(مسألة)
طواف الجنب والمحدث غير محسوب به عندنا.
وعندهم: محسوب ويريق دمًا في الطواف محدثًا إن لم يعد، وفي الجنب يعيد بكل حال فإن لم يعد وأراق دمًا لم يبطجل الاحتساب.
لنا: حديث طاووس عن ابن عباس أن النبي ﵇ قال: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى أحل فيه النطق، فمن ينطق لا ينطق إلا بخير».
[ ٢ / ٣١٨ ]
وإذا كان صلاة فقد قال ﷺ: «لا صلاة إلا بطهور».
وإن نازعوا وقالوا: إنه ليس بصلاة لا لغة ولا حقيقة، لأنها في اللغة بمعنى الدعاء، وفي الحقيقة عبارة عن أفعال معلومة بترتيب مخصوص، ولا يوجد واحد منهما في الطواف، فهذا كله اعتراض على الرسول - ﷺ -، وعلينا أن نعتقد أن الأمر ما قاله ونص عليه.
يبينه: أن الأفعال المعهود كانت صلاة بالشرع فليكن الطواف صلاة بالشرع.
ونحتج أيضًا بقوله ﵇ لعائشة حين حاضت: «فاصنعي ما يصنعه الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت»، فإن هذا نهى، والنهي يدل على فساد المنهي عنه وإخراجه عن صفة المشروعية على ما ذكرنا من قبل، ويمكن أن يقال من جهة المعنى إن الطهارة شرط الطواف بدليل أنه لا يحل به أن يطوف محدثًا بالإجماع وإذا طاف محدثًا لزمته الإعادة وكل عبادة كانت الطهارة فيها شرطًا لم يتأد بدونها كالصلاة.
[ ٢ / ٣١٩ ]
وأما حجتهم:
فقد تعلقوا بنص الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾، والله تعالى أمر بالطواف ولم يأمر بالطهارة، ولفظ الأمر بالطواف لا يدل عليها بحال، فتكون الطهارة شرطًا زائدًا على كتاب الله تعالى فلا يجوز بالخبر الواحد ولا بالقياس، وهذا لأن الطواف هو الطواف المحسوس فإذا علق بشرط زائد شرعًا انعدم ما اقتضاه الطواف المطلق وهذا الطواف محسوسًا كالطلاق ينعدم إذا علق بشرط، وكذلك العتاق فثبت أن تعليق الطواف بشرط الطهارة يجري مجرى النسخ، ولو ثبت لكم شرطًا ثبت بالخبر الواحد لا يجوز.
قالوا: وعلى أنا نقول إن الخبر الوارد في الطهارة لتكميل الطواف لا لأصل الجواز، ونحن هكذا نقول: إن الطواف لا يكمل إلا بالطهارة فيحمل الخبر على هذا حتى لا يكون نسخًا وليبقى أصل الجواز مطلقًا كما كان.
قالوا: وأما أمرنا إياه بالإعادة لتدارك الإكمال فإذا رجع إلى أهله قبل أن يتدارك بالطواف جبرناه بالدم، لأن النقص الداخل في الحج مما يجبر بالدم وشواهد هذا كثيرة، ولأن الأصل أن الثابت بالخبر الواحد ثابت في حق العمل دون العلم، فنأمره بالطهارة ابتلاء عملًا بخبر الواحد، وكذلك نأمره بالإعادة إذا كان طاف محدثًا عملًا بخبر الواحد، وأما من حيث العلم فلا نعتقد أن الطواف الأول ليس بطواف، لأن الخبر الواحد لا يوجب
[ ٢ / ٣٢٠ ]
العلم فيكون الطواف محدثًا طوافًا في حق العلم إلا أن في حق العمل جعل كأن الطواف لم يوجد فنأمره بالإعادة، وعلى هذا يصير الطواف في حكم الطوافين في حق العمل وفي حق العلم، أما في حق العلم فالطهارة لا تكون شرطًا كسائر أركان الحج وفي حق العمل الطهارة شرط كالصلاة بخلاف سائر الأركان فلم نجز الاعتبار بأصل واحد في البابين جميعًا وهما بابان مختلفان.
قالوا: وعلى هذا إذا طاف منكوسًا يكون محسوبًا، لأن الذي في كتاب الله تعالى هو الأمر بالطواف فحسب، وليس في كتاب الله تعالى التيامن فيكون الأمر بالتيامن زيادة على كتاب الله تعالى فيجرى مجرى النسخ.
قالوا: ويحمل تيامن النبي ﵇ على بيان التكميل وليس على بيان أصل الجواز فيحمل على هذا حتى لا يؤدي إلى النسخ، وقد تعلق بعض مشايخهم بالحدث العمد، وقالوا: عبادة لا يبطلها الحديث العمد فلا تكون الطهارة من شرطها.
دليله: الوقوف والسعي بين الصفا والمروة.
