(مسألة)
صوم التطوع لا يلزم بالشروع عندنا.
وعندهم: يلزم بالشرع.
وفائدته: أنه لا يجب عليه عندنا أن يمضي فيه لكن يستحب له ذلك، ولو أفسده لم يجب عليه القضاء.
وعندهم: يلزمه أن يتمه ولو أفسده وجب عليه القضاء.
[ ٢ / ١٩٧ ]
لنا:
حديث سماك بن حرب عن ابن أم هاني عن أم هاني قالت: «كنت قاعدة عند رسول الله - ﷺ - فأتى بشراب فشرب منه ثم ناولن فشربت منه، فقلت: إني أذنبت فاستغفر لي، فقال: ما ذاك؟ فقلت كنت صائمة فأفطرته، قال: أمن قضاء كنت تقضينه؟ قلت: لا، قال: فلا يضرك إذا».
رواه أبو عيسى في جامعة بهذا الإسناد، قال: «وفي الباب عن أبي سعيد الخدري وعائشة».
وروى هذا الحديث من وجه آخر عن أم هاني أن النبي ﵇
[ ٢ / ١٩٨ ]
قال: «الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر».
وروى أبو عيسى أيضًا بطريق بشر بن السري عن سفيان عن طلحة بن يحيى عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: كان رسول الله - ﷺ - يأتيني فيقول: «عندك غداء؟، فأقول: لا، فيقول: إني صائم، قالت: فأتاني يومًا، فقلت: يا رسول الله، إنه قد أهديت لنا هدية، قال: وما هي؟ قلت: حيس، قال: أما إني أصبحت صائمًا، قالت: ثم أكل».
قال: «وهذا حديث حسن»، وفي إسناد الخبر الأول مقال.
[ ٢ / ١٩٩ ]
وروى أبو داود الخبر الأول من طريق يزيد بن أبي زياد عن عبد الله ابن الحارث عن أم هاني وذكر في آخره: «ولا يضرك إن كان تطوعًا».
وذكر الخبر الثاني، وقال فيه: «وقال طلحة بن يحيى: وأصبح صائمًا وأفطر».
وروى الدارقطني الخبر الثاني برواية الثوري عن طلحة بن يحيى، ثم قال: «إسناد هذا الخبر صحيح».
وأما تعلقهم بالحديث الذي رواه جعفر بن برقان عن الزهري
[ ٢ / ٢٠٠ ]
عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: «كنت أنا وحفصة صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه، فجاء رسول الله - ﷺ - فبدرتني حفصة وكانت بنت أبيها، فقالت: يا رسول الله، إنا كنا صائمتين فعرض لنا طعامًا فاشتهيناه فأكلنا منه، فقال: اقضيا يومًا مكانه».
وتعلقوا بالخبر الذي رواه الدارقطني بإسناده عن محمد بن عمرو ابن العباس الباهلي عن سفيان بن عيينة عن طلحة بن يحيى عن عمته عائشة عن عائشة أم المؤمنين قالت: دخل على رسول الله - ﷺ - فقال: «إني أريد الصوم وأهدى لي حيس، فقال: إني آكل وأصوم يومًا مكانه».
وروى أيضًا بإسناده عن إبراهيم بن عبيد قال: صنع أبو سعيد
[ ٢ / ٢٠١ ]
الخدري طعامًا فدعى النبي ﵇ وأصحابه فقال رجل من القوم: إني صائم، فقال له رسول الله - ﷺ -: «صنع لك أخوك وتكلف لك أخوك، أفطر وصم يومًا مكانه».
XXX الأخبار ضعيفة.
أما الخبر الأول: فقد رواه ومعمر وعبد الله بن عمر وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ عن الزهري عن عائشة مرسلًا، وهذا أصح، لأنه روى عن ابن جريج قال: سألت الزهري فقلت له: أحدثك عروة عن عائشة؟ قال: لم أسمع عن عروة ولكن أخبرني به رجل على باب سليمان ابن عبد الملك عن عروة).
وقيل: أسنده زميل مولى عروة بن الزبير وهو مجهول.
وقد حمل الأصحاب أمر النبي ﵇ في هذا الخبر على الندب.
وأما الخبر الثاني: قال الدارقطني: «تفرد بروايته على الوجه الذي قالوا- محمد بن عمرو بن العباس الباهلي- ولم يتابع عليه،
[ ٢ / ٢٠٢ ]
وخالفه الثقات ولعله شبه عليه»، والأصح من الخبر هو الرواية على الوجه الذي قدمنا.
