعزر ويؤدب.
[ ١ / ٣١٧ ]
لنا: الحديث الصحيح وهو قوله ﵇: «العهد الذي بينا وبينهم الصلاة فمن تركها متعمدًا فقد كفر»، وروى مطلقًا: «من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر».
فالخبر قد تضمن إلزام الكفر وإلزام القتل، وقد قام الدليل أنه لا يكفر فبقى القتل لازمًا، وهذا استدلال ضعيف، لأن الخبر لم يتضمن إلا الكفر نصًا.
فأما القتل فوجوبه في ضمنه حكمًا له، فإذا لم يلزم الكفر سقط ما في ضمنه.
[ ١ / ٣١٨ ]
يبينه أن القتل أن وجب بالخبر فيكون وجوبه على أنه واجب الكفر، ولا يستقيم إيجاب واجب الكفر بلا كفر.
وقال بعضهم في وجه الاستدلال بالخبر: إن تعطيل الخبر لا سبيل إليه ولابد من العمل به من وجه، وقد اتفقنا نحن وأنتم على أنه لا يكفر فلم يبق إلا التشبيه بالكفر في إلزام خاصيته فيكون في التقدير: من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر- أي ضاهى الكفار وأشبههم في المضاهاة في التزام عقوبة الكفر لا في نفس الكفر، وعلى هذا لا نقول إن الواجب عقوبة الكفر لكنه عقوبة ترك الصلاة لكنه عقوبة مثل عقوبة الكفر، وهذا كلام لا بأس به، وإن تضمن ترك ظاهر الخبر، وما يدل عليه من حديث النص.
وقد تعلق المخالفون من حيث السنة بقوله ﵇: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث » الخبر.
وقالوا: ولم يوجد من تارك الصلاة واحد من الثلاث فلم يقتل، ونحن نقول: قد وجد ترك الإيمان من وجه، فإن الصلاة إيمان بنص الكتاب. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
وقد أجمع أهل التفسير أن المراد به الصلاة فعلى هذا وجد ترك
[ ١ / ٣١٩ ]
الإيمان بترك الصلاة، وعلى أن الحصر بالعدد الثلاث لا يمنع إلحاق رابع/ بها عند قيام الدليل عليه، وقد كانت الواجبات في زمن النبي ﵇ بعرض الزيادة والنقصان، وليس في الخبر الذي رووه دليل على منع وجوب القتل بترك الصلاة. وقد أوجبوا القتل على الردأ في قطع الطريق ولم يوجد منه واحد من الثلاث ويباح دم القاصد إلى مال الغير ونفسه إذا لم يمكن دفعه إلا بالقتل ولم يوجد منه أيضًا واحد من الثلاث.
ونعتمد في المسألة على نوع من الاستدلال فنقول الشرع قسمان: أمر، ونهى، والخلاف داخل في كل واحد من القسمين إلا أن في قسم الأمر يكون الخلاف بالترك، وفي قسم النهى يكون الخلاف بالفعل، والعقوبات المشروعة في الجنايات زواجر عن الجنايات فكلما كانت الجناية أغلظ تكون العقوبة أبلغ، وإذا كانت الجناية أخف فتكون العقوبة أخف، وقد وجد في الجناية في أحد قسمي الشرع وهو النهي ما يعاقب عليه بالقتل وهو الزنا وسفك الدم، فوجب أن توجد في القسم الآخر ما تكون الجناية بالخلاف فيه موجبًا لعقوبة القتل وليس ذلك إلا ترك الصلاة.
وهذا لأن الجناية المتناهية موجبة للعقوبة المتناهية، والزنا وسفك الدم جناية متناهية، لأنه لا جناية فوقهما في قسم ارتكاب النهي إلا الكفر، كذلك إذا ترك الصلاة فقد وجد جناية متناهية، لأنه لا جناية فوق ترك الصلاة في هذا القسم، وهو ترك الأمر فإذا تناهت الجناية تناهت العقوبة، والعقوبة المتناهية بالقتل المعدم للحياة أصلًا فجرى وجوبه في الطرفين ليستحق الشرع على التعديل والتسوية ولا يحكم بتناقض واختلاف، وتصير المعاني المؤثرة في الأحكام مطردة مستمرة، ثم الدليل على تناهي الجناية بترك الصلاة، أن الصلاة امتازت من بين سائر العبادات بنوع شرف وخطر لا يوجد لغيرها.
[ ١ / ٣٢٠ ]
ويمكن أن يقال بغلبة اشتباه أصل الإيمان عليه، الدليل على امتيازه بهذا الحظر والحرمة الاسم الشرعي والمعنى، أما الاسم فهو أن الله تعالى سماها إيمانًا ولم يرد هذا الاسم لشيء من العبادات سواها، ولأن النبي ﵇ سماها عماد الدين، وعماد الشيء ما يكون بقاؤه به ولم يوجد هذا لغيرها.
وقال أيضًا - ﷺ -: «نهيت عن قتل المصلين»، كما قال «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله».
ومن جهة المعنى: لأنها وظيفة دارة على درور الليل والنهار وكرورها مثل الإيمان وظيفة مستمرة على دوام الليل والنهار وقرارهما، ولأنه لا تدخلها النيابة بنفس ولا مال مثل الإيمان سواء بخلاف الزكاة والحج والصوم على أحد القولين، وأيضًا لا يسقط بعذر عجز ومشقة بعد إن أمكن الإتيان به بوجه ما كالإيمان سواء فثبت ما قدمنا، وتأصل الأصل واستمر واستقر.
وأما حجتهم:
تعلقوا بسائر العبادات.
وقالوا: عبادة من فروع الإيمان فتركها لا يوجب القتل كسائرها.
والجواب: ما سبق.
وقد قال أبو زيد: ترك الصلاة محض كف عن الفعل فلم يكن معصية بنفسه، وإنما كان معصية بغيره، وهو أنه ترك مأمورًا به وما صار معصية بمعنى في غيره لم يوجب العقوبة، وهو مثل تناول مال الغير لما لم يكن معصية لعينه، وإنما صار معصية لتعلق حق الغير بالمحل لم يكن
[ ١ / ٣٢١ ]
موجبًا للعقوبة وهذا ليس بشيء، لأن الكف من الفعل معصية بنفسه إذا اتصل الأمر بالفعل المكفوف عنه كالكف عن الفعل طاعة بنفسه إذا اتصل الأمر به وذلك في الصوم.
وهذا لأن هذه جناية من حيث ترك الأمر والجناية من حيث ترك الأمر لا يتصور إلا على هذا الوجه وهو الكف عن الفعل المأمور به وإنما صار جناية من حيث الأمر لا من حيث نفس الكف كالفعل من الزنا والقتل صار جناية من حيث النهى، لا من حيث نفس الفعل فمتى تناهى الأمر في المبالغة تناهت الجناية عند الترك، كما إذا تناهى النهي في المبالغة تناهت الجناية عند الفعل.
وقد قيل: إنه لا يتصور جناية لمعنى راجع إلى نفس الفعل، لأنه لو كانت الجناية لنفس الفعل لم يتصور إباحته بحال، والشرعيات قد أبيح فيها أجناس المنهيات مثل: قَتَلَ وقُتلَ، ووَطءَ وَوُطِء، وأَخذَ وأخذ، ولو نهى عن الشيء لعينه لم يتصور ورود الإباحة في نفسه بحال، فثبت أن المعتبر وجود الجناية من حيث ارتكاب النهي أو ترك الأمر، والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
[ ١ / ٣٢٢ ]
(مسألة)