(مسألة)
لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج عندنا ويكون إحرامه لعمرة.
وعندهم: ينعقد الحج.
وحرف المسألة: أن عندنا فعل من أفعال الحج.
وعندهم: شرط الحج وليس بفعل من أفعاله.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وعلى هذا الخلاف، تحريمه الصلاة.
لنا:
إن الإحرام فعل من أفعال الحج فلا يجوز في غير وقته.
دليله: سائر أفعاله، وكما لا تجوز أفعال الصلاة في غير وقت الصلاة، والدليل على أنه فعل من أفعال الحج أنه شروع في الحج، والحج فعل عبادة، والشروع في فعل عبادة لا يكون إلا بفعل العبادة، وإن شئت قلت: الإحرام شروع في أداء العبادة والشروع في أداء العبادة لا يكون إلا بأداء العبادة.
والوجيز من الكلام هو أن الشروع في الأداء أداء، وهذا دليل في نهاية القوة، وهو على مثال الدلائل القطعية.
يبينه: أنه يقال له قبل الإحرام حج، ويقال له بعد الإحرام أتم الحج، ولو قيل له بعد الإحرام حج يكون القائل هاذيًا لاغيًا، وقبل الإحرام يكون في قوله مستقيمًا محقًا، ولأنا اجتمعنا على أن النية شرط عند الإحرام، وكذلك في الصلاة عند التحريمة، والنية إنما تشترط لصحة الأداء، ولو لم تكن التحريمة من الصلاة والإحرام في الحج من الأداء لما شرط إحضار نية الأداء عند التحريمة والإحرام في الحج من الأداء لما شرط إحضار نية الأداء عند التحريمة والإحرام فثبت بهذه الدلائل أن الإحرام فعل من أفعال الحج.
وإذا عرف هذا فنقول:
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وقت الحج هو الأشهر المعلومة، وذلك شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
والدليل عليه: الوحي الناطق، والحكم الصادق.
أما الوحي فقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ومعناه وقت الحج أشهر معلومات، لأن نفس الحج أفعال وليس بأشهر، غير أن العبادة تذكر ويراد بها وقتها يقال: شك صلاة الظهر أي وقت الظهر، وقال النبي ﵇: «إن للصلاة أولًا وآخرًا» معناه لوقت الصلاة أولًا وآخرًا بدليل أنه فسره بالوقت فقال: إن أول وقت الظهر كذا وآخر وقته كذا.
يدل عليه: أنه تعالى قال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾، ومعناه فعل فيهن الحج يعني في هذه الأشهر.
وقد أجمع المفسرون أنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
وأما الحكم فعلى أصلنا ظاهر، وإنما الحاجة في بيان ذلك على أصلهم فالدليل (أنهم قالوا: فيمن أحرم لعمرة في رمضان وقضاها ثم حج من عامه لا يكون متمتعًا، ولو أحرم بالعمرة في شوال وقضاها ثم حج من
[ ٢ / ٢٥٩ ]
عامه يكون متمتعًا، وكذلك على أصلهم لو أحرم بالعمرة في رمضان وأتى بأفعالها في شوال، وإنما افترقت الصورتان لأن المتمتع هو الذي يجمع بين النسكين في وقت الحاجة ولو كان رمضان وقتًا لكان متمتعًا في الحالين.
وكذلك قالوا: لو أحرم بالحج في رمضان وسعى فيه كان عليه أن يعيد السعي إذا طاف يوم النحر، ولو كان طاف في شوال والمسألة بحالها لم يعد السعي، لأن السعي من أفعال الحج فلا يجوز أداؤه قبل الوقت) وفي المسألة الأولى أتى به خارج الوقت، وفي المسألة الثانية أتى به في الوقت.
قالوا: أيضًا (لو وجد الزاد والراحلة في رمضان وحضره الموت لا يلزمه أن يوصى بالحج، ولو وجد في شوال وحضره يلزمه أن يوصى به)، والمفرق ما بينا.
فثبت أن وقت الحج مقصور على هذه الأشهر، وثبت بما قدمنا أن الإحرام فعل من أفعال الحج فلم يجز قبل وقته.
وأما حجتهم:
قالوا: الإحرام شرط لأفعال الحج وليس/ بفعل من أفعاله ولا هو ركن من أركانه، ومحله محل الطهارة في الصلاة وقت فعل العبادات لا يشترط لشرط العبادة، ألا ترى أنه يجوز الوضوء قبل دخول الوقت ولم
[ ٢ / ٢٦٠ ]
يعتبر لصحته وجود وقت الصلاة، ثم الدليل على أنه شرط وليس بركن أنه معنى يستوعبه كل أفعال العبادة مثل الطهارة في الصلاة وهذا هو حد الشرط وهو ما يراعي قيامه لفعل العبادة كلها إلى أن تنتهي إلى آخرها كالطهارة وستر العورة والمكان والوقت في باب الحج والجمعة. وأما حد الركن ما تؤدي به العبادة ويكون انقضاؤه بشروع في ركن مثله كالقيام يكون انقضاؤه شروعه في الركوع، والركوع ينقضي بالسجود، وهذا لأن العبادة التي تشتمل على أفعال مختلفة تكون أفعالها على التوالي والترادف يفرغ من فعل ويشرع في فعل بدليل أفعال الصلاة وكذلك سائر أفعال الحج، فلو كان الإحرام فعلًا من أفعال الحج لكان سبيله هذا ولم تعتبر استدامته ليؤدي كل الأفعال ثم يتحلل منه.
