(مسألة)
جماعة محرمون اشتركوا في قتل صيد فعليهم جزاء واحد عندنا.
وعندهم: على كل واحد جزاء كامل.
لنا:
ما روى عن ابن عمر ﵁ أنه سأله جماعة قتلوا ضبعًا عن الواجب عليهم، قال: «عليكم جزاء واحد».
وأما المعنى:
نقول: ضمان حيوان معصوم يتقدر بقدر الحيون فيكون الواجب واحدًا وإن تعدد المتلف.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
دليله: إذا قتل جماعة صيدًا في الحرم.
والفقه أن الضمان في مقابلة المتلف بدليلين:
أحدهما: لأن ضمانه لأمانه فإن الله تعالى أمن الصيود عن الحرمين كما أمن الصيود في الحرم، والأمان في الحيوان المباح قتله يوجب الضمان بدليل أهل الحرب، وإذا كان الضمان بهذا الطريق فلابد أن يكون في مقابلة المتلف.
والثاني: أن الواجب يقتدر بقدر المتلف، أما عندنا فإن الضمان بالمثل خلقة يكون معدلًا على قدر المتلف وصفاته، وكذلك على أصلكم تجب القيمة بقدر المقتول حتى إذا كان المقتول حيوانًا كبيرًا يجب بقيمته وإن كان صغيرًا يجب بقيمته، والواجب المعدل بقدر المتلف لا يتضاعف بتعدد المتلفين.
دليله: سائر الضمانات.
ودليله: المقتول خطًا أو عمدًا.
وأما حجتهم:
قالوا: الواجب جزاء الجناية وجناية كل واحد منهم كامل فيجب عليه جزاء كامل.
دليله: إذا انفرد، وإنما قلنا: إن الواجب جزاء الجناية، لأن الواجب كفارة، والكفارة جزاء الجناية لا لتمحيص الإثم مثل سائر الكفارات، ولهذا كانت الكفارة بما هو عبادة، لأن العبادة سبب لتمحيص الآثام بدليل
[ ٢ / ٣٥٨ ]
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، وهذا لأن الإحرام عقد يوجب تحريم أفعال عليه وتلك الأفعال محظورات هذا العقد فيصير بارتكاب المحظور جانبًا على إحرامه فيلزمه الجزاء ليكون في مقابلة جنايته، وهذا لأن ارتكاب الجناية مخيل في إيجاب الجزاء الزاجر عنها.
ويدل عليه أن الصوم يدخل في جزاء قتل الصيد ولو كان الواجب على طريق بدل المتلف وجب أن لا يكون للصوم مدخل فيه، لأن البدل واجب بشرط المماثلة ولا مماثلة بين الصيد والصوم فثبت بما قلناه أن الواجب بإزاء الجناية ثم الدليل على كمال الجناية كمال الإحرام وإذا كمل الإحرام فلابد من الحكم بكمال الجناية، لأن كمال الإحرام يوجب كمال الحظرية وكمال الحظرية يوجب كمال الجناية وكمال الجناية يوجب كمال الجزاء، وهذا كالجماعة إذا قتلوا واحدًا فإنه يجب على كل واحد منهم كفارة كاملة كذلك ههنا، وكان المعنى ما بينا.
قالوا: وأما التعديل بالمحل فإنما كان كذلك، لأن هذه الجناية لها محل فيكون قدرها بقدر المحل فعند زيادة المحل تزداد الجناية وعند نقصان المحل تنتقص الجناية.
وأما استواء الكفارة في قتل الآدمي فإنما كان لأنها مقدرة شرعًا فلا تزداد ولا تنتقص، وأما ههنا فالواجب هو القيمة وإن كان جزاء الجناية فجاز أن تنتقص وتزداد أخرى.
وقد سلك أبو زيد طريقة الشبهين وقال: إن الواجب يشبه جزاء
[ ٢ / ٣٥٩ ]
الجناية من وجه ويبه بدل المتلف من وجه، وقد أشرنا إلى ذلك في المسألة الأولى.
وقال أيضًا: إن الواجب كفارة القتل، والجماعة إذا اشتركوا في تقل صيد مثل الجماعة إذا اشتركوا في قتل واحد من بني آدم ثم هناك الموجود من كل واحد قتل كامل، كذلك ههنا الموجود من كل واحد قتل كامل فإذا كمل القتل كمل الكفارة، وبيان كمال القتل قد ذكرناه في ربع القصاص.
