(مسألة)
قراءة الفاتحة ركن في الصلاة عندنا.
وعندهم: الركن أصل القراءة، فأما قراءة الفاتحة سنة.
وزعم أبو زيد أن قراءة فاتحة الكتاب واجبة وليس بركن، وجعل الفرق بين الركن والواجب أن ركن الصلاة ما يفسد بتركه الصلاة والواجب لا تفسد بتركه الصلاة.
لنا:
حديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت أن
[ ١ / ٢٠٢ ]
النبي ﵇ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».
وفي رواية: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب».
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: «كل صلاة لا تقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج».
[ ١ / ٢٠٣ ]
وروى شعبة/ عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يجزئ صلاة لا يقرأ فيها فاتحة الكتاب، قلت: فإن كنت خلف الإمام؟ فأخذ بيدي وقال: «اقرأ في نفسك يا فارسي».
وقد روى هذا الحديث جماعة سوى عبادة وأبي هريرة، منهم عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين. وروى عثمان النهدي عن أبي هريرة قال: «أمرني النبي - ﷺ - أن أنادي أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب».
وروى «أنه أعطاه نعليه» ليكون علامة له، والاعتماد على السنة ولا مدخل للقياس في هذه المسألة.
وأما حجتهم:
تعلقوا بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾.
وبقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَه﴾، فالتقييد بفاتحة الكتاب زيادة على كتاب الله وهو يجري مجرى النسخ، ولا يجوز بخبر الواحد، وكذلك الصلاة ثابتة بكتاب الله تعالى، وهي عبارة عن أركانها فلا يجوز إثبات ركن فيها إلا بالطريق الذي ثبت أصله. قال: والعدل من القول هو القول بين الكتاب والسنة فنأمره بالعمل ونوجبه ولا نفسد الصلاة بتركها، فعلى هذا راعينا حق كتاب الله تعالى الثابت باليقين، ولم نلحق به زيادة، وراعينا
[ ١ / ٢٠٤ ]
خبر الواحد بأن عملنا به، والأصل في خبر الواحد أنه يوجب العمل دون العلم).
قال: (ويجوز أن يكون الشيء واجبًا ولا يكون ركنًا كالسعي عندنا واجب وليس بركن للحج، وصدقة الفطر واجبة وليست بركن من أركان الإسلام.
وكذلك العمرة على أصلكم، وكذلك الطواف محدثًا ومنكوسًا وعريانًا وهذا لأن الأمر بالطواف ورد من غير قيد فالتقييد ثبت بالسنة فلا نزيد لأنه نسخ بل نثبته تكميلًا وتحسينًا.
ولا تلزم القعدة الأخيرة، لأن الحسن بن زياد روى عن أبي حنيفة أنها ليست بواجبة، ولأنه قد ثبت بالأخبار المتواترة أن النبي ﵇ لم يسلم إلا بعد القعدة، والأمر بالصلاة في كتاب الله مجمل فيكون فعله - ﷺ - بيانًا لما لم يبينه الكتاب بخلاف القراءة، لأن الآية ظاهرة مستغنية عن بيان رسول الله ولأن فعله يكون زيادة على كتاب الله تعالى وأنها نسخ وليس ببيان فيحمل فعله على بيان الكمال لأن الآية الكمال لأن الآية لم تتعرض له).
قالوا: (ولأن فريضة الصلاة في الأصل متعلقة بالفعل دون القول فيكون فعل رسول اله بيانًا للفعل ولا يصير بيانًا للقول، لأن القول فرض زائد ثبت بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ وهو ظاهر لا بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الذي هو مجمل) وهذا استدلال أبي زيد في المسألة ذكره في الأسرار.
[ ١ / ٢٠٥ ]
وقد تعلق بعضهم: بنوع آخر من الاستدلال وهو أن الفاتحة مدنية وقد كان الجواز ثابتًا بالإجماع قبل نزول الفاتحة بلا فاتحة ولا يرفع هذا الحكم إلا بدليل مجمع عليه.
وقالوا: أيضًا: (إن القرآن لا يحفظ إلا بالقراءة وحفظه واجب وأن لا يهجر شيء منه ولا تجب القراءة إلا في الصلاة فلو عينا الفاتحة للركن وأوجبناها لصار الباقي مهجورًا غير محفوظ فوجب أن يجعل ركن القراءة غير متعين لتأتي القراءة على جميع القرآن).
وقالوا: أيضًا: (إن القرآن له أحكام مخصوصة نحو جواز الصلاة بقرأته وحرمة القراءة على الحائض والجنب وحرمة مس المصحف إلا طاهرًا وحرمة القراءة حيث لا يسمع في مجامع الناس ووجوب الاستماع حيث يقرأ في الصلاة والخطبة ومواضعه إبانة لشرفه ثم لا يختص شيء من القرآن بشيء من هذه الأحكام حتى لا يصير الباقي مفضولًا فيصير مهجورًا، فكذلك في هذا بل أولى، لأن إبانة الشرف في هذا أكثر).
