(مسألة)
تجب الزكاة في مال الصبيان والمجانين عندنا.
وعندهم: لا تجب.
إن الزكاة حق الفقير يجب بسبب ملك المال، وملك الصبي والمجنون مثل ملك البالغ فتجب عليه، كما تجب على البالغ.
يبينه: أن السبب إذا تحقق للواجب، وكانت الذمة محتملة لوجوبه لم يمتنع الوجوب بحال فقد تحقق في مسألتنا، وهو ملك المال على ما سبق.
وذمة الصبي محتملة للوجوب بدليل الغرامات والنفقة، وسائر مؤن المال تجب عليه كما تجب على البالغ، فأشبه الصبي البالغ في هذا الباب ولم يقع بينهما الفرق بوجه ما، فإذا وجب على أحدهما وجب على الآخر.
والدليل على أن الزكاة حق الفقراء قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ
[ ٢ / ٥٤ ]
لِلْفُقَرَاءِ﴾، ولا كلمة أبلغ من هذا في إثبات حق الفقراء، وهو مثل قول القائل: «ثلث مالي بعد موتي للفقراء».
وقال تعالى: ﴿أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.
ولأن الواجب هو التمليك، والحق في التمليكات لمن يقع له الملك.
دليله: سائر التمليكات.
يبينه: أن التمليك من الله تعالى لا يتصور، لأن الأشياء لله تعالى قبل التمليك وبعد التمليك على وجه واحد، وأيضًا فإن التمليك هو نقل الملك الذي للعبد في شيء إلى غيره، والملك الذي يكون للعبد لا يكون العبد من أهله بحال، وقد وجب التمليك في مسألتنا، وهو نقل الملك الذي للعبد، فإذا لم يتصور أن يكون من الله تعالى علمنا قطعًا أنه حق العباد وهم الفقراء.
يدل عليه: أن الأملاك ثابتة للعباد لنفع العباد، والنفع للفقراء في الصدقات فيكون الحق لهم، والله تعالى يجل عن الانتفاع بشيء أو التضرر بشيء، فإذا وجب المال الذي يتطلب به النفع كان حقًا لمن له النفع، فهذه كلمات في نهاية الوضوح، وتبين أن الزكاة حق الفقراء فصارت مؤنة مالية وجبت بملك المال ومؤن المال يتبع وجوبها المال كسائر المؤن، وأحسن ما يتعلق به العشر وصدقة الفطر، فإنهما لما كانا من المؤن المالية تبعًا المال، فسواء وجد ذلك للبالغ أو للصبي أو المجنون اتصل به الوجوب، كذلك ههنا.
[ ٢ / ٥٥ ]
وقد تعلق الأصحاب بالعشر وصدقة الفطر ابتداء، وقاسوا الزكاة عليهما بطرديات ذكروها، ووجه التعلق بهما بطريق التحقيق هو ما قدمنا.
وأما حجتهم:
قالوا: عبادة محضة فلا تجب على الصبي والمجنون.
دليله: الصلاة والصوم والحج، وهذا لأن الصبي ليس من أهل وجوب العبادات عليه، والشيء لا يجب إلا على أهله، والدليل على أنه ليس بأهل لوجوب العبادة عليه، أن العبادة ابتلاء من الله تعالى لعبده ليظهر من يطيعه ممن يعصيه، ولا يتصور ابتلاء العبد إلا في فعل العبد، فأما الذي لا فعل للعبد فيه فلا يتصور ابتلاءه به، لأن الابتلاء اختبار وامتحان، والإنسان يمتحن بما فعله، ولا يمتحن بما يفعله غيره.
وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: ابتلاء الصبي بالعبادة لا يجوز، لأنه إن ابتلى بفعله ففعله غير معتبر، وإن ابتلى بفعل الولي فلا يجوز أن يبتلى الإنسان بفعل غيره، اللهم إلا أن يكون ذلك الغير يفعله بأمره فيقوم فعله مقام فعله لأمره إياه، فأما إذا كان فعله الغير عليه قهرًا وجبرًا فلا يتصور ابتلاؤه وامتحانه بذلك.
