(مسألة)
عندنا الإيتار بركعة جائز، وعندهم: لا يجوز، وسموا هذه المسألة مسألة المبتورة.
لنا: أنه قد ثبت الإيتار بركعة فعلًا عن رسول الله - ﷺ -، وقولًا بالأمر به.
أما الفعل فحديث أنس بن سيرين عن ابن عمر قال: «كان رسول - ﷺ - يصلي بالليل مثنى مثنى ويوتر بركعة»، وهذا في الصحيحين.
[ ١ / ٢٩٦ ]
وروت عائشة أيضًا أن النبي ﵇ أوتر بركعة.
ورواه أيضًا سعد بن أبي وقاص، قال قيس بن أبي حازم: رأيت سعدًا أوتر بركعة فسألته عن ذلك فقال: رأيت النبي ﵇ يوتر بركعة.
[ ١ / ٢٩٧ ]
وروى فعل الوتر ركعة عن النبي ﵇ سوى هؤلاء: جابر، وابن عباس والفضل بن عباس، وأبو أيوب.
وأما القول فالخبر الصحيح المقبول عند جميع الأئمة قول - ﷺ - برواية ابن عمر وغيره: «صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة».
وروى أيوب أن النبي ﵇ قال: «من أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل». ولا مزيد على القول والفعل من النبي ﵇.
[ ١ / ٢٩٨ ]
وأما حجتهم:
رووا بطريق أبي بن كعب أن النبي - ﷺ -: كان يوتر بثلاث.
قالوا: وكذلك رواه أبو إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي ﵇.
قالوا: ورواه أيضًا عمران بن حصين وعائشة وابن عباس.
وروا أن النبي ﵇ نهى عن البتيراء، والبتيراء هي الوتر بركعة.
[ ١ / ٢٩٩ ]
وروى ابن مسعود عن النبي ﵇ أنه قال: «وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب».
قالوا: وروى ابن عمران النبي ﵇ نهى عن السلام على الركعتين في الوتر».
الجواب:
إن أخبارنا أخبار صحيحة، وأما أخباركم أخبار معلومة.
فإن خبر أبي بن كعب، رواه ابن أبزي عن أبي بن كعب، ورواه ابن أبزي مرة عن النبي ﵇ مرسلًا من غير ذكر أبي بن كعب، وهذا ويجب ضعف الرواية.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وأما حديث علي رواه أبو إسحاق عن الحارث عن علي، وهذا الحارث هو الحارث الأعور، ورماه الشعبي بالكذب وغيره.
وأما الذي رووا عن النبي ﵇ نهى عن البتيراء، فرواه محمد بن كعب القرظي عن النبي ﵇ فيكون مرسلًا.
وقد روى عن ابن عمر أنه قال: البتيراء أن تصلي بركوع وسجود ناقص.
وأما الذي رووا عن ابن مسعود فمداره في رفعه علي ابن أبي الحواجب يحيي بن زكريا، وهو ضعيف .. ذكره الدارقطني.
[ ١ / ٣٠١ ]
وقد روى أبو هريرة أن النبي ﵇ قال: «لا توتروا بثلاث أوتروا بسبع أو خمس ولا تشبهوا بصلاة المغرب».
وإما الذي رووا أنه نهى ﵇ في الركعتين فلا يعرف، وكيف يصح برواية ابن عمر هذا؟ وقد ثبت أن ابن عمر كان يسلم على الركعتين، حتى روى أنه كان يأمر ببعض حاجته ثم يصلي ركعة.
وعلى أن الإيتار بثلاث أن ثبت عن النبي ﵇ فيحتمل أنه ﵇ كان يسلم على الركعتين بدليل ما/ بينا قولًا وفعلًا أنه - ﷺ - أوتر بركعة وأمر به، فلا يستقيم الجمع بين الأخبار إلا إذا حملنا على هذا الوجه. فإن رووا أنه ﵇ «كان يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن».
