(مسألة)
صغار الغنم تجب فيها الزكاة عندنا.
وعندهم: لا تجب.
وقول أبي يوسف مثل قولنا.
لنا:
إن الزكاة على التوقيف ولم يرد التوقيف فيها إلا بذكر عدد من جنس مخصوص مثل خمس من الإبل، وأربعين من الغنم، وثلاثين من البقر، ثم ورد بناء الواجب عليه، واسم الجنس يشتمل على الصغار والكبار والعدد المسمى يؤخذ في الكل فوجب إثبات الواجب على كل حال.
يبينه: أن السن صفة مثل صفة المرض والصحة والهزال والسمن ثم رأينا أن هذه الصفات غير معتبرة بل إذا وجد العدد المذكور من الجنس المذكور وجبت الزكاة على أي صفة كان الجنس، كذلك صفة السن تلحق بسائر الصفات، ولا ينظر إلى أي سن كان الجنس الموجود.
[ ٢ / ٤١ ]
وقد استدل الأصحاب بالكبار والصغار والمختلط بعضها ببعض فإنه تجب فيها الزكاة بالإجماع، وقالوا: كل نوعين يجب الزكاة فيهما عند اختلاط أحدهما بالآخر يجب في كل واحد منهما على الانفراد وتمام العدد منه.
دليله: الضاينة والمعز والجواميس والبقر.
وأما حجتهم:
قالوا: نقصان السن نقص يمنع وجوب السن المنصوص عليه فيمنع وجوب الزكاة أصلًا.
دليله: نقصان العدد.
يبينه: أن الفرض تارة يتغير بالسن وتارة يتغير بالعدد بدليل فرائص الإبل والبقر لما كان النقصان من حيث العدد مانعًا من وجوب الزكاة في الجملة فيكون النقصان من حيث السن كذلك أيضًا.
ومعتمدهم: هو أن الزكاة على التوقيف وقد ورد التوقيف بوجوبه على ترتيب مخصوص، ومعنى هذا أن في الإبل يبتدؤن بالغنم ثم تجب بنت مخاض ثم ينتقل من بنت المخاض إلى بنت اللبون ثم إلى الحقة ثم إلى الجذعة على ما عرف.
وأما البقر فيجب التبيع ثم المسنة ثم تستقر الأوقاص على عدد
[ ٢ / ٤٢ ]
معلوم، والواجب على سن معلوم ففي كل موضع أمكن الإيجاب على هذا الوجه أوجبنا وإلا لم نوجب أصلًا، لأن الأصل عدم الوجوب.
يدل عليه: أن عندكم يجب في خمس وعشرين من الفصلان فصيل ثم بعد/ ذلك لا يجب حتى يبلغ العدد ستًا وثلاثين فيجب حينئذ فصيلان ثم بعد ذلك إلى مائة وعشرين فتجب ثلاث من الفصلان.
فنقول: الشرع ورد بزيادة واجب على واجب إذا وجد زيادة نصاب على نصاب ونعني بذلك وجوب بنت لبون وحقة وجذعة عند وجود ستة وثلاثين، وستة وأربعين، وإحدى وستين، ففي الفصلان زيادة النصاب لا عمل لها في زيادة الواجب حتى إنه يجب في ستة وثلاثين من الفصلان مثل ما يجب في خمس وعشرين، وكذلك في ستة وأربعين وإحدى وستين، فنقول: كل ما لا تعمل زيادة النصاب فيه في زيادة الواجب لا يعمل النصاب فيه في أصل الواجب، وإن شئت استدللت عكسًا فقلت: لو كان أصل النصاب يؤثر في أصل الواجب لكان زيادة النصاب يؤثر في زيادة الواجب كالكبار، وعلى العكس منه كل جنس لا زكاة فيه.
وقالوا: وخرج على ما قلنا المرضى والهزال، وخرج أيضًا إذا اجتمع الصغار مع الكبار فإن في هذه الصورة إنما يجب في الكبار على الترتيب الوارد من غير تغيير بخلاف مسألتنا.
