(مسألة)
لا يجوز دفع القيم سوى المنصوص عليه في الزكاة عندنا.
وعندهم: يجوز بطريق القيمة.
لنا:
الحديث المعروف وهو قوله ﵊: «ومن بلغت إبله خمسًا وعشرين ففيها ابنة مخاض فإن لم يكن فابن لبون ذكر»، فقد شرط ﷺ عدم ابنة مخاض في جواز إخراج ابن اللبون، دل أنه لا يجوز مع وجودها.
يبينه: أنه ﷺ نقل من سن معين إلى سن معين من غير تعرض للقيمة مع علمه باختلافهما في القيمة عند اختلاف الأزمنة والأمكنة، دل أن الرجوع إلى القيمة ساقط.
ويمكن أن يقال أيضًا: أنه ﷺ جوز ابن اللبون على الإطلاق. وعندكم لا يجوز إلا إذا كانت قيمته مثل قيمة بنت المخاض، فهذا تقييد ليس عليه دليل، فقد قلتم: إن تقييد زيادة، والزيادة نسخ.
[ ٢ / ٧٨ ]
قالوا: إنما جوزنا ابن اللبون مكان بنت مخاض بالقيمة بدليل أنه ﷺ قابل فضلًا بفضل، والمقابلة تقتضي المعادلة، والمعادلة تكون بالقيمة.
واستدلوا على جواز القيمة في الزكاة بالخبر الذى روى أنه ﷺ رأى ناقة كوماء في إبل الصدقة فغضب وقال: «ألم أنهكم عن أخذ كرائم أموال الناس؟ فقال الساعي: أخذته ببعيرين من إبل الصدقة»، وأخذ البعير لا يكون إلا بطريق القيمة.
واستدلوا بحديث معاذ المعروف وهو قوله لأهل اليمن: «ائتوني بكل خميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة».
[ ٢ / ٧٩ ]
الجواب:
أما الأول فنحن لا ننكر أن الشرع ورد بمقابلة فضل بفضل، والكلام أنه هل كان بطريق القيمة؟ وليس عليه دليل.
والجملة أن ابن اللبون ورد به التوقف، وكذلك الخبران المذكوران في أخذ شاتين أو عشرين درهمًا أوردهما في الموضع الوارد فالكل على التوقيف.
فأما الخبران اللذان أوردهما ففي إسنادهما مقال.
والأصحاب أولوا الأول، وقالوا: كان ذلك شراءً وبيعًا بإذن الإمام. وقالوا في الثاني:/ المراد من الصدقة الجزية، وسميت صدقة على طريق المجاز، كما كان يسمى المأخوذ من بنى تغلب صدقة وقد كان جزية، بدليل أن معاذًا ﵁ أخبر أنه ينقلها إلى المدينة، ولم يكن من مذهبه جواز النقل في الصدقات، ولأنه ذكر الهجرة والنصرة في الإشارة إلى الاستحقاق بهما والجزية تستحق لهما لا الصدقة.
وأما المعنى: نقول المنصوص عليه هو الواجب فلا يجوز غيره.
دليله: كل الواجبات في الشرع، والدليل على أن المنصوص عليه هو
[ ٢ / ٨٠ ]
الواجب أن الوجوب علم بالشرع، والشرع ورد بالمنصوص عليه فلا يجب بالنص إلا ما ورد به النص.
يدل عليه: أن الزكاة إن كانت عبادة فلا يجوز في العبادة إلا ما ورد به التعبد بدليل الصلاة وأفعالها، فإنه لا يقوم الركوع فيه مقام السجود ولا السجود مقام الركوع، وكذلك لا يقوم السجود على الخد والذقن مقام السجود على الجبهة، وكذلك في سائر العبادات ووجه التقريب بين مسألتنا وهذا الأصل أن الله تعالى إذا وضع عبادته على جارحة بفعل يوجد منها لم تقم جارحة أخرى مقامها، كذلك إذا وضع العبادة على المال وسماه بفعل يوجد منه لم يقم الفعل منه في مال آخر مقامه.
