(مسألة)
لا يجب الوضوء بالخارج من غير السبيلين عندنا.
وعندهم: يجب.
لنا:
ما روى حميد الطويل عن أنس «أن النبي ﵇ احتجم وصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه» وهذا نص.
[ ١ / ١٠٩ ]
وأما المعنى نقول: إن الطهارة من الحدث محض تعبد، وقد علق بسبب فلا يجب تغير السبب كسائر العبادات لما علقت بأسبابها لا تجب بغير تلك الأسباب.
وإنما قلنا: محض تعبد، لأن الحدث الخارج من السبيلين يوجب الوضوء في الأعضاء الأربعة، والسبب إذا كان في موضع والواجب في موضع آخر لم يكن السبب سببًا معنويًا مؤثرًا في إيجابها كزوال الشمس سبب لصلاة الظهر، وشهود الشهر سبب لوجوب الصوم، وليس هذا بسبب معنوي في إيجابه فكان الواجب محض تعبد، كذلك هاهنا لما لم يعرف معنى وجوب الوضوء في الأربعة مع وجود الحدث في غيرها لم يبق الوجوب إلا حكمًا شرعيًا بوصف التعبد المحض فلم يجب بغير السبب المعهد في الشرع ولم يقبل قياس غيره عليه، وللأصحاب مسائل إلزامية على أصوالهم تعلقوا بها ونذكرها في تخريجها على كلامهم، وعندي: أن الاعتماد على ما ذكرناه.
أما حجتهم:
قالوا: روت عائشة أن النبي ﵇ قال: «من قال أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم».
وروى تميم الداري أن النبي ﵇ قال: «الوضوء من كل دم سائل».
[ ١ / ١١٠ ]
قالوا: وروى زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده أن النبي ﵇ قال: «القلس حدث».
وروى ميمون بن مهران عن أبي هريرة أن النبي ﵇ قال: «ليس في القطرة والقطرتين وضوء حتى يكون دمًا سائلًا».
وعن سلمان أنه رعف فقال له النبي - ﷺ -: «أحدث لذلك وضوء» واحتجوا بالخبر المعروف أن النبي ﵇ قاء فأفطر قال ثوبان: «أنا صببت له الوضوء».
[ ١ / ١١١ ]
أما تعلقهم بالمعنى قالوا: الخارج نجس ينقض الوضوء، دليله كما إذا كان من السبيل.
قالوا: ووجه التأثير أن الواجب هو وجوب الطهارة، فتغيرها بخروج النجس المعنوي مؤثر، لأن الطهارة/ لا تجب إلا عن نجاسة في الأصل.
لأنها مشروعة لرفعها، والدليل عليه أن الله تعالى شرع الوضوء ثم قال: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ ولم يقل: ليتعبدكم، ولهذا تعلق في الأصل بالخارج من السبيل لأنه مسلك النجس.
وروى عن بعض الصحابة أنه قال في مس الذكر: «إن كان منك شيء نجس فاقطعه» أي هو طاهر، فلا يتعلق بمسه وجوب الطهارة.
وعن بعض الصحابة أيضا في رد خبر الاغتسال عن الميت: «إن كان صاحبكم نجسًا فاغتسلوا منه».
فثبت أن الأصل هو وجوب الطهارة عن النجاسة قالوا: (وأما معنى العبادة التي تقولون فهو تبع، وكان القياس ألا يجب الغسل حيث
[ ١ / ١١٢ ]
لا نجاسة إلا أنها وجبت شرعًا تعظيمًا لأمر القيام إلى الله تعالى في الصلاة، وكان يجب أن يغتسل لكل حدث كما في المني.
لأن الشرط أن يقدم بنفسه طاهرًا إلى الله تعالى وقد لزمه حكم النجاسة بخروج النجس إلا أن الله تعالى قصر على الظواهر بالخارج المعتاد تيسيرًا علينا، لأنه مما يكثر فبقيت إضافة أصل الوجوب إلى أصل النجاسة على أصل القياس، والزيادة احتياط لأمر العبادة تعظيمًا لأمر هذا القيام) وربما يقولون إن الأصل وجوب الطهارة في محل النجاسة إلا أن الشرع أقام توضئة الأعضاء الأربعة وتطهيرها مقام الطهارة في ذلك المحل، لأن ذلك المحل يخفي في الغالب والمطلوب تعظيم القيام بين يدي الرب وذلك يكون بفعل الطهارة في الأعضاء الظاهرة. قالوا: «وأما القهقهة فعندنا إنما نقضت الوضوء بخلاف القياس نصًا» وعلى أن الإثم الذي يلحقه بالقهقهة بين يدي الله تعالى في أخص حالة وهو حالة الصلاة جعل في معنى النجاسة حكمًا إلا أن قيام الإثم مقام النجاسة ما عرف إلا شرعًا فلم يقم إلا في عين ما ورد به النص.
