(مسألة)
محاذاة الرجل المرأة في صلاة الجماعة لا يوجب بطلان صلاة واحد منهما عندنا.
وعندهم: تبطل صلاة الرجل.
لنا:
إن الرجل متابع وقف في موقف المتابعة فلا تفسد صلاته.
دليله سائر المتابعين، يبينه أن نهاية ما في الباب أنه مسيء في موقفه بجنب المرأة، والإساءة في الموقف لا توجب بطلان الصلاة.
دليله إذا انفرد خلف الصف، ودليله إذا وقف الرجل على يسار الإمام.
ودليله: إذا ترك القوم الاصطفاف في الصلاة خلف الإمام بأن قام كل منفردًا أو قاموا بجنب الإمام صفًا.
[ ١ / ٢٧٠ ]
والحرف أنه لا مفسد لصلاة الرجل، والإفساد بغير مفسد محال.
أما حجتهم:
قالوا: إن الرجل ترك فرضًا عليه في الموقف فلم تجز صلاته.
دليله: إذا تقدم على الإمام، وإنما قلنا: «ترك فرضًا عليه في الموقف» لأنه فرض عليه تأخير المرأة عن موقفه، لقوله ﵇ «أخروهن من حيث أخرهن الله». وكلمة «حيث» للمكان، والأمر للوجوب ولا ترتيب يجب المكان بين الرجل والمرأة سوى مكان الصلاة.
ولأن النبي ﵇ قال: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها».
[ ١ / ٢٧١ ]
والاحتراز من الشر واجب يدل عليه الحديث الصحيح: أن النبي ﵇ «صلى فأقام أنس وراءه واليتيم وراءه وأقام أم سليم وراءهما».
وإنما قدم الصبي وأخر العجوز / كراهية الانفراد خلف الصف، لأنه كان محظورًا وقوفها بجنب الرجل فاختار الكراهية على الحظر، ولأن النساء إتباع الرجل في حكم الجماعة، ولهذا لا تجوز إمامتها بحال، فورد الشرع بالترتيب مكانًا بين التبع والمتبوع، كما ورد بين الإمام والمؤتم، ثم لو ترك المؤتم مكانه بأن تقدم على إمامه فسدت صلاته، كذلك إذا ترك الترتيب هاهنا أيضًا.
وإنما اختص الرجل بفساد صلاته، لأنه هو المخاطب بهذا الترتيب لما بينا من الخبر، ولأن الرجال هم القوامون بإقامة الجماعات وتسوية الصفوف، وإذا كان الخطاب للرجال دون النساء اختص الفساد بصلاة الرجل.
قالوا: وإنما اعتبره تقديم المؤتم على إمامه لتفسد صلاته، وفسد في مسألتنا بمجرد المحاذاة، لأن المواقف ثلاثة قدام، وخلف وحذاء، فقدام موقف المتبوع، وخلف موقف التبع، وحذاء وسط بين موقف المتبوع
[ ١ / ٢٧٢ ]
وموقف التبع، فإذا كان مؤتمًا وقف بجنب الإمام وهو موقف متمثل بين الجانبين فرجحنا موقف الخلف على موقف القدام في حقه بفعله المتابعة وهو فعل التتابع، ولم يكن في مسألتنا مثل هذا المرجح إذا وقف الرجل بجنب المرأة فاعتبرنا معنى آخر، وهو معنى الاحتياط للعبادة فإن الأصل ألا صلاة وإنما توجد الصلاة لموقف بترتيب ولم يوجد فبطل أصل الصلاة.
قالوا: وليس يلزم صلاة الجنازة، لأنا إنما ادعينا ثبوت هذا الترتيب في كل صلاة ورد للنساء فيها موقف بالشرع، وإنما ورد في الصلوات الخمسة.
فأما في صلاة الجنازة فلا، لأن النبي ﵇ قال لنسوة وقد رآهن في جنازة: «ارجعن مأزورات غير مأجورات»، فلم يأمرهن بالصلاة وأمرهن بالرجوع، دل أنه لا موقف لهن فيها.
واعتذر أبو زيد عن صلاة الجنازات بشبه الصلوات الخمسة من وجه، لأنها صلاة في الجملة، وبشبه سجود التلاوة من وجه، لأنها ركن واحد وهو القيام مثل سجود التلاوة وهو ركن واحد وهو السجود، والمرأة تصلح إمامًا في سجود التلاوة، مثل ما لو قرأت فسجدت سجد القوم السامعون معها، والثاني بمنزلة الإمام للسامعين، فلما أن صلاة الجنازة تشبه الصلوات الخمسة.