قالوا: ولأن أفعال الحج تنفصل عن الإحرام بدليل أنه يحرم في أول هذه الأشهر ثم إنه يأتي بالأفعال في الأيام المخصوصة ولو كان الإحرام فعلًا من أفعال الحج لم يجز أن ينفصل عنها كسائر أفعاله وكان من حقها أن توجد على الترادف والتولي مثل أفعال الصلاة، ولأن الحج زيارة أمكنة معلومة وحضور مشاهد مخصوصة تعظيمًا لها وقضاءً لحقها لامتثال أمر الواضع لتلك الحرمات والمثبت لتلك الحقوق، والتلبية ليس من هذا في شيء وإنما هي ذكر باللسان وليس عبادة الحج عبادة الأذكار إنما هي عبادة الأفعال على ذلك المنهج المخصوص.
قالوا: ولهذا يختص كل فعل من أفعال الحج بمكان مخصوص، وكذلك بزمان مخصوص، بخلاف الإحرام فإنه لا يختص بزمان على التعيين ولا بمكان. فثبت بهذه الدلائل أنه شرط وليس بركن فأشبه الطهارة على ما ذكرنا.
[ ٢ / ٢٦١ ]
قالوا: (وليس كالخطبة في الجمعة حيث يعتبر لها وقت الجمعة وإن كانت شرطًا، لأن وقت الجمعة إنما اعتبر لها، لأنها أقيمت مقام الركعتين) في الشرع على ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم، فإذا أقيمت مقام الركعتين لم يكن بد من اعتبار وقت الصلاة لها.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه لو كان شرطًا لما لزمه المضي في العبادة بمباشرة الشرط، كما لا يلزمه المضي في الصلاة بمباشرة الطهارة، لأن عندنا وإن كان الإحرام شرطًا لكنه مع ذلك عقد على الأداء وهو نظير عقد الإجارة على أصلنا فمن حيث أنه عقد على الأداء يلزمه المضي في الحج بخلاف الطهارة.
قالوا: ولهذا يكره الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، لأنه عقد على الأداء.
وبعضهم قال: إنما كره لخوف أن يقع في محظورات الحج لامتداد الوقت فيكون التقديم سببًا للوقوع في الجناية فيكره لهذا المعنى.
والجملة أنهم يقولون: الإحرام شرط لأداء العبادة وعقد على أداء العبادة وإلى أيهما نظرنا لا يكون ركنًا من أركان العبادة فلم يعتبر وقت العبادة في فعله.
قالوا: وأما تحريمة الصلاة إنما اعتبر لها وقت الصلاة وإن لم تكن من الصلاة عندنا لأنها لا تصح إلا متصلة بالأداء وهو القيام فينظر لها ما يشترط في الصلاة لأجل القيام بخلاف الإحرام فإنه يوجد منفصلًا عن أفعال الحج فلا يشترط له ما يشترط لأفعال الحج.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
وقد قال أبو زيد في الأسرار: «إن الإحرام التزام الحج فأشبه النذر، واستدل في أنه التزام للحج بالوجوه التي بيناها.
وقال أيضًا: إنه من وجه يشبه النذر، لأنه التزام غير متصل بالأداء في الحال ومن وجه يشبه تحريمة الصلاة، لأنه التزام يفضى إلى الأداء بنفسه من غير حاجة إلى عقد الأداء وعلى هذين الشبهين قسم الأحكام.
قالوا: ولأجل الشبه بالتحريمة كرهنا الإحرام في غير أشهر الحج.
قالوا: ولا يجوز أن يقال بأن الإحرام يتصل به الكف عن المحظورات وهو فعل من أفعال الحج، وذلك لأن الكف عن المحظورات ليس من أفعال الحج ولا هو أداء له بوجه ما.
ألا ترى أنه وإن طال الكف شهر أو شهران لا يتأدى به شيء من الحج ويكون الحج بعد ذلك في الكمال مثل ما لو أحرم وأتى بالأفعال عقيبه، ولا يقال إذا مضى أوقات في الكف أنه فعل بعض الحج بخلاف ما لو أتى ببعض الأفعال، وهذا لأن الحج أفعال على ما ذكرنا أنه عبارة عن زيارة أمكنة على سبيل التعظيم لله تعالى وليس بعبارة عن الكف وليس من شرط الأداء أن يكون كافًا عما حظره عليه إحرامه كالصلاة عبارة عن الأفعال ولكن ن شرط الأداء أن يكون كافًا عما لا يليق بالصلاة من كلام الناس وغيره.
وأما الصوم ففعله نفس الكف بدليل أنه إذا مضى بعض اليوم يقال فعل بعض اليوم.