قالوا: وعلى هذا خرج البالغ إذا أمر غيره بأداء الزكاة عنه، لأنه إن كان يؤدى عنه بأمره تحقق معنى الابتلاء والامتحان، وقد حد بعضهم العبادة فقال: هو فعل يفعله العبد على وجه التعظيم لمعبوده باختياره وإرادته ويشتمل الأجرية على ابتلائه وامتحانه. ثم استدلوا على أن الزكاة
[ ٢ / ٥٦ ]
عبادة محضة بقوله ﵇: «بني الإسلام على خمس »، وذكر فيه «الزكاة».
وبالحديث الثاني: وهو سؤال جبريل صلوات الله عليه النبي ﵇: «ما الإسلام؟ فقال: أنتشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة » الخبر.
وإذا كان الإسلام عبادة محضة كان ما يبتني عليه عبادة محضة).
وقال أيضًا لما فسر الإسلام بالأوامر التي اشتملت على الزكاة وغيرها فالمفسر والمفسر به يكون كله عبادة.
يبينه: أنه لما كانت هذه الأشياء تفسير الإسلام، أو ما بنى عليه الإسلام يكون مشروعًا لما شرع له الإسلام، وإنما شرع ليكون حقًا لله تعالى على الخلوص، كذلك هذه الأشياء تكون كذلك.
قالوا: ولأن النعمة/ نعمتان: نعمة بدنية، ونعمة مالية، والشكر لله تعالى فيهما واجب فوجبت الصلاة لتكون شكرًا لنعمة البدن، ووجبت الزكاة لتكون شكر نعمة المال، وشكر المنعم حق المنعم فإذا كان أحدهما لله تعالى بوصف العبادة فكذلك الآخر، وأيضًا فإنه يتحقق معنى الابتلاء في كل واحد منهما.
أما الابتلاء في الصلاة والصوم بتعب البدن، والابتلاء في الزكاة
[ ٢ / ٥٧ ]
بنقصان المال، وكل واحد منهما بخلاف هوى النفس فحينئذ يظهر من يطيع ربه ممن يعصيه.
قالوا: وإنما افتراق الصلاة والزكاة بجواز أحدهما بالنائب وعدم جواز الآخر، فإنما كان كذلك، لأن الابتلاء في الصلاة والصوم لا يكون بفعل غيره، لأنه يتعب البدن ولا يتعب بدنه ببدن غيره.
وأما الابتلاء في الزكاة يوجد بفعل غيره، لأنه بنقصان المال ونقصان المال بفعله وفعل غيره واحد إلا أنه مع هذا لابد من فعل منه حتى لو أدى زكاته بغيره أمره لا يجوز بخلاف الديون والغرامات، وإذا لم يكن بد من فعل تحقق معنى العبادة فيه.
وقولكم: «إن الواجب حق الفقراء».
لا يصح، لأن الفقر لا يكون علة في استحقاق حق على الغير إنما النعمة من قبل الله تعالى تكون سببًا في إيجاب الشكر على العبد، ولأنه لو كانت الزكاة حق الفقراء لكانت حقًا خالصًا لهم ولم يكن فيه معنى العبادة أصلًا.
وقد سلمتم أن فيها معنى العبادة حتى لا يجوز أداؤها إلا بأمر من قبله ليوجد معنى العبادة بوجود فعله.
وقولهم: «إن الواجب هو التمليك، والتملك حق المتملك».
قال: (الواجب هو الإخراج إلى الله تعالى وهو يتولى قبض الزكاة بدليل قوله تعالى: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَاخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾.
[ ٢ / ٥٨ ]
وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ والقرض حق المستقرض واقع في قبضه وملكه وملك المستقرض.
وقال ﵇: «إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير».
فثبت بهذه الدلائل أن الزكاة حق الله تعالى وهو القابض لها بواسطة يد الفقير فكأن الفقير يأخذ لله تعالى ثم يقبض منه لنفسه صلة أو عوضًا عن الرزق الموعود، ونظيره ما لو قال: «اقض بوديعتي التي لي عندك ما على لفلان من الدين» فإنه يصير صاحب الدين قابضًا له أولًا ثم يصير قابضًا منه لنفسه، وكذلك لو قال: «اقض بما لي عليك من الدين ما لفلان على من الدين».