قلنا: إنها لا تصلح إمامًا فيها، ولما أنها تشبه سجود التلاوة.
قلنا: إذا وقفت المرأة بجنب الرجل لم تفسد عليه صلاته فهذا منتهى ما قالوا في هذه المسألة.
[ ١ / ٢٧٣ ]
الجواب:
إن كلامهم ينبني على أن تأخير المرأة عن مقام الرجل في الصلاة واجب على الرجال، وهذا لا نسلمه بل هو عندنا سنة.
لأن الرجال إنما قدموا على النساء لفضلهم، والنساء إنما أخرن لنقصانهن فليس في ترك هذا إلا ترك تأخير فاضل وتقديم ناقص أو تسوية بين فاضل وناقص في الموقف وهذا غاية ما فيه الكراهة ولا يتعدى إلى التحريم والحظرية بدليل قوله ﵇: «ليليني منكم ذوو الأحلام والنهى».
وإنما قدمهم لفضلهم وأحر غيرهم لنقصانهم ثم كان هذا أمرًا مستحبًا لا حتمًا واجبًا، كذلك هاهنا.
وأما تقدم المأموم فإنما لم يجز، لأنه لم يقف موقف المأموم المتبع.
وفي مسألتنا قد وقف كل واحد منهما موقف المأموم المتبع لإمامه فلا معنى لمنع الجواز.
وقولهم: «إن النساء تبع الرجال».
قلنا: هذا غير مستنكر، ولكن على معنى أنه لا يجوز إمامتهن
[ ١ / ٢٧٤ ]
للرجال والمشروع إمامة الرجال لهن وقد قمنا بهذا الواجب حيث قلنا إنه لا تجوز إمامتهن للرجال بحال.
فأما في مسألتنا فإن المرأة قامت مقام الإتباع، لأنها إن قامت بجنب واحد من المؤتمين فهذا لا يذهب تبعية المأموم للإمام وهو رجل، وإن قامت بجنب الإمام فهي متابعة للرجل بفعل الصلاة ولا تذهب تبعيتها أيضًا.
وأما كونهن إتباعًا للرجل الذين هم أتباع الإمام، والتبع لا تبع له إلا أنه كره لهن الوقوف مع الرجال على المساواة لفضل الرجال ونقصان النساء فهذا لا يوجب فساد الصلاة لو ترك، بدليل ما ذكرنا من ذوى الأحلام والسفهاء والنهي.
أما قولهم: «أنه لا يجوز إمامتهن».
قلنا: هذا لا يدل على أنها إذا وقفت بجنب الرجل فسدت صلاته بدليل أن/ إمامة المرأة في صلاة الجنازة لا تجوز.
ولو وقفت بجنب الرجل لا تفسد صلاته، ثم إنها لم تجز لأنها ناقصة الدين والصلاة ركن الدين، والجماعة لإحراز الثواب والفضيلة فلم يجز إحراز الثواب والفضيلة في الدين من ناقصة الدين، وبيان نقصان الدين بنص رسول الله - ﷺ -.
وإن ألزموا العبد والصبي فلا نقصان دينًا هنا ك، وهاهنا ثابت بالنص، ولابد من اعتقاد وجوده عقلنا معناه أو لم نعقل.
وأما عذرهم عن صلاة الجنازة ففي غاية الضعف، لأن النساء لهن من الحظ في صلاة الجنازة ما لهن ذلك في سائر الصلوات.
ألا ترى أنه يجوز لهن فعلها مع الرجال مثل ما يجوز في سائر الصلوات.
[ ١ / ٢٧٥ ]
والخبر محمول على أنهن كن حضرن لا للصلاة، وعلى أنه إذا لم يكن لهن نصيب في صلاة الجنازة، فيكون الفساد بالمحاذاة أولى منه إذا كان لهن نصيب.
وأما الذي قاله أبو زيد أنه يشبه كذا وكذا فهذا عذر عاجز ملتزم للمناقضة، لأنا نعلم قطعًا أنه لا إمامة ولا جماعة في سجود التلاوة. والله أعلم.
* * *
[ ١ / ٢٧٦ ]
(مسألة)