(مسألة)
لا يجوز التوضئ بنبيذ التمر عندنا.
وعند أبي حنيفة يجوز التوضئ به على الرواية الظاهرة.
وروى عنه أنه رجع إلى ما قلناه.
وقول أبي يوسف مثل قولنا.
لنا:
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
وهذا لم يجد الماء فتيمم، وموضع الاحتجاج إذا عدم الماء ومعه نبيذ التمر.
[ ١ / ٥٧ ]
فإن قالوا: نحمل الآية على عدم الماء والنبيذ.
قلنا: نص الآية اقتضى شرط عدم الماء للنقل إلى التيمم ف حسب فمن ضم إليه عدم النبيذ فقد خالف النص، ولأن عندكم يتيمم لعدم النبيذ لا لعدم الماء. ألا ترى أنه إذا وجد النبيذ وعدم الماء يتوضأ بالنبيذ، ولأن الطهارة لا تتأدى إلا بطهور والطهور هو الماء بنص الشارع، وقد عرف الشرع الماء، ولا غير فما لا شرع فيه لا طهورية له.
وأما حجتهم:
تعلقوا بحديث ابن مسعود المعروف في الباب، قالوا: وأبو فزارة هو راشد بن كيسان العبسي الزاهد، وأبو زيد هو
[ ١ / ٥٨ ]
مولى عمرو بن حريث المخزومي.
والخبر في جامع أبي عيسى، وسنن أبي داود، وغيره.
وقولكم: إن ابن مسعود لم يكن مع النبي ﵇ ليلة الجن فقد نقل علي بن المديني باثني عشر طريقًا كون ابن مسعود مع النبي ﵇.
فقد ورد كونه معه ليلة الجن في خبر الاستنجاء على ما روى أنه قال له تلك الليلة: (ائتني بثلاثة أحجار فأتاه بحجرين وروثة » الخبر.
وهو خبر مشهور معمول به عند الفقهاء، وعلى أنا نقول إنه كان معه ليلة الجن ولم يكن معه عند خطاب الجن فيكون جمعًا ما روينا وبين ما تروون إنه لم يكن معه.
[ ١ / ٥٩ ]
قالوا: وأما الآية التي تعلقتم فنحن نقول: إن نبيذ التمر ماء شرعًا بدليل قوله ﵇: «ثمرة طيبة وماء طهور» فدخل في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ﴾.
وقد ورد من طريق عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﵇ قال: «الوضوء بنبيذ التمر وضوء من لا يجد الماء».
ورووا مثل مذهبهم عن علي، وابن مسعود، وابن عباس ﵃.
الجواب:
إن خبر ابن مسعود كان بمكة، وآية التيمم نزلت بالمدينة، وقد تضمن نسخه لأنه لما نقل من الماء إلى التراب فقد رفع النقل إلى النبيذ، ولأنه نقل إلى التراب من غير واسطة فيكون رفعًا للواسطة.
فإن قالوا: عندكم لا تنسخ السنة بالكتاب.
قلنا: يجوز على أحد قولي الشافعي ﵁، وعلى أنه قد وردت أخبار كثيرة من السنة موافقة لما في الكتاب فيكون نسخ السنة بالسنة.
[ ١ / ٦٠ ]
وقد وافق المحققون من أصحابهم مذهب الشافعي في هذه المسألة، وتركوا قول أبي حنيفة، لأنهم رأوا خبر ابن مسعود زائدًا على الكتاب، والزيادة عندهم نسخ، ولا يجوز النسخ عندهم بخبر الواحد.
وقد قال الأصحاب: إن الذي كان مع ابن مسعود لم يكن نبيذًا على الحقيقة، إنما كان ماء نبذ فيه التمر لتزول ملوحة الماء، ليمكن شربه، فإن عامة مياه العرب كان الغالب عليها الملوحة، فكانوا ينبذون فيها التمر لتزول ملوحتها بدليل قوله ﵇: «ثمرة طيبة وماء طهور».
[ ١ / ٦١ ]
وأما تسمية ابن مسعود إياه نبيذًا كان على طريق المجاز لا على طريق الحقيقة.
وعن أبي العالية: «أتظنونه نبيذكم؟ إنه كان معه ماء نبذ فيه تميرات».
وهذا جواب حسن، لكن الجواب الأول أحسن.
وأما قولكم: إنه ماء شرعًا.
قلنا: هذا جدل.
وأما قوله ﵇ «وماء طهور»، فإن ثبت أن ابن مسعود كان معه النبيذ، فإنما سماه ماءً إخبارًا عن أصله، لأنه ماء كما سماه تمرًا إخبارًا عن أصله لا أنه تمر.
وأما الخبر الثاني:
فهو عن عكرمة كذلك قاله الدارقطني، والإسناد إلى النبي ﵇ وهم/ فيه المسيب بن واضح، والآثار لا يعرف صحة شيء منها، وعلى الجملة لا يجوز الاعتراض على الكتاب بمثل هذا.
[ ١ / ٦٢ ]
وقد رووا عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: «إذا لم يجد أحدكم الماء ووجد نبيذًا فليتوضأ به».
وعن ابن عباس قال: «النبيذ وضوء من لم يجد ماء».
وعن علي ﵁ أنه كان لا يرى بأسًا بالوضوء بالنبيذ.
قلنا: أما الخبر الأول رواه مجاعة عن أبان بن أبي عيش عن عكرمة عن ابن عباس، وأبان متروك، ومجاعة ضعيف.
وأما أثر ابن عباس رواه عبد الله بن محرر عن قتادة عن ابن عباس وعبد الله بن محرر متروك.
وأما أثر علي قال الشعبي: الحارث كذاب. والله أعلم.
* * *
[ ١ / ٦٣ ]
(مسألة)