(مسألة)
لا حصر إلا حصر العدو عندنا.
وهذا اللفظ مروى عن ابن عباس وهو قول ابن عمر ﵃.
وعندهم: يثبت الإحصار بالمرض كما يثبت بالعدو.
لنا:
حديث عكرمة عن ابن عباس أن ضباعة بنت الزبير أتت النبي ﵇ وقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج أفأشترط؟ قال: «نعم، قالت: كيف أقول؟ قال: قولي لبيك اللهم لبيك محلي من الأرض حيث تحبسني».
[ ٢ / ٣٦٣ ]
(وفي الباب عن جابر وعائشة وأسماء بنت أبي بكر).
والاستدلال أنه لو حل الخروج لم يكن للاشتراط معنى، وقد قال كل من يرى الخروج بالمرض جائزًا أن الاشتراط باطل.
وقد قال كل من لا يرى الخروج بالمرض جائزًا بأن الاشتراط صحيح.
ولأن الإحرام عقد لازم في ذاته بدليل أنه لا يمكنه الخروج عنه باختياره ولو جاز الخروج عنه بعذر لكان إذا خرج باختياره بغير عذر لصح خروجه ولكنه يأثم مثل سائر العبادات. وهذا لأن عدم العذر تأثيره في التأثيم، والعذر تأثيره في الإطلاق بلا إثم، فأما إمكان الخروج في الموضعين يكون واحدًا فلما لم يمكنه الخروج عنه إلا بطريقة المشروع عرفنا أنه عقد لازم بعينه وإذا كان لازمًا بعينه فالأصل أن كل ما يمكنه الصبر عليه حتى
[ ٢ / ٣٦٤ ]
ينقضي يلزمه الصبر عليه ثم إذا مضى خرج عن الإحرام بطريقة المشروع محافظة على لزومه بعيه والمريض يمكنه أن يصبر عليه حتى يبرأ، وكذلك في حصر العدو يمكنه أن يحارب حتى يجد المسلك أو يصبر حتى ينصرف العدو إلا أن في العدو جاز التحلل بنص الكتاب/ والسنة والمرض ليس بمنزلته لا صورة ولا معنى.
أما الصورة معلومة، والمعنى فلأن الخوف من العدو يزول بالتحلل، والمسألة مصورة في مثل هذا الموضع وهو أن يكون العدو مانعًا من المضي على وجهه وإذا رجع من وجهه إلى وطنه لم يتعرض له وهو مثل ما كان في حق الرسول - ﷺ - بالحديبية حتى قال الأصحاب:
لو لم يكن على هذا الوجه أو كان العدو من الجوانب كلها لا يجوز له التحلل والخوف من المرض لا يزول بالتحلل.
وقد قال الأصحاب في العبارة عن هذا: حال لا يفارقه بالإحلال فلا يطلق له التحلل.
دليله: الضلال، وهذا لأن الله تعالى أباح التحلل عند إحصار العدو ولينجو عن شر العدو بالرجوع فلم يجز قياس المرض عليه، لأنه لا نجاة من شر المرض بالرجوع وهو أيضًا دونه، لأن العدو إذا كان على الطريق لم يمكنه المضي على وجهه أصلًا، وفي المريض يمكنه المضي على وجهه إلا أنه بمشقة.
والحرف هو الأول وهو أن إباحة التحلل للخلاص من العدو ولا خلاص من المرض بالتحلل فلم يكن مثله ولم يطلق له الخروج إلا بشرط زائد وهو شرط التحلل فيفوت اللزوم بهذا الشرط شرعًا، لأنه كان اللزوم بإطلاق الإحرام شرعًا فيفوت شرطه شرعًا كالبيع لا يلزم مع العيب ويلزم مع الجهل بالجزء فإذا شرط العلم بالجزء عند العقد التحق بالعيب حتى إذا لم يكن له علم بها
[ ٢ / ٣٦٥ ]
يرد العلم على بائعها وكان ذلك لأن الجهل بالجزء دون العيب فلم يلتحق به في حكمه إلا بشرط مقرون بالعقد، كذلك ههنا.
وأما حجتهم:
(تعلقوا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
قالوا: والإحصار هو المرض، يقال: أحصر بالمرض وأحصر بالعدو.) وذكره ثعلب في فصيح الكلام، وذكره الزجاج في معاني القرآن. فصار نص القرآن متناولًا لكل واحد منهما بل تناوله للمرض أظهر وأبين.
قالوا: وروى الحجاج بن عمر أن النبي ﵇ قال: «من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى»، رواه عكرمة عن الحجاج بن عمرو، وقال عكرمة: قد ذكرت ذلك لابن عباس وابن عمر فقالا: صدق.
[ ٢ / ٣٦٦ ]
والمعنى أن المرض سبب لمنعه من المضي في موجب إحرامه فيفيد له الإحلال قياسًا على العدو، وإنما قلنا إنه يمنعه، لأن الخلاف في مرض مقعد يقعده عن الذهاب والركوب أو ضلا أو منعه إلا بزيادة مرض فأباح له الشرع التحلل وإن أمن تلك الزيادة.