يدل عليه: أن أصل العبادة لا تجب بالتعليل ولا تقبله فكذلك كيفيتها، وإن قلنا: إن الزكاة حق الفقراء، فالحق الواجب للآدمي في عين لا يقوم غيرها مقامها إلا بسبب شرعي من معاقدة ومعاوضة وغير ذلك.
يدل عليه: أن سبب وجوب الحق إذا اتصل بمحل يتعلق الوجوب بصورته ومعناه مثل ما لو أسلم في شيء واشترى شيئًا، وكذلك إذا أوصى الإنسان بشارة أو أوصى بشاة من أربعين من الغنم أو ببعير من خمس وعشرين من الإبل للفقراء تعلق حقهم بعين ذلك، كذلك ههنا.
وأما حجتهم:
قالوا: الزكاة واجبة للإغناء أو لدفع الحاجة، لأنها وجبت على الغنى للمحتاج فيكون بعلة الإناء ودفع الحاجة، وقد قال ﷺ في صدقة الفطر: «أغنوهم عن المسألة في هذ اليوم».
[ ٢ / ٨١ ]
ولأن التعليل واجب ما أمكن، وقد أمكن التعليل بالإغناء وهو تعليل صحيح مؤثر، وإذا علل بهذا فالإغناء بالأصل والقيمة واحد فاستويا في الجواز، وشبهوا الزكاة بالجزية والخراج.
وقالوا: أما الصلاة فإنما لم يجز فيها التعليل، لأنها لو عللت عللت بالخشوع، وفي كل فعل من الصلاة نوع خشوع لا يوجد في غيره فبطل التعليل، وفي مسألتنا الإغناء الذي يوجد في المنصوص عليه يوجد في القيمة.
قالوا: وأما السجود على الذقن والخد فليس بعبادة بل هو عبث فلا يقوم مقام العبادة بخلاف القيمة فإن إخراجها في الجملة يكون عبادة فجاز أن يقوم أداءها مقام أداء المنصوص عليه.
قالوا: وأما إخراج المنافع إنما لا يجوز، لأنها ليست بمال، وإن كانت مالًا فهي في المالية دون العين على ما عرف في كتاب الغصب فلا يقوم مقامه، فتعلقوا بما لو أخرج بعيرًا عن خمس من الإبل فإنه يجوز وإنما جاز بالقيمة لأنه غير منصوص عليه، ولا يجوز أن يقال: جاز بدليل النص، لأنه لما جاز عن أضعاف الخمس ففي الخمس أولى، لأن هذا يبطل بما لو أخرج ست حقائق عن إحدى وستين وهو ثلاث مائة وخمسة مثل البعير في مسألة الإلزام.
قالوا: «ولا يجوز أن يقال إن الواجب في خمس من الإبل خمس بعير فلأن يجوز بعير كامل أولى. لأنه ليس كما زعمتم بل الواجب في خمس من الإبل شاة، وإنما يجب البعير عند بلوغه خمسًا وعشرين فقبل بلوغه
[ ٢ / ٨٢ ]
هذا القدر لا يقدر فيه إيجاب شيء من البعير، كما أن الشاة تجب عند بلوغ الغنم أربعين فقبل بلوغه هذا القدر لم يقدر إيجاب شيء من الشاة».
يبينه: أنه كيف يقدر إيجاب خمس من البعير في خمس من الإبل، وقد وجبت الشاة فيها؟ فثبت بما قلنا أن جواز البعير كان بالقيمة فإذا جازت القيمة في هذه الصورة فوجب أن يجوز في كل موضع هذه طريقة مشايخهم.
وأما طريقة أبي زيد فقد بنى كلامه على ما سبق من قبل وهو أن الزكاة حق الله تعالى على ما بينا، ثم الفقير مصرف لهذا الحق، ووصوله إليه من قبل الله تعالى إيفاء للرزق الموعود إلا أن الرزق الموعود للفقير مال مطلق يحصل به كفايته لا بمال مخصوص معين، وهذا لأن حاجته ترتفع بالمال المطلق لا بالمقيد.