وأما الخبر الثالث: فإنما هو مرسل، فإن إبراهيم بن عبيد لم يلق أبا سعيد، والمرسل لا يكون حجة، وأما الكلام من حيث المعنى نقول: هو بالإفطار تارك للتطوع فلا يجب عليه شيء.
دليله: إذا ترك في الابتداء، وإنما قلنا: إنه تارك، لأن الصوم هو فعل الكف والإمساك عن الأكل والشرب فإذا أكل أو شرب فقد ترك فعل الصوم فثبت أنه لم يوجد منه إلا/ مجرد الترك لصوم التطوع.
ويدل عليه: أن مباشرة التطوع ليس له حكم سوى صحته شرعًا، فأما اللزوم فليس عليه دليل، لأن اللزوم إنما يكون بإلزام الشرع أو بالتزام العبد ذلك ولم يوجد واحد منهما، وإنما هو متبرع، فنهاية ما فيه أن تصح مباشرته لذلك بقدر تبرعه.
فأما الذي لم يباشر فبقى على العدم ولم يتصل به التزام من قبله ولا إلزام من قبل الشرع، ولا اتصل به أيضًا مباشرة من قبله فصار الباقي في حقه بمنزلة الجميع إذا لم يباشر شيئًا منه فلم يجب عليه مباشرة صوم بقية اليوم عليه لما لم يكن واجبًا عليه فعله من الصوم في أول اليوم، فصار الحرف لنا: أن ما بقى من صوم اليوم له حكم ما مضى فإذا لم يكن لما مضى حكم سوى الصحة ولم يقض بوجوبه عليه بل قبل كان متبرعًا
[ ٢ / ٢٠٣ ]
بفعله إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله فكذلك في الباقي من اليوم يكون حكم صومه كذلك.
فإن قالوا: «إن عندنا إذا وجد شروعه يجب عليه صوم جميع اليوم».
قلنا: يلزمكم الجزء الأول من الصوم، ونحن نعلم قطعًا أنه لم يكن واجبًا عليه، فكذلك سائر أجزاء الصوم، ولما كان إليه في الجزء الأول، فكذلك يكون الخيار إليه في الباقي من اليوم، لأن الكل صوم تطوع فيكون حكم الكل واحدًا.
وأما حجتهم:
قالوا: الصوم عبادة يلزم بالنذر، فيلزم بالشروع.
دليله: الحج، وألزموا الحج على جميع ما قلنا.
قالوا: وأما قولكم: «إن الحج لا يمكنه الخروج عنه».
قال: ليس كذلك، فإن بالإفساد قد خرج عن الحج الصحيح، وإنما بقى في حج فاسد ووجوب القضاء بفوات الصحة، وهي مثل أصل الصوم في مسألتنا، وعلى أنه وإن لم يمكنه الخروج عنه إلا بالفعل لكنه قد أدى الحج بأفعاله المعهودة، فالحج الذي لا يمكنه الخروج عنه إلا بالفعل، وقد فعله فلماذا يجب عليه القضاء؟ وحين وجب دل أنه إنما وجب أن الشروع سبب ملزم بمنزلة النذر، وقد قرنوا الشرع بالنذر.
قالوا: قد اتصل عزيمة الفعل بالشروع، لأنه لا يشرع في صوم النفل إلا وهو على عزيمة إتمامه وإكماله.
والعزيمة مشعر بوجوب المعزوم عليه، ولهذا قال: أعزم أو أعزم بالله
[ ٢ / ٢٠٤ ]
يكون يمينًا قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ معناه حق ووجب.
ويقول الإنسان لغيره: عزمت عليك لتفعلن- أي أوجبت- فأشبه النذر الذي هو صريح الالتزام.
وأما المعتمد في المسألة من حيث المعنى أن إبطال العبادة محظور بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، ولأن من فعل فعلًا بطلب رضا معبوده ثم قصد إبطاله فقد تعرض لسخط ربه، وإذا ثبت أن إبطال العبادة محظور فنقول: ما مضى من الصوم في اليوم عبادة، لأنه فعل الصم قطعًا، وكذلك إذا شرع في صلاة النفل هو فعل الصلاة قطعًا، وهذا لأن الإمساك من أول النهار إلى آخره فعل الصوم وإن كان تمامه آخره، وكذلك أداء الصلاة من أولها إلى آخرها فعل الصلاة وأن تمامها بتمام الأفعال.