قالوا: وقولكم: «إن التمليك من الله لا يتصور».
قلنا: يتصور، فإن إخراج الملك إلى الله تعالى متصور بدليل الوقف والعتق.
وأما فصل النفع التي قلتم، فنحن حققنا نفع العبد بالوجه الذي قلنا إلا أنه بواسطة قام الدليل على إثباتها.
قالوا: «وأما صدقة الفطر والعشر».
[ ٢ / ٥٩ ]
أما صدقة الفطر فعندنا لا تجب على الصبي إنما تجب على الولي بسببه وهو مما يجب على الغير بسبب الغير.
أما ههنا لو وجبت الزكاة وجبت على الصبي، لأنها لا تجب على الغير بسبب الغير، ولأن الوجوب بسبب الملك، والملك للصبي فيكون الوجوب على الصبي، وصدقة الفطر تجب إذا كان يمون رأسًا عن ولاية وقد وجد هذا المعنى في حق الابن الصغير، كما يوجد في حق السيد مع العبد.
فإن قلتم: إن صدقة الفطر تجب على الصبي بدليل أنه يخرج عن ماله.
قلنا: يخرج من مال نفسه على قول محمد وزفر، ولا يخرج من مال الصبي بحال، ولو أخرج ضمن، وهو القياس، وإن سلمنا استحسانًا، فإنما أخرج من ماله، لأنه وجب بسببه.
وقد قال بعضهم:
إن صدقة الفطر ليست بعبادة محضة، لأنها تشبه النفقات بدليل وجوبها على الغير بسبب الغير فيجب على الصبي لا على وجه العبادة بل على أنها مؤنة ويصير معنى العبادة تبعًا ووجوب تبعية في معنى العبادة لا يمنع وجوبها على الصبي، لأنه في الجملة من أهل العبادة بخلاف
[ ٢ / ٦٠ ]
الكافر، إلا أنها لما وجبت على جهة المؤنة وصار معنى العبادة تبعًا جاز أن يؤدي بولاية تثبت جبرًا لا باختيار من عليه.
وأما الزكاة عبادة محضة على ما سبق فلم يمكن إيجابها على الصبي لتأدى عنه بولاية لا على وجه الاختيار.
وأما العشر فليس أيضًا عبادة محضة بل مؤنة الأرض مثل الخراج على ما سيأتي من بعد هذا إلا أن الخراج ليس فيه معنى العبادة، وأما العشر ففيه معنى العبادة فافترقا حتى يجب الخراج على الكافر ولا يجب العشر إلا على المسلم، وإذا وجب على أنه مؤنة الأرض فيجب على الصبي كما تجب سائر المؤن.
قالوا: ولهذا أوجبنا العشر والخراج في أرض المكاتب والأرض الموقوفة.
وهذا لأن الأراضي لا تكون محفوظة على ملاكها إلا بحفظ الإمام وحمايته فكأن الله تعالى جعلها للعبادة كمؤنة أوجبها عليهم للمقاتلة تارة وللفقراء تارة لتصير محفوظة بالإمام على صاحبها وتسلم له منافعها ولم يمكن إيجابها على طريق التعبد المحض ابتلاء واختيارًا، وأما سائر الأموال فمحفوظة بأيدي أربابها/ فلا يحتاج إلى مؤنة يلتزمها ليحفظها الإمام عليه فكان إيجاب الزكاة محض تعبد على وصف الابتلاء كما سبق بيانه فلم يستقم إيجابها على الصبي على ما ذكرنا.
الجواب:
أما قولهم: «الزكاة عبادة محضة».
[ ٢ / ٦١ ]
يقال لهم أولًا بطريق الجدل: لم لا يجوز إيجاب العبادة المحضة على الصبي؟ فإن تمسكوا بالصوم والصلاة فسنجيب عنه، وإن تعلقوا بقولهم: «إن العبادة لا تحقق من الإنسان إلا بفعل يوجد منه».