قالوا: وأما الجماعة إذا قتلوا صيدًا في الحرم/ فإنه لا يجب عليهم جزاء واحد، لأنه واجب على طريق البدل عن المتلف، والمتلف واحد فيكون البدل واحدًا وهذا لأنه لم يوجد منه عقد حتى يكون القتل جناية على العقد، وإنما الصيد في الحرم أمن بأمان الله تعالى فإذا قتله وجب البدل لله تعالى مثل من قتل صيدًا مملوكًا يجب الضمان لصاحب الملك.
وأما ههنا فإن هذا جزاء الجناية بدليل ما سبق.
قالوا: ولهذا لا يدخل الصوم في جزاء الصيد في الحرم ويدخل في جزاء الصيد في الإحرام.
وربما يقولون: إن الواجب في صيد الحرم حق الصيد والواجب في صيد الإحرام حق الله تعالى زجرًا لا جبرًا، لأن الجبر في حق الله تعالى لا يتصور.
الجواب:
قولهم: «إن الواجب جزاء الجناية».
[ ٢ / ٣٦٠ ]
لا نسلم ذلك، بل الواجب بدل المتلف على ما سبق بيانه.
والأولى أن نقول: إن الواجب ضمان المتلف على جهة البدل وتضمن ذلك نوع جزاء على الجناية، وهو كالقصاص عندكم ضمان المتلف بالمثل لكن تضمن الجزاء على الجناية، وبيان هذا في ربع القصاص، وعلى أنا قلنا أنه بدل المتلف على الإطلاق فيمكن تمشيته لما بينا أنه حيوان مضمون ولأنه ضمان معدل مقدر بقدر المتلف.
أما قولهم: «إنه يسمى كفارة».
قلنا: لا عبرة بالأسامي وجزاء صيد الحرم كفارة، وقد سلموا أنه بدل المتلف وعلى أنه يسمى كفارة، لأنه تضمن نوع جزاء على الجناية على ما سبق.
وأما قولهم: «إنه يجب بارتكاب محظور».
قلنا: هذا يوجد في صيد الحرم، ومع هذا قد سلموا أنه بدل، وعلى أن الدية واجبة بفعل محظور أو بتقدير فعل محظور وهي بدل قطعًا.
وأما كفارة قتل الآدمي فقد ذكر أبو علي الطبري صاحب «الإفصاح» قولًا للشافعي أن جماعة لو قتلوا واحدًا لا يجب عليهم إلا كفارة واحدة، وعلى أن هاك لا يمكن إيجابها على الأبعاض، ألا ترى أنها لا تجب بالجناية على بعض الجملة بحال، وههنا يمكن إيجابها أبعاضًا ألا ترى أنه
[ ٢ / ٣٦١ ]
يجوز أن يجب بالجناية على البعض وهو الطرف، ولأن الكفارة لما كانت جزاء الجناية لم تتقدر ولم يعدل بقدر المتلف حتى إن المتلف صغيرًا كان أو كبيرًا أو قليل القيمة أو كثير القيمة تكون الكفارة واحدة بخلاف مسألتنا على ما سبق.
وقولهم: «إن الجناية تزداد بزيادة المحل وتنتقص بنقصان المحل».
قلنا: إن كان هذا صحيحًا فهلا قلتم في كفارة قتل الآدمي يكون هكذا؟ وأما دخول الصيام فإنما كان لأن الواجب حق الله تعالى فلهذا دخل الصيام أو يجوز ضمان حق الله تعالى بالصيام وإنما لا يجوز في حق الآدمي.
وأما قولهم: «لا ممثالة بين الصوم والصيد».
قلنا: العبرة بالمماثلة شرعًا، والشرع في الابتداء أوجب المثل إذا أمكن ثم إذا صار الأمر إلى القيمة على تدريج فقد حقق معادلة بين الصوم والطعام من حيث الحكم لا من حيث الحس والمعقول، وعلينا الانقياد لذلك شئنا أو أبينا، وعندنا يدخل الصوم في جزاء صيد الحرم أيضًا.
وأما قولهم: «إنه وجد من كل واحد منهم قتل كامل».
فقد أجبنا عن هذا في القصاص، والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ٣٦٢ ]