الجواب:
إن الأمر بالطواف يقتضي إيجاب أصل الطواف فأما صفة الطهارة في الطواف فليس في الآية تعرض لها فيجوز إثباتها بالسنة ولا يعد نسخًا، لأن نسخ الكتاب هو تعبد بالحكم الثابت/ بالكتاب والحكم الثابت بالكتاب هو وجوب الطواف وما تغير ولكن بالسنة وجب معنى زائد على حقيقة الطواف، فإن قالوا: إنه التغيير قد وجد، لأن الكتاب قد دل على الإجزاء على معنى أنه إذا أتى بما يسمى طوافًا جاز عنه ويضم هذا الشرط إلى الطواف يفوت الإجزاء فيحصل النسخ من هذا الوجه، ثم قالوا:
[ ٢ / ٣٢١ ]
إذا ثبت أنه نسخ أو جار مجراه فصارت السنة مبينة لكمال الطواف على ما سبق فيحمل الخبر على هذا حتى لا يؤدي إلى النسخ.
قال أبو زيد: (في قوله ﵇: «الطواف بالبيت صلاة»، معناه في حكم الصلاة لا أنه نفس الصلاة، وقولنا في حكم الصلاة مقتضى والمقتضى لا عموم له فصار الخبر مقتضيًا كون الطواف صلاة في حكم ونحن قد أثبتنا ذلك فإن الجواز متعلق بالبيت مثل الصلاة، وكذلك الإباحة بالطهارة) حتى لا يجوز له أن يطوف محدثًا أو جنبًا.
والجواب:
إن الآية لا تدل إلا على الوجوب، فأما الإجزاء بدليل آخر يدل عليه، ثم نقول: الإجزاء عند فعل الطواف بمطلق الأمر إنما كان لعدم قيام الدليل على وجوب شرط زائد فإذا قام من السنة على شرط الطهارة فات الإجزاء عند مطلق الطواف من غير أن يتضمن نسخ الآية، لأن الآية دلت على وجوب الطواف والوجوب على ما كان من قبل ولم يتغير ولم يتبدل وقولت الإجزاء عند وجود فعل الطواف مع الحدث لا يمس الوجوب، لأن الوجوب يجوز أن يكون باقيًا مع انضمام هذا الشرط إليه، والجواز ثابت عند وجوده بشرطه غير ثابت عند وجود فعله بدون شرطه فدل أن دعواهم النسخ لا يتحقق أصلًا، وإنما هو ظن وحسبان وقد ذكرنا هذا في غير هذه المسألة فمن أراد أيسع من هذا فليرجع إليه.
وأما قولهم: «إن السنة لبيان الكمال».
قلنا: قد فات الإجزاء كاملًا فاجعلوا هذا نسخًا أيضًا، والآية وإن كانت اقتضت الإجزاء فقد اقتضت الإجزاء من كل وجه ويقال: اقتضت
[ ٢ / ٣٢٢ ]
الإجزاء أصلًا ووصفًا، فثبت أن الطريق ليس على ما قلتم لكن السنة مبينة لما يدل عليه الكتاب فيصير كأن الله تعالى قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ على ما دلت عليه السنة مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ يعني على ما دلت عليه السنة.
فليس ما قالوه بشيء، لأن الكتاب والسنة ما دلا إلا على العمل فإن العلم بكون الطواف طوافًا شيء محسوس لا يحتاج إلى كتاب ولا إلى سنة إنما الكتاب والسنة يدلا على الاحتساب وهذا عملي لا علمي فإن معناه الاحتساب بعمله.
وقولهم: «إن المقتضى لا عموم له».
قلنا: قد بينا أن الطواف صلاة شرعًا، وإن سلمنا أن معناه أن له حكم الصلاة، أو معناه أنه مثل الصلاة فلما استثنى الشرع حكمًا واحدًا وهو الكلام دل أن ما وراءه على العموم وإلا لم يكن لهذا الاستثناء معنى.
وإن تعلقوا بجواز الكلام وترك الاستقبال نقول:
كما كان مثل الصلاة وجب أن لا يخالفها فيما لم تنفك عنه الصلاة بحال والطهارة مما لا ينفك عنها بحال بل الصلاة لا تكون صلاة إلا بها، وهذا بخلاف الكلام واستقبال القبلة فقد كان حلالًا في ابتداء الإسلام، كذلك الطواف كان في معنى ذلك. وأما الاستقبال فقد يجوز تركه في كثير من المواضع على ما عرف.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
أما تعلقهم بالحدث العمد فقد قال بعض أصحابنا:
إن الحدث العمد في خلال الطواف يوجب استئناف الطواف وإن قلنا إنه لا يوجب الاستئناف فلأن البناء ممكن وهو أن يبني على ما بقى من الطواف على ما مضى، لأن الواجب طواف بعدد معلوم فأمكن البناء ليتم العدد، فأما في الصلاة فقد عقد تحريمة تشتمل على أفعال، وبالحدث العمد يبطل عقد التحريمة فلا يتصور البناء على ما سبق فوجب الاستئناف. والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ٣٢٤ ]