[ ١ / ٣٠٢ ]
فهذه زيادة لا تعرف، وإنما المنقول أنه كان يوتر بثلاث مطلقًا ويحتمل ما قلنا.
وقد رووا عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «ما أجزت ركعة قط».
قلنا: قد ثبت عن جماعة كثيرة من الصحابة أنهم كانوا يوترون بركعة منهم: عثمان، وسعد بن أبي وقاس، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وغيرهم.
فقول ابن مسعود لا يقدح في هذه الأقوال.
وعلى أنه قيل: إنما قال هذا ردًا على ابن عباس حيث قال: إن صلاة الصبح في السفر تعود إلى ركعة، والمسألة خبرية.
وقد قال المخالفون سلوكًا لطريق المعنى:
إن التنقل بركعة لا يجوز بحال، دل أنها ليست بصلاة، ولأن الصبح بالسفر لا يرد إلى الشطر مع أن السفر مشطر، وإنما لم يرد لأن الركعة لا تكون صلاة، فلو رد إلى الشطر لكان إعدامًا والسفر ليس بمعدم للصلاة.
قالوا: أيضًا: إن الركعة الواحدة لو كانت صلاة لورد الشرع بينها وبين
[ ١ / ٣٠٣ ]
الركعة الثانية بجلسة ذات تشهد- مثل الركعتين- والركعتين، ليقع الفصل بين ما هو أصل الصلاة وبين ما هو زيادة عليها.
والجواب:
إن هذه كلمات ضعيفة، ونحن قد اعتمدنا على السنة، ولا حاجة بالسنة إلى علاوة من التمسك بقياس ضعيف أو معنى غير مخيل.
وإن تكلمنا في المعنى فكلامنا يكون أظهر، لأن الركعة الواحدة اشتملت على جميع أفعال الصلاة، والصلاة إنما صارت بمجموع أفعال يؤتي بها على شرائط مخصوصة، فما يشتمل على تلك الأفعال يكون صلاة صحيحة، والركعة الواحدة قد اشتملت عليها.
وأما الثانية إعادة لها فلم تقف صحتها على إعادتها، كما لا تقف على إعادتها بثالثة ورابعة، وهذا لا معنى في نهاية الحسن.
وأما قولهم: «إن التنفل بركعة لا يجوز».
قلنا: يجوز.
فإن قالوا: لم يرد الفرض بركعة.
قلنا: ولم إذا لم يرد الفرض بركعة ما يدل على أن الركعة لا تكون صلاة، وهذا لأن التنفل باختيار العبد، والفرض بإيجاب الشرع، والأصل أن ما يختاره العبد فقدره متعلق باختياره، وأما ما أوجبه الشرع فقدره بحسب ما ورد به الشرع. وقد قالوا: إن التنفل بثمان ركعات وزيادة يجوز بتسليمة واحدة ولم يرد الشرع بمثل هذا بحال.
[ ١ / ٣٠٤ ]
أما قولهم: «إن صلاة الصبح لا تتشطر بالسفر».
قلنا: هذا بناء على ما ذكرنا، وهو أن الفرض لم يرد بركعة واحدة بحال، والسفر يعمل في تشطير الفرض فلم يعمل في الرد إلى ما لم يرد المفروض بمثله بحال.
وقد ذكرنا الفرق بين الفرض والنفل، وعلى أن عندهم أن الفرض كان في الأصل ركعتين فزيد في الحضر وأقر في السفر على ما كان في الأصل على ما يذكرونه في المسالة الثانية، فكيف يستقيم على هذا الأصل التشطير؟
وأما قولهم: «إن الشرع لم يرد بالفصل بين الركعة والركعة بجلسة».
وقلنا: وقد ورد بين الركعتين والركعة في المغرب فهذا يدل إذن على أن الركعة صحيحة فدل أن ما قالوه تعلق باطل. والله أعلم.
* * *
[ ١ / ٣٠٥ ]
(مسألة)