قلنا: نعم، ولكن يجوز أن يقام فعل غيره مقام فعله فيها ويجعل كأنه الفاعل لها. ألا ترى أنه لو أمر البالغ غيره بأداء الزكاة جاز وقام فعل النائب مقام فعله، وليس لهم على هذا إلا قولهم إن الاستنابة هناك كان باختيار من العبد.
لذلك نقول: العباد في فعل الشيء لا في الأمر به، ولكن قام فعل النائب مقام فعله فتحقق معنى العبادة، كذلك ههنا يقوم فعل الولي مقام فعل الصبي فيتحقق معنى العبادة، وهذا لأن المقصود من الأمر في كل موضع نفس وجود المأمور به، والمأمور به إخراج مال عن مال من عليه فإذا أطلقنا إخراج الزكاة من ماله سواء أكان بأمره أو بأمر الشرع أفاد الأمر، وإذا أفاد الأمر صح ونفذ. وأما الابتلاء لحكمة الأمر وصحة الأمر لا يكون به بل بإمكان المأمور فحسب، فإذا أمكن المأمور صح الأمر، فهذا جواب من حيث المجادلة في نهاية الحسن.
وأما الجواب من حيث الفقه بالمنع على ما سبق:
وحقيقته أن الزكاة حق الفقراء، ومعنى العبادة تبع مثل العشر وصدقة الفطر على ما سلموا، وإنما جعلنا حق الفقراء الزكاة حق الفقراء وأثبتنا فيها معنى العبادة بحسب قيام الدليل، لأن الدليل قد قام بكونها حقًا للفقراء على ما سبق، وقام الدليل أيضًا بثبوت معنى العبادة فيها، لأنها لما وجبت ابتداء، وقد اشتملت على شكر نعمة المال وفعلها بطلب التقرب إلى الله تعالى وتحصل رضاه كانت قربة، والعبادات قرب فتضمنت معنى العبادة من هذا الوجه ونظيره العشر.
[ ٢ / ٦٢ ]
وأما دلائلهم على أنها عباده محضة:
أما الخبران الأولان فنقول: هذه الأشياء مباني الإسلام اعتقاد وجوب، وكذلك هي الإسلام باعتقاد الوجوب إلا أن تخصص هذه الأشياء كانت تشريفا لهًا، لأنها وجبت ابتداء من قبل الله تعالى من غير فعل سبق من العبد، وليس في جملة الأوامر من البدنية والمالية ما وجب ابتداء من قبل الله تعالى على العبد إلا هذه الأشياء، وهي مثل الإسلام وجب ابتداء من قبل الله تعالى على العبد ثم كون بعضها عبادة محضة أو حقًا للآدمي يكون بدليل يقوم عليه.
وأما قولهم: «إن الزكاة شكر نعمة المال».
قلنا: وكونه للفقراء لا ينفي شكر نعمة المال، لأن شكر نعمة العبد لربه في امتثال أمره، وذلك يوجد سواء أكان الحق لله أو للفقير وعلى أنا جعلنا فيها معنى العبادة بهذا السبب على ما سبق.
وأما الصلاة والصوم لم يكن عبادة، لأنها شكر نعمة بل بدليل آخر:
وهو أن الصلاة محض تقرب إلى الله تعالى بالتخشع والتذلل، ومحض تعظيم له، ومثل هذا لا يستحقه سوى الله تعالى بل لا يجوز لغيره بحال.
أما في مسألتنا فالزكاة محض تمليك، وقد بينا أنه لا يصلح أن يكون حقًا لله تعالى على الخلوص.
يبينه: أن الصلاة لما كانت عبادة محضة لله تعالى لم يتصور أن يكون جنسها ومثلها للعبد، وفي مسألتنا قد تصور جنس الزكاة حقًا للعبد بدليل العشر وصدقة الفطر، دل على انقطاع المشابهة.
وكذلك الحج خارج على هذا.
وقد أجاب المشايخ عن الصلاة والصوم بالتفريق بالبدلية والمالية.
