(مسألة)
لا يحل وطء الحائض بمجرد انقطاع الدم، وإذا كان لأكثر مدة الحيض حتى تغتسل عندنا.
وعندهم: يحل وطئها بدون الاغتسال في هذه الصورة.
قالوا: ولو انقطع الدم لأقل من أكثر الحيض لم يحل الوطء قبل الاغتسال أو مضى وقت الصلاة».
لنا:
قوله تعالى: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ ﴾
وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ معناه فاغتسلن، وقد قرئ «حتى تطهرن»
[ ١ / ١٦١ ]
بالتشديد. وهو صريح في الاغتسال بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ أي اغتسلوا. فعدمه التحريم إلى حالة الاغتسال فلا يحل قبله، والاعتماد على الآية، ولا تأويل لهم لقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بالتشديد، لأنه لا يحتمل سوى الاغتسال إلا أنهم ربما يقولون: يحتمل أن يكون المراد به حال انقطاع الدم لأقل من أكثر الحيض وهو تأويل ضعيف. لأن الآية لم تتعرض بحالة دون حالة فيجب إجراؤها على ما يقتضيه إطلاقها حتى يقوم دليل قطعي يوجب خلافه، وعلى أنهم لا يقولون بهذا التأويل فإن عندهم: لا يقف حل الوطء على الاغتسال وإن كان الانقطاع لأقل من أكثر الحيض فإنهم قالوا: لو مضى عليها وقت الصلاة حل وطئها ولا اغتسال في هذه الصورة، ولا مجال للمعنى في المسألة سوى أن يقال: إن حدث الحيض قائم بعد الانقطاع إلى أن تغتسل وهو أثر من آثاره فيعمل أثر الحيض عمل نفسه فيما بنى أمره على الاحتياط كالعدة تعمل عمل النكاح في تحريم العقد، والاعتماد على الآية.
وأما حجتهم:
قالوا: انقطع الحيض عنها بيقين فحل للزوج وطئها.
دليله: إذا اغتسلت ولا إشكال في انقطاع الحيض بيقين، بدليل أنه لو عادوها الدم يكون استحاضة ولا يكون حيضًا.
[ ١ / ١٦٢ ]
وأما وجه التأثير فهو في غاية الظهور، لأن المحرم نفس الحيض، وهو آيل إلى الارتفاع والزوال فإذا زال المحرم وجب أن يزول التحريم، لأن زوال العلة يوجب زوال المعلول، كما لو اغتسل مع الانقطاع فإنه ليس لزوال التحريم هاهنا سبب سوى زوال الحيض. وربما عبروا عن هذا، وقالوا: إن التحريم بالأذى، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ وقد زال الأذى بالانقطاع وإنما بقى مجرد الحدث وهو غير مانع من الوطء بدليل حدث الجنابة وخرج على هذا استباحة الصلاة ومس المصحف وغيره، لأن الحدث مانع منه بدليل حدث الجنابة.
أما الوطء فنفس الحيض مانع منه لأن الجنابة ونفس الحيض قد زالا.
قالوا: وأما قولكم: «انقطع الدم لأقل من أكثر الحيض» فلم يزل الحيض بيقين لجواز أن يعود الدم فضعف الطهر عن الحيض فوقعت حقيقة الوطء على ثبوت حكم من أحكام/ الطاهرات لها وذلك إما بوجود اغتسال صحيح منها أو وجوب صلاة في ذمتها حتى يقوى الطهر عن الحيض بانضمام هذا المعنى الحكمي إليه.
وأما في مسألتنا فقد قوى الطهر عن الحيض بنفس الانقطاع، لأنه لا يتوهم العود فاستغنى عن معنى ينضم إليه فيقويه.
وقد تعلق بعض مشايخهم بالصوم، وقالوا: طهر يفيد إباحة الصوم فيفيد إباحة الوطء. دليله ما بينا.
وقالوا: وكما أن حرمة الوطء معنى يختص بالحيض فكذلك المنع من الصوم معنى يختص بالحيض فكل واحد قرينة صاحبه فاستويا.
[ ١ / ١٦٣ ]
الجواب:
إنا اعتمدنا على نص الكتاب، ولا نسمع القياس المعنوي في مقابلته، ويمكن أن يقال إن الحيض وإن انقطع بيقين، ولكن أثره قائم فيعمل عمله كما بينا، ويدخل على ما قالوه إذا انقطع الدم لأقل من أكثر الحيض.
وقولهم: «إنه يتوهم عود الدم»، يبطل بما بعد الاغتسال.
وقولهم: إنه يقوى الطهر عن الدم بالاغتسال.
قلنا: ولم قالوا: لأن صحة الاغتسال حكم الطاهرات؟
قلنا: فقولوا إنه يقوى بنفس وجوب الاغتسال، لأنه من حكم الطاهرات أيضًا وعلى هذا انقطع لهم الكلام.
والجواب عن فصل الأذى بما قلنا أن الأذى وإن زال فأثره قائم. وأما من تعلق منهم بصحة الصوم فيبطل بما لو انقطع الدم لأقل من أكثر الحيض، ويقال أيضًا من حيث المعنى: إنه لا يحتاط في المنع من الصوم حتى يقوم أثر الحيض فيه مقام نفسه بخلاف المنع من الوطء. والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
[ ١ / ١٦٤ ]