وأما حق الله تعالى في مال معين ثم لما أمر الله تعالى بصرفه إلى الفقراء نائبًا عن الله تعالى في قبض حقه فإذا حصل الأداء إلى الله تعالى بقبض الفقير فبعد ذلك يصير حقًا للفقير لرزقه الموعود فصار الفقير قابضًا رزقه الموعود بواسطة حصول الأداء إلى الله تعالى، وهذا كمن له على إنسان عشرة دراهم/ فأمر رب المال المديون أن يتصدق بها على الفقراء فإنه يصح، ويصير الفقير نائبًا عن صاحب الدين في قبض الدين ثم يصير قابضًا حقًا لنفسه، وكذلك إذا كان على رب الدين عشرة دراهم لرجل آخر فقال لمديونه: اقبض العشرة التي على بما لي عليك فقضاها يصير القابض نائبًا عنه في قبض حقه أولًا ثم يصير مستوفيًا حق نفسه كذلك ههنا.
[ ٢ / ٨٣ ]
قالوا: وإذا كان القابض هو الفقير وحقه في مال مطلق احتجنا إلى أن نجعل حق الله تعالى في مال مطلق ليصح قبض الفقير، فإنما يقبض لله تعالى ما يقبضه لنفسه رزقًا له فيسقط حق الله تعالى في صورة الشاة لضرورة تحقيق قبض الفقير حق نفسه فصار حق الله تعالى مؤدى بمال مطلق بقبض الفقير ثم صار الفقير قابضًا، وهذا هو الأصل في كل حقين مختلفين يتأديان بقبض واحد فإنه يصير الحق الأول على وصف الحق الثاني ليتأدى حق الأول بقبض الثاني حقه.
ومثال هذا: رجل عليه مائة درهم لرجل وله على آخر كر حنطة أو عنده كر حنطة وديعة فقال للذي عليه الحنطة: اقض الدراهم التي على بما لي عليك من الحنطة، فإنه يصير مأمورًا ببيع الحنطة بالدراهم حتى يمكن أداؤها إلى صاحب الدين وهو الدراهم، فقبض هو حق نفسه وحقه في الدراهم فثبت قبض صاحب الحنطة في ضمن قبضه حق نفسه وذلك إنما يتصور إذا كان حق صاحب الحنطة على وصف حقه فجعل الديون مأمورًا ببيع الحنطة ليصير كذلك، فكذلك ههنا يثبت ما ادعيناه بالحقيقة والمثال، وربما قالوا على فصل التعليل: إنا لا نعلل حق الله تعالى إنما نعلل جانب حق الفقير وهو ما استحق من مال صالح لكفايته ويعدى معنى الصلاحية لكفايته إلى كل ما يكون في معناه.
قالوا: ولا يلزم صدقة الفطر، وذلك إذا أدى ربع صاع حنطة يساوي نصف صاع حنطة حيث لا يجوز عن النصف، فإنه إنما لم يجز لأنه لو جاز إنما جاز لقيمة الجودة، ولا يجوز أن تعتبر الجودة في هذا المد بدلًا عن مد آخر، لأن الجودة في مال الربا لا قيمة لها بانفرادها بخلاف ما لو أدى شاة سمينة في الزكاة فإنها تجوز عن شاتين، لأن الجودة في الشاة متقومة، فأما إذا أعطى نصف صاع تمر جيد عن شعير وسط أو بالعكس إنما لم يجز
[ ٢ / ٨٤ ]
لأن التمر والشعير والحنطة وإن كانت أجناسًا مختلفة في سائر الأحكام، ولكن في صدقة الفطر كلها جنس واحد، لأن المعنى المطلوب من الكل واحد وهو دفع حاجة الفقير، وإذا صار الجنس جنسًا واحدًا في هذه الحكم بطلت نية التمييز، ولم تصح نية إقامة الحنطة مقام الشعير، لأن الكل شيء واحد، ومتى بطلت النية وقعت الحنطة عن نفسها والجودة لا قيمة لها فلا يجوز إلا عن القدر الذي أدى، ولا يلزم على العدد إذا أعطى ثوبًا واحدًا عشرة مساكين عن طعامهم في الكفارة حيث يجوز، لأن الطعام مع الكسوة جنسان مختلفان لاختلاف معنى المطلوب منهما، وأمكن صرف أحدهما إلى الآخر لتغايرهما.