قالوا: ولا/ يجوز أن يقال إن الإحرام لو كان التزامًا للحج لكان يصح
[ ٢ / ٢٦٣ ]
لسنة أخرى كالنذر، لأنا قد ذكرنا أنه التزام كالنذر وعقد على الأداء كتحريمة الصلاة فمن حيث أنه التزام منفصل عن الأداء صح قبل الوجوب، ومن حيث أنه عقد على الأداء يتناول يصلح له كعقد الإجارة يتناول أول وقت يصلح له وأشبه نية الصوم فإنه إذا نوى بالليل أن يصوم يتناول أول اليوم الذي يليه ولا يتأدى بها صوم يوم آخر وإن صحت النية في غير وقت الأداء فلم يتناول نية اليوم الذي يليها، كذلك الإحرام يتناول الوقت الذي يليه، ولم يجز أن يستديم الإحرام ليؤدي الحج في سنة أخرى.
الجواب:
إنا قد دللنا على أن الإحرام أحد أفعال الحج ودعواه أنه شرط بعيد جدًا بدليل ما قدمنا، وبدليل وجوب مباشرة أفعال الحج وتحريم تأخرها عن هذه السنة مباشرة شرط العبادة لا يوجب فعل العبادة بدليل الطهارة وستر العورة وهذا الدليل أيضًا وارد على قولهم: «إنه التزام»، لأنه لو كان كذلك لصار كالنذر ولو كان كالنذر وجب أن يحتاج إلى ابتداء المباشرة ثم يكون ذلك إلى اختياره.
وقولهم: «إنه عقد على الأداء».
يقال لهم: على الأداء من حيث الشروع أو من حيث الالتزام؟ فإن قلتم: من حيث الشروع، جاء ما قلنا على ما سبق تقريره، وإن قلتم: من حيث الالتزام، فوجب أن يكون بمنزلة النذر ويكون حكمه على ما قدمنا.
وقولهم: «إنه يشبه هذا من وجه وهذا من وجه».
قلنا: الشروع في مثل هذا الكلام علامة عجز المدعى عن تمشية ما ادعاه، ويقال: إذا كان التزامًا لا يكون شبه بالشروع وإذا كان شروعًا لا يكون له شبه بالالتزام، وأيضًا إذا كان الالتزام المحض يجوز قبل دخول
[ ٢ / ٢٦٤ ]
الوقت والشروع المحض لا يجوز قبل دخول الوقت، فما يشبه الالتزام ويشبه الشروع لم يجز قبل دخول الوقت وما يجوز من وجه ولا يجوز من وجه لم قلتم إنه يجوز؟
وأما الذي اعتمدوا عليه في قولهم: «إنه معنى يستوعب جميع العبادة».
فوجب الجواب عنه:
إن الإحرام ركن من أركان الحج وفعل من أفعاله، وهو أيضًا شرط لسائر أفعال الحج حتى إنه ما لم يكن قائمًا لا تجوز سائر الأفعال وإنما قلنا ذلك بحسب قيام الدليل، فإن الدليل قد قام أنه فعل من أفعاله على ما قدمنا، وقام الدليل أن وجوده شرط لصحة سائر الأفعال فقلنا بهما جميعًا، ولا يستنكر أن يكون الشيء الواحد فعلًا في عبادة من العبادات ثم يكون وجوده شرطًا لصحة سائر الأفعال، وقد ورد مثل هذا فإن الإسلام معنى واجب في نفسه وهو أصل كل أركان الدين ثم هو شرط لصحة سائر أفعال العبادات.
وأما تعلقهم بانفصال الأفعال عن الإحرام.
قلنا: وقد ينفصل وقد لا ينفصل بدليل أنه لو أحرم وطاف وسعى عقيبه فإنه يعتد بهذا السعي عن السعي الواجب في الحج، وكذلك طواف القدوم مشروع فعلًا من أفعال الحج وقد أتى به عقيب الإحرام فدل على أن الانفصال الذي قالوه ليس بشيء لازم، بل يجوز أن يوجد ويجوز أن لا يوجد، وعلى أن مبنى أفعال الحج على الانفصال مكانًا وزمانًا، ألا ترى أن بعضها يفعل في مكان من الحل وبعضها يفعل في مكان من
[ ٢ / ٢٦٥ ]
الحرم وبعضها يفعل بقرب البيت وبعضها يفعل بالبعد من البيت فلما كان وضع هذه الأفعال على الانفصال فيجوز أن تقرب مرة مدة الانفصال وتبعد مرة مدة الانفصال، وأما الصلاة موضع أفعالها على الاتصال.
وأما قولهم: «إن الحج عبارة عن زيارة بقاع مخصوصة وحضور مشاهد معلومة».
قلنا: مع هذا كله يجوز أن يكون الذكر فعلًا من أفعال الحج، ألا ترى أن ذكر الله تعالى من التلبية والتكبير مشروع في أثناء الحج على وجه السنة وذلك فعل من أفعال الحج، فكذلك يجوز أن يكون مشروعًا في الابتداء ويكون فعلًا من أفعال الحج فهذا وجه الجواب عما تعلقوا به. والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ٢٦٦ ]