[ ٢ / ٤٣ ]
الجواب:
إن قولهم: «هذا النقصان يمنع وجوب السن المنصوص عليه»، فقد منع بعضهم على الإطلاق هذا وقال: يجب في الصغار ما يجب في الكبار وهو قول زفر من أصحابهم وهو القول الأول لأبي حنيفة رحمة الله عليه وإن كان قد رجع عنه.
ثم وإن سلمنا أنه لا يجب في الصغار ما يجب في الكبار فنقول: إنما كان كذلك لأنا إن أوجبنا ما أوجبنا في الكبار أدى إلى ضرر عظيم بأرباب الأموال وإجحاف بهم، والشرع ورد بإيجاب الزكاة على نظر يشتمل من الجانبين فلا يجوز تركه في أحد الجانبين، والحمل عليه بالكلية فعلى هذا نقول: وجد سبب الوجوب بوجود العدد من الجنس المخصوص فلا يمكن الإسقاط لما بينا من الدليل.
وحرفنا فيه: وهو أن الشرع ذكر العدد والجنس ولم يتعرض للوصف فالتعرض له في أصل الإيجاب اعتراض على الشرع، ثم قام دليل آخر وهو منع الشرع من الإجحاف بأرباب الأموال بدليل أنه أمر بالوسط، ونهى عن أخذ كرائم أموال الناس فقام الدليل على أصل الوجوب فقلناه به واعتقدناه، وقام الدليل على المنع من الإجحاف بأرباب الأموال يمكننا أن نوجب الأسنان المنصوص عليها فأوجبنا فيها من جنسها فعملنا بالدليل في الطرفين، فعملنا بالدليل القائم على أصل الوجوب، وعملنا بالدليل المانع من الإيجاب على وجه يضر بأرباب الأموال، والعمل بالدليل بقدر الممكن واجب فعلى هذا نوجب في السخال سخلة ولا نغير هنالك في الفرض إلا بالعدد فلم تغير إلا بالعدد.
[ ٢ / ٤٤ ]
وأما في الإبل والبقر فيعتبر قدر الإمكان فنوجب في خمس وعشرين من الفصلان فصيلًا لقرب قيمته من بنت مخاض، وفي ستة وثلاثين فصيلًا يقرب قيمته من بنت لبون، وكذلك في ستة وثلاثين، وفي ستة وأربعين أو يعتبر أربعًا متقاربًا في القيمة للفصلان التي توجبها في هذه المواضع.
وعلى أنا إن قلنا إنه يجب شيء واحد في خمس وعشرين، وست وثلاثين وست وأربعين وإحدى وستين على معنى أنه يجب في الكل فصيل فصيل، فلأنه لا يمكن إيجاب غير ذلك، ولو أمكن لفعلنا.
وأما إخلا المال من أصل الواجب مع كونه على الوصف الذي بينا فمحال. فهذا هو الجواب عن معتمدهم وهو جواب حسن جيد خارج على المذاهب فليعتمد عليه.
وأما تعلقهم بنقصان العدد، فليس بشيء، لأنه دخل الجواب عنه فيما قلناه، ويمكن التعلق في الجواب الذي ذكرناه عن معتمدهم بالمرضى والهرمي، فإنه يجب واحد منهما، ولا يجب الوسط المعهود، لأن في إيجاب الوسط المعهود إجحافًا وإضرارًا برب المال فأوجب الواحد من النصاب وإن لم يكن وسط بل كان من رذال المال، وكان المعنى أن الكل رذال فلم يمكن إخلاؤه من الواجب مع وجود النصاب المعروف، ولم يمكن إيجاب الوسط المعهود لتضمنه الإجحاف برب المال، فعملنا بالدليل بقدر الممكن، وهو العمل بأصل الإيجاب والرضا بالواحد من الموجود، كذلك ههنا، والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ٤٥ ]