(مسألة)
لا يشترط الصوم لصحة الاعتكاف عندنا.
وعندهم: هو شرط.
فعلى هذا نقول:
[ ٢ / ٢١٩ ]
يجوز الاعتكاف في الليالي على الانفراد.
وعندهم: لا يجوز.
لنا:
حديث عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر نذر أن يعتكف ليلًا في المسجد الحرام في الجاهلية، فسأل النبي ﵇ عن ذلك قال: «أوف بنذرك»، والخبر في الصحيحين.
روى عبد العزيز بن محمد.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
عن أبي سهيل بن مالك- عم مالك بن أنس- عن طاووس عن ابن عباس أن النبي ﵇ قال: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه».
وأما هم يروون عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: «لا اعتكاف إلا بصيام».
قالوا: وأما الخبر الأول الذي رويتم فقد روى عمرو بن دينار عن عمر أنه سأل النبي - ﷺ - عن اعتكاف عليه فأمره أن يعتكف ويصوم.
[ ٢ / ٢٢١ ]
قالوا: وأما الخبر الثاني، فالصحيح منه أنه موقوف.
الجواب:
أما الخبر الذي رووه فقد تفرد به سويد بن عبد العزيز عن سفيان بن حسين عن الزهري، وقد تكلموا في سويد وسفيان بن حسين فيما ينفردان به.
ويحتمل أن يكون المراد من الخبر نفي الكمال لا نفي الجواز.
وأما الخبر الثاني: تفرد به عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار وهو ضعيف.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
(قال أبو بكر عبد الله بن زياد النيسابوري: هذا حديث منكر، لأن الثقات من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه مثل ابن جريج وابن عيينة وحماد بن سلمة وغيرهم، قال: وابن بديل ضعيف الحديث).
وروى مثل مذهبنا عن علي وابن مسعود.
وهم يرون عن عائشة وابن عباس وغيرهما.
وأما الكلام من حيث المعنى نقول:
الاعتكاف عبادة بنفسها فيصح من غير صوم.
دليله: الصلاة.
والدليل على أنه عبادة بنفسه: أن الصوم عندهم شرط لصحة الاعتكاف ثم إذا انضم هذا الشرط إلى الاعتكاف فيكون الاعتكاف هو العبادة بنفسه، وكذلك الطهارة عن الحدث إذا انضمت إلى الصلاة تكون الصلاة هي العبادة بنفسها.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
ويدل عليه أن الله تعالى أطلق الاعتكاف فقال/: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، دل أنه بنفسه عبادة مثل إطلاقه الصوم والصلاة وغير ذلك.
وإذا ثبت أن الاعتكاف عبادة فاستغنى عن الصوم ليكون عبادة مثل سائر العبادات.
يبينه: أن الصوم ركن من أركان الإسلام فيبعد أن يكون شرطًا لعبادة من النوافل، والاعتماد على الأول.
وقد تعلق الأصحاب بجواز الاعتكاف ليلًا، وقالوا: لو كان الصوم شرطًا لما صح بالليل، لأنه ليس بزمان الصوم فإذا جوزنا الاعتكاف فيه فقد جوزنا بلا صوم.
وإن قالوا: إن الاعتكاف بالليل تبع للاعتكاف بالنهار، أو قالوا: إن الصوم بالنهار شرط الاعتكاف ليلًا ونهارًا إلا أنه يختص بالنهار، لأنه لا يتصور ليلًا.
نقول: كلا الكلامين باطل، لأن دعوى التبعية لا دليل عليه.
ولأن الصوم عندهم شرط، وقد انعقد الاعتكاف بالليل، وصح الابتداء به إذا وصل إليه الاعتكاف بالنهار، وشرط العبادة: إما أن يتقدم عليها كالطهارة أو يقارنها كالاستقبال وستر العورة والطهارة عن النجاسة، فأما أن يتراخى عنها فلا يعرف.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وقولهم: «إنه لا يتصور الصوم بالليل».
قلنا: إن لم يتصور الصوم بالليل يتصور قصر جواز الاعتكاف على النهر دون الليالي ليتفق زمان الشرط والمشروط فيتصور مقترنًا به أو متقدمًا عليه.
وقد قال بعض أصحابنا:
إن الصوم لو كان شرطًا لصحة الاعتكاف لم تصح أيام رمضان، لأن الصوم ليس له بل هو وظيفة هذا الزمان ابتداء ولو وجب الصوم لصح الاعتكاف به وجب أن يلزم أن يكون الصوم للاعتكاف.
وهذا ليس بشيء، لأنهم يقولون: إن الصوم شرط والشرط يجب وجوده في صحة المشروط له، فأما أن يكون وجوده له فهذا غير معتبر بدليل أن الطهارة لما كانت شرطًا للصلاة اعتبر وجودها ولم يعتبرها أن تكون الطهارة للصلاة حتى لو توضأ للنفل وأدى به الفرض يجوز مع أنه لم يتوضأ للفرض، لكن اكتفى بوجوده، كذلك ههنا، والاعتماد على ما سبق.