وقالوا: بدن الصبي ناقص ويكمل بالبلوغ وماله كامل من غير نقصان
[ ٢ / ٦٣ ]
ولهذا أثر السفر الذي يشعر بالمشقة بدنًا في الصلاة والصوم ولم يؤثر في المال وهذا أحسن، إلا أنه على تسليم أن الزكاة عبادة محضة، فأما على الطريقة التي اخترناها بالتخريج بما قلنا، والحج قد خرج أيضًا على ما ذكرناه، وعلى طريقة المشايخ هو عبادة بدنية ويؤدي بالبدن وإنما انقلب في حق المغصوب إلى المال لعارض عجز فلا يعتبر ذلك مثل ما لا يعتبر انتقال الصوم إلى المال بعارض العجز، ولأنه يؤدي بدنًا بكل حال، فإن النائب يؤديه بالبدن، لكنه استوجب عليه المال، وأما الزكاة تؤدي بالمال فانقطعت الشبهية بكل وجه، والمعتمد ما سبق.
وأما قولهم: «لا سبب ليجب الحق على الفقراء».
قلنا: وجب ابتداء من قبل الله تعالى لا يطلب له سبب مؤثر، وعلى أن المواصلة دينًا سبب لهذه الصلة، والمواصلات تصلح سببًا لإيجاب الصلات. وأما ما ذكروا من الاعتراض على قولنا: «إن التمليك من/ الفقير من أنه مخرجها الزكاة مخرجها إلى الله تعالى ثم إلى الفقير».
فنقول: هذا إثبات ترتيب لا يدل عليه نص ولا معنى، بل النص والمعنى دليلان على أنها حق العباد ابتداء على ما ذكرناه، وما ذكر من الكتاب والخبر، فالمراد من ذلك تحقيق القبول من الله تعالى، فأما أن تملك من الله تعالى ثم الفقير يملكه من قبل الله تعالى بالرزق الموعود، فهذا شيء لا يعرف.
وأما قولهم: «إنه إخراج إلى الله تعالى».
قلنا: ليس الواجب إلا التمليك ولا يعرف للإخراج معنًى سوى هذا،
[ ٢ / ٦٤ ]
وقد بيَّنا أن التمليك لا يتصور إلا من العبد، وعلى أن الرزق الموعود الذي قالوه يوجد إيصاله إلى العباد بإيجاب الحق للفقراء ابتداء فلا حاجة إلى أن يجعل لله ثم يجعل للعبد على الوجه الذي قالوه.
وأما العشر وصدقة الفطر ففي نهاية اللزوم، والعذر في نهاية الضعف وقد جعلا عبادة في اعتبار فعل العبد حتى لو أدى الأجنبي عن الأجنبي ذلك لا يجوز إلا بأمره، ومع ذلك قد تأديا بولاية تثبت قهرًا وجبرًا على الصبي والمجنون. فهذا حرف الإلزام ولا كلام لهم على هذا. وعلى إنا حققنا في جانب الزكاة ما حققوه في جانب العشر وصدقة الفطر وهو كونه حق الفقراء وإدراج معنى العبادة تبعًا فاستوى الكل، وصارت في رتبة واحدة على ما سبق. والله أعلم.
وأما الكلام في المسألة من حيث الخبر:
فقد روى الوليد بن مسلم عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - خطب الناس وقال: «ألا من ولى يتيمًا وله مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة».
[ ٢ / ٦٥ ]
وذكره أبو عيسى في جامعه قال:
(عمرو بن شعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد سمع شعيب من جده عبد الله بن عمرو قال: «وقد تكلم يحيى بن سعيد القطان في حديث عمرو بن شعيب وقال: هو واهي، وإنما ضعفه لأنه كان يروي عن صحيفة جده عبد الله بن عمرو، وأما سائر أئمة الحديث فإنهم يحتجون بحديثه ويثبتونه منهم أحمد بن حنبل)، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وغيرهم.
قالوا: روى وجوب الزكاة في مال اليتيم عن عمر وعلي وعائشة وابن عمر وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ٦٦ ]
(مسألة)