فثبت أنه لابد من صفة النجاسة، ولابد من صفة الخروج أيضًا، لأنه لا يخلو عن نجاسات باطنة لو كانت حدثًا لم يطهر بحال، وأنه لا يمكنه تطهير الباطن عن النجاسات فلا يرد التكليف به، وإذا كان لابد من خروج فالخروج هو الانتقال من محل باطن إلى محل ظاهر فالخروج في غير
[ ١ / ١١٣ ]
السبيلين بالسيلان عن رأس الجرح. لأن تحت كل جلد رطوبة سيالة، وفي كل عرق دم يظهر ذلك لنا وهو في محله بزوال البشرة عن جلده فلم يمكن مجرد الظهور عن باطنه خروجًا فإذا زال عن رأس الجرح فقد انتقل عن محله الذي كان باطنًا فيه وصار خارجًا).
فأما قبل السيلان فهو في محله على ما كان، وأما في السبيلين فإن الخارج قد انتقل عن معدنه، لأنه لا يظهر على المخرج إلا بالانتقال عن مضوعه، وحد الخروج هو الانتقال وقد حصل فتعلق الحكم الشرعي بالخروج وعدمه إلا أن الخروج من السبيلين يكون بنفس الظهور، وفي غير السبيلين يكون بالسيلان عن رأس الجرح.
قالوا: وأما الدودة والحصان والولد الجاف إنما نقض الطهارة، لأن هذه الأشياء لا تخلو عن قليل بلة نجسة، وقد بينا أن خروج القليل من السبيل ينقض الوضوء.
قالوا: وأما إذا قاء ما دون ملء الفم إنما لا ينقض الطهارة، لأن الفم فيما بينه وبين الباطن باطن على ما ذكرنا من قبل، وفيما بينه وبين الظاهر ظاهر وملء الفم ما لا يمكنه ضبطه، وما دون ملء الفم ما يمكنه ضبطه. وللفم حكمان: فإذا لم يقو القيء على الخروج عن الفم بأن كان دون ملء الفم وأمكنه ضبطه لم يثبت له حكم الخروج، كما لم يثبت لبزاق يبتلعه حكم دخول من خارج، وأما إذا كان ملء الفم ولم يمكنه ضبطه ثبت له حكم الخروج، فتبين أنا إنما أدرنا الحكم على الخروج وعدم الخروج.
وأما الريح إنما انتفض الوضوء بخروجها لأنها انفصلت عن موضع النجاسة فلا يخلو من وجود أجزاء النجاسة فيها وإن كانت يسيرة.
[ ١ / ١١٤ ]
وقال أبو زيد: وعلى أنا عللنا النص الوارد في وجوب الوضوء بالخارج من السبيلين بعلة مؤثرة وهو بخروج النجاسة إلا أن الحكم في موضع النص يتعلق بعينه لا بالعة وفي غيره يتعلق بالعلة فلم يعتبر في النص ظهور حكم النجاسة وهو وجوب الغسل في موضع النجاسة، واعتبرناه في الفرع فلم نوجب الوضوء ما لم يجب غسل النجاسة عن موضع الخروج، وقد ذكروا مثل هذا في مسألة إزالة النجاسة.
الجواب:
أما تعلقهم بالأخبار.
قلنا: الخبر الأول رواه ابن جريج عن أبيه مرسلًا.
فإن قالوا: / أسنده ابن أبي مليكة عن عائشة.
[ ١ / ١١٥ ]
قلنا: تفرد بإسناده إسماعيل بن عياش وهو ضعيف.
وأما الخبر الثاني راه عمر بن عبد العزيز عن تميم الداري ولم يلقه، ورواه عن عمر يزيد بن خالد عن يزيد بن محمد وهما مجهولان.