قالوا: وأما إذا أعطى ثوبًا واحدًا عشرة مساكين عن كسوتهم وهو يساوي ذلك لا يجوز، لأن الكسوة في كفارة اليمين وجبت مطلقة غير مقيدة بالوسط فعلى أي وصف كان الثوب وقع عن نفسه فلم يمكن إقامة جودته مقام ثوب آخر، وليس كما لو أعطى شاة سمينة عن شاتين وسطين حيث يجوز، لأن الواجب الشاة هو الوسط بالنص، والجودة متقومة فيها فقدر الوسط وقع عن نفسه، وفضل الجودة المتقومة وقع عن شاة أخرى فهذا هو المعنى في المسائل.
وأما أصل القيمة فمجزية في صدقة الفطر بدليل أنه لو أعطى عن الصلع دراهمًا أو دنانيرًا فإنه يجوز عندنا.
قالوا: ولا يلزم الضحايا والهدايا والعتق حيث لا تجوز القيمة فيها، لأنا نسلم أن الحق متى وجب لله تعالى لا يجوز إبطاله بالتعليل، وكذلك حق العباد، ولكن ادعينا أن الله تعالى رضي بتغير حقه لما أمر بصرفه إلى الفقير، وفي الضحايا والهدايا حق الله غير مصروف إلى الفقير، لأن حق الله بتأدى بإراقة الدم لا بصرف اللحم إلى الفقير، وإنما أثبتنا رضا
[ ٢ / ٨٥ ]
الله تعالى بتغيير حقه بضرورة أن الفقير هو القابض، وهذا المعنى ههنا معدوم، وكذلك العتق، لأن الحق يتأدى بنفس إتلاف الرق وليس هناك شيء مصروف إلى العبد حتى تقع الحاجة إلى تغيير حق الله تعالى، وكذلك الركوع والسجود وسائر العبادات البدنية، لأن أداءها بفعل يوجد من البدن من غير أن يكون هناك صرف شيء إلى الفقير فخرج على ما قلنا.
الجواب:
أما الطريقة الأولى فهي بناء على إثبات التعليل، وهذا باطل لما بينا من قبل ولأن من شرط صحة التعليل تقرير الحكم في الأصل ثم التعدية مثل ما يفعل في الأشياء/ الستة وسائر المواضع.
وعندهم بهذا التعليل يتغير حكم الأصل، لأن حكم الأصل وجوب الشاة ويفوت الوجوب بالتعليل، لأن الواجب ما لا يجوز غيره، فإذا جاز غير الشاة فات وجوب الشاة فتعين حكمه من الوجوب إلى الجواز فبطل التعليل من هذا الوجه.
فإن قالوا: لا يتغير حكم الأصل، لأن الشاة إذا أداها يكون أدى الواجب، لكن يتسع محل الواجب مثل الصلاة في وقت الظهر يكون وجوبها موسعًا لا أن يفوت الوجوب في أول الوقت.
والجواب:
أن النص اقتضى وجوب الشاة على التعيين، وبالتعليل يفوت هذا، فثبت تغيير حكم الأصل قطعًا، وتحقق أن التعليل باطل لهذا الوجه، وهذا جواب حسن على هذه الطريقة.
وطريقة أبي زيد والذي يختص بهذه الطريقة:
أن يقال لهم إذا عللتم بالإغناء فقد ناقضتم أصلكم، لأن الزكاة عندكم عبادة
[ ٢ / ٨٦ ]
محضة وهي حق الله تعالى على الخلوص، وإذا عللت بالإغناء يكون حق الفقير، لأن ما أوجب لإغناء الآدمي يكون حق الآدمي، ولأن التعليل لإسقاط الحقوق عن الأعيان باطل، كما لو أوصى فقال: «أغنوا فلانًا بشاة أو ببعير أو بدراهم» لا يجوز أداء غيرها، وهذا لأن العين محل تعلق الحق بها لله تعالى وللفقير، فإذا اتصل بها الخطاب والإيجاب لابد من تعلق الحق بها، وإذا تعلق الحق بها فالتعليل لإبطال الحقوق عن الأعيان باطل مثل سائر الحقوق في العالم. ويقال لهم أيضًا: وجبت الزكاة للإغناء، ولكن بهذا الذي عينه ولا يجوز غيره كما في العبادة البدنية لما أوجب التعبد والتخشع بهذا الفعل الذي عينه فلم يجز غيره.
