مسألة
قراءة القرآن بالفارسية لا يجوز وغيرها من اللغات عندنا.
وهو قول أكثر أهل العلم.
وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه بدون صاحبيه يجوز، وعلى مذهبه اختلافات لأصحابهم مذكورة في كتبهم.
لنا:
قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ والقرآن اسم للمنزل بلغة العرب بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾.
[ ١ / ٢٣٦ ]
وقال الله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، فغير العربي لا يكون قرآنًا. يبينه أن القرآن ما أنزل الله تعالى على نبيه محمد ﵇ فتلوناه بألسنتنا وكتبناه في مصاحفنا وحفظناه في صدورنا.
ونحن نعلم قطعًا أن الفارسية ليست مما أنزل على محمد - ﷺ - ولا هو المتلو على الألسن ولا المكتوب في المصاحف فلا يكون قرآنا ولأنه إذا قرئ بالفارسية فقد أخل/ بنظم القرآن، والقرآن قرآن بنظمه ومعناه.
وهذا لأنه كلام امتاز عن كلام الخلق بالإعجاز، والإعجاز في نظمه، لأنه نظم خارج عن أقسام كلام العرب، فإذا اختل النظم ذهب الإعجاز، وإذا ذهب الإعجاز لم يكن قرآنًا.
يدل عليه (إن القرآن نزل حجة على النبوة وعلمًا للهدى، والهدى بمعناه والحجة بنظمه، ثم الإخلال بالمعنى يسقط حكم القراءة، كذلك الإخلال بالنظم). يبينه أن حفظ القرآن واجب بنظمه ومعناه ليكون حجة النبوة، وحجة الأحكام محفوظة في أيدي الناس، والحفظ يكون بالقراءة، ولا تجب القراءة إلا في الصلاة فعرفنا أن جوازها متعلق بعين ما أنزل الله ليحصل الحفظ المطلوب من الناس على ما أنزل.
وأما حجتهم:
تعلقوا بقوله ﷾: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ ولم يكن فيها بالعربية.
[ ١ / ٢٣٧ ]
وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي بالقرآن وإنما ينذرون بلغاتهم، فدل أنه لا يصير شيئًا آخر باختلاف اللغة، وعن ابن مسعود﵁- أنه لقن رجلًا ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ وكان يقول: طعام اليتيم، فقال: قل طعام الفاجر.
وعن أنس أنه قرأ: «وحططنا عنك وزرك» مكانه قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾.
قال: ولأن العبرة بالمعنى فإنه هو المقصود، وقد أدى المعنى وإن كان بلغة أخرى.
وأما الإعجاز فهو اختصار المعنى، والإخبار عن الغيوب فهذا لا يذهب وإن قرئ بلغة أخرى.
الجواب:
أما الآيات التي تعلقوا بها فليس فيها دليل لهم، بل هو دليل عليهم، لأنه كان في زبر الأولين ولم يكن قرآنًا، فإن زبر الأولين والصحف الأولى ليست بقرآن، ولو قرأ ذلك في صلاته لا تجوز صلاته، وإذا كان على هذا الوجه فيجوز أن يكون معنى الآية: ذكر الرسول أو يكون المراد معنى القرآن لا نفس القرآن. وأما الذي نقلوا عن ابن مسعود فيحتمل أنه إنما قال ذلك تنبيهًا له على المعنى فإذا تنبه على المعنى كان لسانه بذلك أطلق.
[ ١ / ٢٣٨ ]
وأما المروي عن أنس فهو من القراءات الشواذ، وقد كانوا يقرؤون الشواذ على أنه من المنزل، ولكن انقطع النقل الآن، واتفق الأمة على مصحف الإمام وهو مصحف عثمان ﵁ وترك ما سواه فلم يجز قراءة غيره لأجل الإجماع.
وأما الذي قالوا: «إن العبرة بالمعنى».
قلنا: قد بينا أن القرآن بنظمه ومعناه جميعًا فلا يجوز الإخلال بواحد منهما.
وقولهم «إن الإعجاز في اختصار المعنى».
قلنا: الاختصار وغير الاختصار قد وجد في القرآن، وليس ذلك من الإعجاز وإنما الإعجاز في نظمه على ما سبق.
وأما الإخبار عن الغيوب فإن ذلك في بعض السور وما من سورة من القرآن إلا وهي معجزة، فلم يكن الإعجاز على العموم إلا في النظم.
فإن قالوا: (إن القراءة في الصلاة للثناء على الله تعالى ليس للمحاجة مع الكفار والثناء يتأدى بالمعنى».
(قلنا: القراءة في الصلاة ليست للثناء على الله تعالى، فإنه يقرأ بما ليس فيه ثناء، وإنما الثناء سنة في الصلوات كلها، ولكن القراءة ركن. فدل أنه إنما يقرأ القرآن ليكون محفوظًا، كما أنزل حجة على النبوة، والأحكام جميعًا على ما سبق، ولأنه لو نظم معناه شعرًا ثم قرأ به فسدت صلاته. لأنه نظمه من كلام الناس لا من كلام الله وهذا فصل معتمد. والله أعلم.
[ ١ / ٢٣٩ ]