وإذا ثبت أنه فعل الصوم فيكون عبادة، لأن فعل العبادة عبادة، وإذا كان عبادة حرم إبطالها ووجب حفظها ذلك بفعل الباقي من الصوم، لأنه إذا لم يفعل ذلك كان مبطلًا لما مضى من الصوم، وقد بينا أنه محظور فلزم فعل الباقي لهذا الوجه وإذا لزم فإذا تركه وجب قضاؤه وأشبه المنذور الذي قدمنا.
قالوا: وليس كما لو شرع في الصوم على ظن أنه عليه ثم تبين أنه ليس عليه، لأن الشروع إنما يكون ملزمًا إذا لاقى غير واجب مثل النذر إنما يكون ملزمًا إذا لاقى غير لازم، وإذا شرع على ظن أن المشروع فيه
[ ٢ / ٢٠٥ ]
عليه فشروعه لاقى واجبًا عليه، لأن المعتبر ما عنده لا ما عند الله تعالى، ألا ترى أن من كان عنده أنه لم يصل الظهر وقد صلى ونسى فإنه يلزمه فعله ولو لم يفعل يأثم ويحمل وزره وبمثله لو لم يكن فعله وكان عنده أنه فعله لم يكن عليه شيء بتركه.
وإذا ثبت أن الشروع لاقى واجبًا عليه لم يكن ملزمًا مثل ما لو نذر أن يؤدي شيئًا واجبًا عليه وعنده أنه عليه ثم تبين أنه ليس عليه يبطل نذره وإذا تبين أن الشروع ليس بملزم وتبين أنه ليس عليه لم ينقلب نذره ملزمًا، وكان القياس الأصلي يقتضي أن يرتفع صومه أصلًا إلا أن الله تعالى تفضل ومن عليه بأن لم يبطل عليه صومه وجعله له نافلة، وليس من مقتضى التفضل والمنة أن يلزمه ما لم يلتزمه فلم يكن له حكم سوى حصوله فإن مضى عليه تم الحصول، وإن أفسده لم يكن عليه شيء، لأنه لم يوجد سبب يوجب عليه شيئًا.
أما ههنا وجد سبب الوجوب على ما سبق.
قالوا: وليس يلزم على هذا العذر إذا شرع في الحج على ظن أنه عليه ثم تبين أنه ليس عليه فإن/ هذا لا يوجد في الحج، فإن الحج يحتاج إلى مشقة شديدة وقطع مسافة بعيدة وتدخل فيه مدة مديدة فيبعد أن يشتبه عليه أنه فعل الحج أو لم يفعل، ولئن وجد فهو نادر، والنادر لا يلتفت إليه.
وقد منع بعضهم جانب الصوم وقال: إذا شرع فيه على ظن أنه عليه ثم تبين خلافه يلزمه مثل الحج، وليس بمذهب، والصحيح ما قالوا.
هذا جملة كلامهم، ونهاية تحقيقهم.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
الجواب:
أما التعلق باللزوم بالنذر ففي غاية الضعف، لأن النذر التزام. وأما الشروع فليس بالتزام إنما هو مجرد مباشرة الفعل فلا يدل اللزوم بالالتزام على اللزوم بالمباشرة، لأن الالتزام إذا صح شرعًا اقتضى اللزوم فإن ما صح شرعًا صح بمعناه ومعناه اللزوم. فأما المباشرة المطلقة شرعًا فنهاية ما تقتضيه هو الصحة شرعًا ولا جرم.
قلنا: هو صحيح، فأما لزوم ما يفعله فليس يدل عليه الشروع بحال.
يبينه: أن النذر ما لم يلاق جميع اليوم لا يظهر في اليوم حكم النذر فكذلك الشروع ما لم لا يلاق جميع اليوم وجب أن لا يظهر فيه حكم المباشرة وذلك بأن يتم صوم جميعه.
وأما قولهم: (بأن العزيمة تدل على الإيجاب».
قلنا: لا يدل، لأنه عزم أن يفعل، والعزم لا يوجب شيئًا كما لو عزم أن يصلي كذا ركعة أو يصوم كذا يومًا، وقد قال ﷺ: «إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به».
