(مسألة)
جلد ما لا يؤكل لحمه لا يطهر بذبحه عندنا.
وعندهم يطهر.
لنا:
إن الموجود قتل وليس بذكاة فلا يعمل في تطهير الجلد.
دليله إذا كان الذابح مجوسيًا، وإنما قلنا لأن الذكاة فعل شرعي لا يوجد إلا من أهله في محله، والمحل مفقود هاهنا، لأن الذكاة فعل مشروع لحل اللحم بدليل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ إلى أن قال: ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. فعد ما حرم أكله ثم استثنى المذكاة في الحكم الذي وردت له الآية وهو الأكل. والمعنى: لا تأكلوا هذه الأشياء إلا المذكاة «فكلوا» دل أن الذكاة مشروعة للأكل.
ولأن تحريم تعذيب الحيوانات أصل عظيم معقولًا ومشروعًا إلا أن بالناس حاجة إلى اللحوم لمعنى التغذية وهو حاجة عامة ولا يوجد شيء آخر يقوم مقامه في معناه والميتات خبيثة وكرامة بني آدم اقتضت تحريم الخبائث
[ ١ / ١٢٦ ]
عليهم، وتحليل الطيبات لهم، والذكاة معنى مطيب للحم من حيث إنه يسيل النجاسات من الحيوانات مزيل للخبائث بقدر الإمكان، فإن الله تعالى ببالغ حكمته وعميم كرامته ببني آدم أباح لهم لحوم بعض الحيوانات بطريق مخصوص شرعي وهو الذكاة.
وإنما قلنا إنه شرعي لأنه وضع بآلة مخصوصة في محل مخصوص من فاعل مخصوص، وشرع أيضًا على وجهة مخصوص على ما هو المعلوم فإذا وجد فيما عدا ذلك من المحال لم يكن ذكاة أصلًا، وإن وجدت بصورتها والتحق الفعل بالتخنيق والتوقيذ وغير ذلك، وإذا ثبت عدم الذكاة ثبتت نجاسة الجلد، لأنه لو طهر لكان يطهر بالذكاة فإذا لم تكن ذكاة لم يطهر.
وأما حجتهم:
قالوا: جلد يطهر بالدياغ فيطهر بالذكاة، دليله مأكول اللحم.
ثم استدلوا على وجود الذكاة بصدوره من أهله في محله.
أما قولنا: «من أهله» فهو المسلم أو الكتابي.
وأما قولنا: «في محله» لأنه حيوان طاهر عينه في حال حياته فيكون محل الذكاة، لأن الذكاة نوع معالجة لطلب منفعة، فإذا كان الحيوان طاهر العين في نفسه كان محل هذه المعالجة.
وقولنا: «لطلب منفعة» عنى بذلك منفعة الجلد، وهو معنى مطيب للجلد مثل الدباغ في جلد الميتة مطيب له.
[ ١ / ١٢٧ ]
ألا ترى أن في مأكول اللحم، فإن الجلد كما يطهر بالدباغ يطهر بالذكاة. لأن كل واحد منهما يعمل عمل صاحبه في تطييب الجلد، كذلك هاهنا تعمل الذكاة عمل الدباغ، وجلد هذا الحيوان يطهر بالدباغ فيطهر بالذكاة.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن منفعة الجلد تبع لمنفعة اللحم فإذا لم يفد الفعل حلًا في المتبوع لا يفيد طهرًا في التبع، لأنا لا نسلم هذه التبعة بل لكل واحد منفعة أصلية، بدليل أن في الشاة الميتة لا يحل لحمه بحال ويحل جلده بالدباغ.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن الفعل محظور في هذا المحل لأنا نسلم ذلك بل هو مطلق لطلب الجلد، كما هو مطلق لطلب اللحم في مأكول اللحم. قالوا: وأما تعلقكم بحرمة تعذيب الحيوان، تعلق فاسد، لأنه لا يجوز ذلك إذا كان لا لمنفعة، فأما لمنفعة فيجوز، ورووا أن النبي ﵇ نهى عن/ تعذيب الحيوان إلا لمنفعة.
الجواب:
أنا بينا انعدام الذكاة في مسألتنا، وكلامهم راجع إلى حرف واحد وهو شرع الذكاة لمنفعة الجلد، ونقول على هذا: إن الشرع قد شرع طريقًا للوصول إلى منفعة هذه الجلود وهو الدبغ بعد موت الحيوان، والذكاة فعل مشروع للحاجة فإذا عدمت الحاجة ارتفعت المشروعية، وخرج اللحم على هذا، لأنه لا طريق للوصول إليه سوى الذكاة.
فإن قالوا: ذاك طريق وهذا طريق.
[ ١ / ١٢٨ ]
قلنا: شرع الدباغ قد أغنى عن الذكاة المعذبة للحيوان.
قالوا: ما يغنى لأنه يتعجل إليه وصوله بالذكاة ولا يحتاج إلى تربص الموت.
قلنا: الحيوانات غايتها الموت وهو منتفع بها في الحال بوجه آخر، فلا ضرر عليه في التربص، وقد يصل إلى الجلد بوجه آخر إن احتاج إليه.
فإن قالوا: فإن كانت الذكاة لحلية اللحم خاصة فلم طهر الجلد في مأكول اللحم بالذكاة دون الدباغ؟
قلنا: لأنه تبع له، ولأنه يؤكل معه في كثير من البلدان، فإذا لم يطهر بطهارته أدى إلى حرج عظيم فحكمنا بطهارته دفعًا للحرج. والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ١ / ١٢٩ ]
(مسألة)