قالوا: (وأما أخباركم وردت زائدة على كتاب الله تعالى فلا تقبل، أو تحمل على الزيادة سنة، أو يقال: ثبتت هذه الزيادة عملًا لا علمًا فيلزمه القراءة وتجوز الصلاة بدونه)، وقد رووا عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب».
[ ١ / ٢٠٦ ]
ورووا عن النبي ﵇ قال: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو غيرها، ومعتمدهم التعلق بالآية، وقد أيدوا ذلك بحدث الأعرابي وهو ما روى عن النبي ﵇ أنه قال له: «ثم أقرأ ما تيسير معك من القرآن».
الجواب:
أما التعلق بالآية، قلنا: ليس فيها أكثر من الأمر بقراءة ما يتسر وما تيسر يختلف، لأنه قد تتيسر السورة الطويلة وقد لا تتيسر السورة القصيرة فصارت الآية مجملة من هذا الوجه. وصارت الأخبار التي رويناها بيانًا لها.
وأما قولهم: «إن إيجاب الفاتحة زيادة في الكتاب».
قلنا: قد تثبت الزيادة على الأصلين، لأن عندنا تجب الفاتحة، وعندكم يسن قرأتها حتى لو تركها يجب عليه سجود السهو، وإنما تثبت الزيادة عندكم بالسنة فكذلك الوجوب، وعلى أنا بينا في مواضع من هذا الكتاب وغيره أن مثل هذا لا يعد نسخًا ولا يجوز اعتقاد النسخ فيه أصلًا، ومن اعتقد النسخ في أمثال هذا فلم يعرف معنى النسخ.
[ ١ / ٢٠٧ ]
وأما قول أبي زيد: «إن قراءة الفاتحة واجبة وليست بركن حتى لا تفسد الصلاة بتركها».
قلنا: إذا سلمت أنها واجبة لزمت قراءتها في الصلاة، وإذا لزمت صارت منها كأصل القراءة فيكون تركها مفسدًا لها.
وهذا لأن علامة الواجب في الصلاة فسادها بتركه.
وأما الذي قالوا: إن قراءة الفاتحة لم تكن واجبة فبقى الأمر على ما كان من قبل، ولأن الفرائض كانت على عهد رسول الله - ﷺ - على التعيين، وقد كانت القراءة واجبة من قبل من غير تعيين سورة من القرآن ثم ورد الشرع بتعيين سورة الفاتحة فوجب الصلاة على هذا المعنى.
وأما قولهم: «إن تعين الفاتحة يؤدي إلى أن يصير باقي القرآن مهجورًا»، فهذا محال لأنه إن كان إيجاب قرأة الفاتحة يؤدي إلى هذا فاستنان قراءتها أيضًا يؤدي إلى هذا، وهذا لأنا وإن أوجبنا قراءة الفاتحة فيشرع معها قراءة غيرها من السورة فلا يؤدي إلى ما قالوه.
وأما قولهم: «إن سائر الأحكام المتعلقة بالقرآن لا تختص بالفاتحة».
قلنا: سائر الأحكام قد تعلقت بالقرآن على العموم، وهذا على الخصوص بدليل أن عندنا قراءة الفاتحة على التعيين مشروعة على الوجوب، وعندكم على السنة.
وقد قال أصحابنا: إن قراءة القرآن لما وجب في الصلاة وجب أن يتعين الفاتحة لأن القرآن امتاز عن غيره بالإعجاز، وأقل ما يحصل به الإعجاز سورة وهذه أشرف السور لأنها السبع المثاني.
[ ١ / ٢٠٨ ]
ولأنها تصلح عوضًا عن جميع السور ولا يصلح جميع السور عوضًا عنها، ولأنه تشتمل على ما لا تشتمل عليه سورة ما على قدرها من الآيات، وذلك مثل التمجيد والثناء للرب والاستعانة والاستعاذة والدعاء من العبد، وإذا صارت هذه السورة أشرف السور وحالة الصلاة أشرف الحالات فتعينت أشرف السور في أشرف الحالات.
وأما الخبران اللذان تعلقوا بهما فلا يثبت واحد منهما.
أما الأول فرواه أبو علي جعفر بن ميمون قال يحيي: ليس بثقة.
والخبر الثاني: رواه طريف بن شهاب السعدي، قال أحمد: لا يكتب حديثه. فلا يعارض ما ذكرنا. والله أعلم.
* * *
[ ١ / ٢٠٩ ]
(مسألة)