وأما الخبر الثالث: رواه عمرو القرشي الواطسي، قال أحمد ويحيي: هو كذاب.
وأما خبر زيد بن علي، رواه سوار بن مصعب، وهو متروك.
[ ١ / ١١٦ ]
وأما خبر ميمون بن مهران عن أبي هريرة رواه سفيان بن زياد عن حجاج بن نصير، وهما ضعيفان، وعلى أنا نحمل الجميع على الاستحباب.
أما قولهم: «خارج نجس».
قلنا: «إن الواجب هو الطهارة والطهارة تجب عن النجاسة».
قلنا: نعم هذا مسلم في الطهارة الحسية، وأما الطهارة الشرعية فلا يعرف لها إلا وصف الوجوب فحسب.
ومعنى قولنا: «طهارة شرعية» أنها محض تعبد لا يعقل لها معنى والدليل على إنها محض تعبد ما بينا في أول المسألة.
فإن قالوا: فلم سمي طهارة ولم يسم عبادة؟
قلنا: تسميته طهارة لا ينافي التعبد، فيجوز أن يكون طهارة بمحض تعبد، ويجوز أن يقال: سمي طهارة لأنها يقام بطهور.
يبين ما قلنا أن هذه الطهارة يجوز أن تجب بلا خروج نجاسة أصلًا بدليل الريح والحصاة.
وقولهم: «إن في خلال الريح أجزاء النجاسة».
[ ١ / ١١٧ ]
قلنا: هذا خلاف المحسوس ولا تعرف أجزاء نجاسة لا ترى ولا تحس.
وأما فصل الحصاة فلازم، وقولهم: (إنه يكون على الحصاة بلة نجاسة».
قلنا: تصور فيما إذا كانت الحصاة أنقى من الراحة، وعلى أنه إن ثبت لهم أن الطهارة تنتقض بخروج النجاسة فإيجاب الطهارة في غير موضع النجاسة لا يعقل ولا يعرف.
وقولهم: «إنه أقيم طهارة الأعضاء الأربعة مقام تطهير موضع النجاسة لرفع الحرج».
قلنا: وأي حرج في إيجاب الطهارة في موضع النجاسة؟
أليس أنه أمر باستعمال الحجر في موضع النجاسة فهلا أوجبتهم ذلك واقتصرتم عليه إن كنتم تعقلون معنى الطهارة؟
وأما قولهم: «إن في الأصل وإن أوجبنا لا في موضع النجاسة ففي الفرع أوجبنا في موضع النجاسة وفي غير موضع النجاسة».
قلنا: ولو كان الواجب طهارة عن نجاسة لم يجب إلا في موضع النجاسة وعلى أن أجبنا عن هذا الأصل الذي يدعونه في مسألة منع إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات.
فإن قالوا: سلمنا لكم هذا الأصل، وهو أن الطهارة عن الحدث طهارة شرعية غير معقول المعنى، لكن لا شك أنها وجبت بخروج النجس وهذا القدر معقول، وإن لم يكن الوجوب معلولًا به فوجب أن يلحق به أمثاله ونظائره وذلك في كل موضع وجد خروج النجاسة من الباطن إلى الظاهر.
قلنا: لابد أن يكون الإلحاق بمعنى فإذا لم يكن معقول المعنى بطل الإلحاق.
[ ١ / ١١٨ ]
وقولهم: «إن خروج النجس معقول».
قلنا: بلى ولكن غير معلول به، ولأنا بينا وجوب الطهارة بلا خروج النجاسة أصلًا، ثم نقول: إن خروج النجاسة من سائر المواضع لا يشبه خروج النجاسة من السبيلين، لأن السبيل المعتاد لخروج النجس موضع النجاسة ومسلكها.
وأما الفم والأنف وسائر المسالك ليس بموضع النجاسة ومسلكها فتغلظ هناك الخارج بالمخرج ومثل هذا لا يوجد في مسألتنا وهو أن يتغلظ شيء بانضمام شيء آخر إليه فيمتنع إلحاق غيره به.
ألا ترى أن الزنا جناية يتغلظ بالإحصان ثم امتنع إلحاق زنا غير المحصن به، لأنه لم ينضم إليه ما يوجب تغليظه كذلك هاهنا، وهذا كلام حسن غير أن الأول كاف، وهو حقيقة المسألة والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ١ / ١١٩ ]