وأما حجتهم:
تعلقوا بالخبر الذي قدمناه، وقد بينا الكلام عليه.
وأما المعنى:
قال مشايخهم: لبث في مكان مخصوص فلا يكون عبادة إلا بانضمام عبادة أخرى إليه.
دليله: الوقوف بعرفة، وهذا لأن اللبث في مكان وملازمة بقعة
[ ٢ / ٢٢٥ ]
لا يكون مخيلًا في كونه عبادة، فإذا صار عبادة إنما يصير عبادة بعبادة أخرى تنضم إليه وليس ذلك إلا للصوم.
وأما معتمدهم قالوا: (أجمعنا على أنه لو نذر أن يعتكف صائمًا يلزمه الاعتكاف بصوم) فلا يخلو إما أن يكون بالنذر أو بكونه شرطًا له شرعًا، ولا يجوز أن يكون بالنذر، لأن النذر لم يلاقه فإنه قال: لله على أن أعتكف صائمًا، والنصب في قوله: «صائمًا» على الحال كأنه قال: لله على أن أعتكف في حال صومي، والنذر إنما يصح في العبادة ووصف العبادة، أما حال المتعبد لا يدخل تحت النذر فكان ينبغي أن لا يجب فلما وجب دل أنه شرط بالشرع.
قالوا: وليس كما لو قال: لله على أن أصوم متتابعًا، لأن التتابع صفة الصوم.
ألا ترى أنه يقال له «صوم متتابع» ولا يقال «اعتكاف صائم».
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن قوله: «صائمًا» نصب على إضمار المصدر، لأن هذا يستقيم في قوله: «ضربته وجيعًا، وكلمته بليغًا» أي ضربًا وجيعًا وكلامًا بليغًا، لأنه إذا أظهره صح هذا الكلام فأما ههنا فلا يستقيم هذا التقدير، لأنه لا يستقيم أن يظهره فيقول: أعتكف اعتكافًا صائمًا أو صومًا.
الجواب:
أما قولهم: «لبث في مكان مخصوص»، فقد ذكروا فيه القلب المعروف وهو أن يقل: فوجب أن لا يكون الصوم شرطًا.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
دليله: ما قاس عليه.
وأما قولهم: «إن اللبث في مكان مخصوص ليس فيه معنى مخيل في كونه عبادة».
قلنا: العبادة ما جعله الله تعالى عبادة ولا يعتبر المعنى المخيل الذي ظنوه وعلى أن ملازمة مكان العبادة وترك الترددات مشعرة بكونه عبادة وهو لعله فوق الطواف حول البيت فإذا كان التردد حول بيت العبادة بكونه عبادة فملازمة موضع العبادة لأن يكون عبادة أولى.
وأما تعلقهم بفصل النذر فقد منع على أحد القولين.
وقيل: إنه لا يجب الاعتكاف بالصوم لكن يجبان جميعًا- أعني الصوم والاعتكاف- ولو أفرد كل واحد منهما بالفعل فإنه يصح.
وعلى أنا سلمنا أنه يجب الاعتكاف بشرط الصوم فإنما يجب بالنذر وليس فيما أنه يجب بالنذر ما يدل على أنه يجب لا بالنذر كأصل الاعتكاف.
وقولهم: «إن النذر لم يلاق الصوم».
قلنا: إنما أوجبنا الصوم لضرورة صحة قولكم لأنه كما يجب الاعتكاف في حال الصوم فلابد من وجوب الصوم ليصير حالًا له فيصح نذره بالاعتكاف على/ هذه الحالة وكل ما كان من ضرورة قوله فهو كالمصرح به.
فإن قالوا: «وجب أنه إذا قال: لله على أن أصوم معتكفًا أن يلزمه على هذا الشرط، وكذلك إذا قال: لله على أن أعتكف مصليًا».
قلنا: في المسألة الأولى كذلك نقول، وأما المسألة الثانية فهي مسلمة، ولكنها مجرد استغراق من غير بيان وجه الإلزام ووجوب الفرق.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
ونحن إذا بينا وجه اتصال النذر بالصوم خرجنا وتقصينا عن عهدة كلامهم، وما اعتمدوه في تعلقهم.
وقد أجاب الأصحاب عن المسألة التي ألزموها وقالوا: ليس بين الصلاة والاعتكاف مناسبة ومشابهة، لأن أحدهما فعل الجوارح والآخر ليس من فعل الجوارح فإذا لم يكن بينهما مناسبة لا يصير أحدهما شرطًا في الآخر.
وأما الصوم والاعتكاف فبينها مناسبة ومشابهة، لأن كل واحد منهما كف فجاز أن يصير أحدهما شرطًا في الآخر ليصير كل واحد منهما كاملًا لصاحبه متزينًا به، وهذا غاية الإمكان، والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ٢٢٨ ]