وقولهم: «إن في كل واحد من الأفعال نوع تخشع لا يوجد في صاحبه».
قلنا: على القطع نعلم أن ما يوجد من التعظيم والتخشع بوضع الجبهة يحصل بوضع الخد وأكثر فوجب أن يجوز.
وأما إذا أدى بعيرًا عن خمس من الإبل.
قلنا: عندنا جاز بالنص وهو قوله ﵇: «خذ من الإبل الإبل، ومن البقر البقر».
[ ٢ / ٨٧ ]
وهذا لأن الواجب جزء من النصاب ليكون وجوبه على وجه المواساة وصفة اليسر، ولشاة ليست بجزء من الإبل فيكون وجوبها رخصة فإذا لم يوجد وأدى ما هو الواجب الأصلي فلابد من الجواز وهو مثل المسح على الخفين فإنه رخصة ولو لم يفعل بفعله وغسل الرجلين يجوز، وكذلك ههنا، وهذا معتمد.
وأما طريق أبي زيد فهي بناء على أصل ممنوع وليس على إثباته دليل معتمد عليه.
أما قولهم: «إن الزكاة عبادة محضة». فقد دللنا أنها على حق الفقراء فلا نعيد وإذا صارت حق الفقير بطلت حق التعليل لإبطاله حقه أو يعتبره من محل إلى محل، والمنع معتمد.
وأما قولهم: «إن الفقير بقبض ما يقبضه عن الرزق الموعود».
فليس عليه دليل، ويقال لهم: اجعلوا الزكاة صلة من الله تعالى للفقير.
وأما الرزق الموعود فدار عليه، والشاة والدراهم في صورة الزكاة صلة، والسيد قد يرزق عبده على الدرور ثم يصله بصلة وراء ذلك فإذا جعلنا الزكاة صلة فكأن الله تعالى وصل الفقير بما سماه فيتعين ذلك وهذا أولى مما قاله، لأنه على هذا يبقى حق الله تعالى على ما كان وعلى ما زعموا أبطلا حق الله تعالى عن الواجبات التي نص عليها بعد ثبوتها بلا دليل.
وأيضًا يقال لهم: قولوا إن الله تعالى وعد الرزق بمال مطلق ثم حين أمر بصرف الزكاة إلى الفقراء فقد نقل رزقهم في هذا الموضع من المال المطلق
[ ٢ / ٨٨ ]
إلى مال معين، ويجوز أيضًا للسيد أن يرزق عبده بمال مطلق ويجوز أن يرزقهم بمال معين وله ولاية النقل فلأي ضرورة سقط أصل حق الله في الواجبات التي سماها ونص عليها وعنده لو سقط سقط ضرورة، ولا كلام على هذين الجوابين، وهما في نهاية الوضوح، وعلى أنا قد بينا أن من شرط صحة التعليل تقرير الحكم في الأصل ثم تعدية الحكم إلى الفرع، ولا يوجد في هذه الموضع هذا الشرط فإذا فات شرط التعليل بطل التعليل.
وأما المسائل التي تعلقوا بها فهي معاملات بين العباد ومبناها على المراضاة، وقد تضمن الأمر من صاحب الدين في تلك المواضع الرضا بما قالوه.
فإن قالوا: «إن ههنا وجد الرضا من الله تعالى بانتقال حقه من المال المعين إلى المال المطلق».
فهذا مجرد تحكم من غير حجة.
وأما تعلقهم بأمره تعالى بصرفه إلى الفقير فقد وجدنا وجهًا لصرفه من غير أن يحتاج إلى تغيير حق الله، ونقله من شيء وهو أحد الوجهين اللذين قدمناهما فقد بطل ما قالوه وفسد فسادًا لا يقبل الصلاح. وإن تعلقوا بالجزية والخراج فإنما جازت القيمة فيهما بالنص على ما عرف، وعلى أن هناك ولاية الإمام ثابتة في الابتداء وضعًا فثبت في الانتهاء أخذًا بخلاف مسألتنا، ولأن المنافع تجزى في الجزية بخلاف الزكاة/ وكان المعنى في الفرق ما ذكرنا، والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ٨٩ ]