قالوا: وهذا المعنى معقول، وهو إذا عجز عن المضي على وجه ازداد مدة الإحرام لأنه لابد من الصبر مدة المرض في الإحرام ثم إذا برأ من المرض لابد من الذهاب وفعل العمرة إن كان محرمًا بعمرة وإن كان محرمًا بحجة فلابد من الصبر مدة المرض ثم إذا عوفي وقد فاته الحج فلابد من التحلل من الحج بالطواف والسعي كما يتحلل فائت الحج في سائر المواضع فيحتاج إلى مدة طويلة في الإحرام وفي زيادة مدة الإحرام زيادة لزوم مشقة تلحقه من جنس ما التزم بأصل الإحرام فالشرع جعل له خيار المخلص عن هذه الزيادة بفسخ الأصل ترفيهًا له ورحمة عليه ثم مثل هذا قد يؤثر في إطلاق فسخ العقود اللازمة مثل البيع فإن المشتري إذا لزمه زيادة ثمن على ما سمي ثبت له الخيار وذلك بأن يجد عيبًا بالمبيع فإنه التزم الثمن بإزاء جميع أجزاء المبيع فإذا كان بعض أجزاء المبيع فايئًا فصار حصته من الثمن تلزمه على سبيل لم يرض به فثبت له الخيار، كذلك ههنا، وهذا لأن الإحرام
[ ٢ / ٣٦٧ ]
لازم بعينه في الجملة محتمل للفسخ مثل المبيع سواء فصار حكمه مثله على الوجه الذي قلناه.
قالوا: وأما إذا ضل الطريق فعندنا المحصر لا يتحلل إلا بهدى ينحر عنه. وفي المرض وحصر العدو نجد هذا، ومن ضل الطريق لا يجد من يبعثه وإن وجد لزمه الذهاب معه لأنه يهديه إلى الطريق فيزول العذر حتى إذا كان الرجل راعيًا بحيث يمكنه أن يبعث معه الهدى ولا يمكنه الذهاب معه وهو لا يعرف الطريق بنفسه فإنه يتحلل ويبعث بالهدى مثل مسألتنا سواء.
قالوا: وأما عدم مفارقة المرض إياه ومفارقة العدو لا تعتبر ولا توجب الفرقان بعد أن ظهر العجز وتحقق في الوجهين جميعًا.
فصار حرفهم أن المبيح للتحلل عند حصر العدو ليس هو مفارقة الحال بالإحلال لكن المبيح زيادة مدة الإحرام عليه وذلك يزول بالتحلل في الموضعين، وعلى أنكم جعلتم مفارقة الحال بالإحلال علة التحلل، ونحن نقول: إن صح هذا فقد جعلتم عدمه علة لعدم الحكم، وبالإجماع عدم العلة لا يوجب عدم الحكم بل يبقى موقوفًا على قيام الدلالة، كما كان قبل العلة فصار/ حقيقة ما قلتموه احتجاجًا بلا دليل.
الجواب:
إن الأمة أجمعت على أن الآية نزلت في حصر العدو، والدليل القطعي عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾.
وأيضًا يقال: أمن من العدو، وفي المرض يقال: برأ وعوفي منه.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
وقد ذكر الفراء أنه يقال: أحصر من العدو والمرض جميعًا، وكذلك أشار القتبي إليه، وإذا كان اللفظ صالحًا لهما كان متعينًا في حصر العدو بإجماع المفسرين.
وأما الخبر: قلنا: روى عكرمة وحجاج بن عمرو، وعبد الله بن رافع ذكره معمر ولم يذكره عكرمة في هذه الرواية فيوجب هذا وهنا في الحديث. وعلى أنه محمول على ما إذا كان شرط أن محله حيث يحبسه، ألا ترى أنه قال: «فقد حل» فإنما يحل بغير تحلل في هذه الصورة.
وأما الذي قالوا من «زيادة مدة الإحرام».
فمن ضعيف، لأنه بإحرامه التزم مواجب إحرامه طالت المدة أو قصرت إلى أن يتحلل على قضية إحرامه، وهذا لأن هذه العوارض غير مأمونة من مرض وعدو وغير ذلك فيحن أطلق الإحرام من غير اشتراط فقد التزم مواجبه على علاته وحالاته فتوهم زيادة مدة الإحرام لا تجوز له أن يطلق له الخروج، ولأنه كيف يستقيم التعليل بهذا، وعندكم إذا تحلل يلزمه حجة وعمرة؟ فلا يجوز أن يباح له التحلل للفرار من وجوب زيادة لم
[ ٢ / ٣٦٩ ]
يلتزمها ثم يكون التحلل موجبًا زيادة نسك في الأصل هو فوق زيادة المدة، فدل أن ما ظنوه علة ضعيفة.
وأما البيع لا يشبه الإحرام، ألا ترى أنه يشترط ما يفسخ به البيع عند فقده من صفة الخبر والكتابة فيصح شرطه، ومثل هذا الشرط لا يصح في الحج عندهم بحال فثبت أن التحلل لحصر العدو ليس إلا بالنص والمرض مخالف له على ما سبق.
والذي اعترض به على ما قلناه، ليس بشيء، لأنه مآل كلامه أنه يتخلص بالتحلل من زيادة مدة الإحرام، وقد ذكرنا فساد هذا المعنى.
والذي قالوا: «إن العدم لا يكون علة».
قلنا: نحن لم نجعله علة لكن بينا المفارقة بين عذر العدو وعذر المرض وقد تبين .. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
* * *
«تم ربع العبادات بحمد الله تعالى وحسن توفيقه في أواخر شوال من شهور سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، والله المستعان على إتمامه بمنه ولطفه.
الحمد لله وصلواته على الأنبياء الطاهرين وخص محمدًا بأفضل التحية والسلام وآله أجمعين، وحسبنا الله ونعم المعين».
* * *
[ ٢ / ٣٧٠ ]