والعزائم موضوعة من العباد فضلًا من الله تعالى ورحمة، وإنما الأحكام مبنية على أقوالهم وأفعالهم، وهذا لأنه يجوز أن يقصد فعل شيء ولا يفعله، كما يجوز أن يفعل شيئًا ثم يتركه، فلا يدل العزم على وجوب المعزوم عليه، كما لا يدل الفعل على وجوب المفعول.
وأما قولهم: «إن إبطال العبادات لا يجوز والذي فعله من صوم بعض النهار عبادة».
[ ٢ / ٢٠٧ ]
قلنا: يجوز أن يقال إن عبادة الصوم لا توجد إلا بعد إتمام اليوم والكلام في عبادة هو صوم، وهذا كمن أخرج الدراهم من صندوقه أو كيسه بنية الصدقة وقال للفقير: تصدقت بها عليك، فإن هذه عبادة وطاعة ولكن لا يلزم به شيء، لأنه إنما يصير عبادة الصدقة إذا وصل إلى الفقير، كذلك ههنا إنما تصير عبادة الصوم إذا أتم صوم اليوم فعلى هذا يكون المفعول من إمساك بعض اليوم موقوفًا فإن أتم اليوم يكون صومًا وإلا لمن يكن صومًا، وهذا الجواب إنما يمكن تمشيته جدالًا لا تحقيقًا لأن فعل الصوم منه موجود، وكيف لا يكون فاعلًا للصوم حقيقة وهو مأمور به وإذا لم يكن صومًا في الحال لا ينقلب صومًا في باقي الحال، نعم يجوز أن يقال: ليس بصوم تام، وإنما يتم بتمام جميع النهار.
والمعتمد من الجواب أن هذا ليس بإبطال بل هو ترك لفعل الصوم في المستقبل وله ذلك كما في الابتداء.
وأما بطلا ما فعله فليس بإبطاله إنما يبطل حكمًا، لأن الشرع لم يقبل صوم بعض اليوم بحال فبطل هذا لإبطاله، ويقال أيضًا: المفعول نفل فحفظه لا يزيد على درجة الأصل فإذا لم تكن لأصله درجة سوى الاستحباب فكذا بحفظه.
ونحن نقول: إنه يستحب له أن لا يبطل صومه كما يستحب له فعله في الابتداء.
وأما وجوب حفظه، فساقط كما سقط في الابتداء وجوب فعله والأول أولى، وأما الصوم المظنون فلازم.
وقولهم: «إنه حصل النفل بطريق التفضل والمنة».
[ ٢ / ٢٠٨ ]
قلنا: كل الأشياء بمنة من الله تعالى إلا أن الصوم حاصل له بفعله، لأنه لا يتصور حصوله بغير فعله، وإذا حصل بفعله فوجب أن يكون فعله موجبًا عليه الصوم على ما قلتم في صوم النفل ابتداء ثم فصل الحج داخل على عذرهم.
وقولهم: «إنه نادر في الحج».
قلنا: وهو نادر أيضًا في الصوم.
وأما فصل الحج الذي قاسوا عليه.
قلنا: الفرق بالمظنون صحيح، ولا عذر لهم يصح عنه أصلًا.
وأما من حيث المعنى فوجه العذر عنه أن الحج عبادة لازمة شرعًا بدليل أنه إذا دخل فيه لم يجز له الخروج عنه إلا بطريق مخصوص، وذلك الطريق هو بفعل الأفعال المعهودة فإذا فعلها على الفساد جعل كالعدم فيلزمه أن يأتي مثلها صحيحًا شرعًا ليخرج عن ما لزمه شرعًا، وذلك بأن يأتي بها بإحرام جديد، لأن الإحرام قد فسد، والمبتنى عليه فاسد والخروج بالفاسد كان لضرورة إذ لم يخرج بالفاسد لبقى فيه أبدًا فحكم بخروجه بما فعله من الأفعال على وصف الفساد للضرورة ولم يسقط الأمر بالخروج بالأفعال الصحيحة بإحرام صحيح فلزمه استئناف الإحرام وفعل الأفعال على وجه الصحة ليخرج على موجب الشرع وقضيته.
فهذا هو وجه الجواب عن الحج.
وأما الصوم فليس بلازم شرعًا، وليس فيه دليل على اللزوم بوجه ما على ما سبق.
والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ٢٠٩ ]