(مسألة)
مس الذكر بباطن الكف ينقض الوضوء عندنا.
وعندهم: لا ينقض.
لنا: حديث يحيي بن سعيد القطان عن هشام بن عروة عن أبيه عن
[ ١ / ١٠١ ]
بسرة بنت صفوان أن النبي ﵇ قال: «من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ».
وفي الباب عن أم حبيبة، وأبي أيوب، وأبي هريرة وأورى بنت أنيس، وعائشة، وجابر، وزيد بن خالد، وعبد الله
[ ١ / ١٠٢ ]
ابن عمر، ذكره أبو عيسى على هذا الوجه في جامعه ثم قال: هو حديث حسن صحيح، وحكى عن أبي زرعة أنه قال: حديث أم حبيبة في الباب صحيح وهو حديث العلاء بن الحارث عن مكحول عن عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة.
وروى الدارقطني من طريق أبي هريرة: «من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ وضوءه للصلاة».
وفي رواية عائشة: «ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضؤن».
[ ١ / ١٠٣ ]
وفي رواية: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه فلا يصلي حتى يتوضأ».
وهذا اللفظ يقتضي أن يكون المس بباطن الكف، وليس لهم كلام يبالي به على هذا الخبر.
والذين يقولون إن هذا خبر واحد ورد فيما يعم به البلوي فلا يقبل حتى يشتهر في السلف العمل به، وليس هذا بشيء، لأن الخبر إذا ثبت فإنه يجب العمل به سواء كان فيما يعم به البلوى أو لا يعم به البلوى وسواء اشتهر في السلف العمل به أو لم يشتهر، وهذا لأن الرسول - ﷺ - أدى هذا الشرع إلى الواحد. فالواحد من أصحابه فيؤديه إلى الناس فكل حكم أمكن التوصل إلى معرفته من جهة الراوي فقد وقع تمام بيانه من النبي ﵇، والحكم وإن كان مما يعم به البلوى، وقد رواه الواحد من أصحابه - ﷺ -، فالتوصل إلى معرفة ذلك من جهة ذلك الواحد ممكن فتم البيان من النبي ﵇ ولم يوصف بتقصير فاستوى في ذلك ما يعم به البلوى وما لا يعم.
لأنه وإن كانت البلوى تعم به ويحتاج إليه كافة الناس، ولكن إذا أمكن الوصول إلى معرفته حصلت الكفاية، والإبلاغ التام من غير تفريط، وأم ضم اشتهار عمل السلف به إليه فهو شيء ضمه أبو زيد إلى هذا الأصل وليس تحته معنى، لأن العمل بخبر الواحد واجب على كل من وصل إليه الخبر فلم يعتبر عمل السلف به، وكذلك به، وكذلك قال: يعتبر أن يكون
[ ١ / ١٠٤ ]
الراوي فقيهًا. وهذا أيضًا ليس بشيء، لأن الراوي إذا كان ثقة ونقل على ما سمع فسواء كان فقيهًا أو لم يكن فقيهًا فقد صحت الرواية والنقل وافترض العمل به.
يبينه أن لا يعتبر في الشهادة أن يكون الشاهد فقهيًا مع مبالغة الشرع في شأنها وزيادة الاحتياط في بابها، فكيف يعتبر في الرواية أن يكون الراوي فقيها. وقد حمل بعضهم الوضوء على غسل اليد، لأنهم كانوا يستنجون بالأحجار ويعرقون فتبتل موضع الاستنجاء، وذلك البلل نجس فإذا مسه بيده فتصيب يده موضع الاستنجاء فتنجس فأمر بالغسل لهذا المعنى.
وهذا المعنى أيضًا باطل، لأن الوضوء المعهود، والمعروف في الشرع هو وضوء الصلاة، فلا يحمل الوارد في الشرع على غيره إلا بدليل.
لأنا روينا في بعض الروايات: «حتى يتوضأ وضوءه للصلاة»، وهذا يسقط التأويل، ولأن عندهم لا يجب الغسل بمس الذكر، والذي ذكروه من العلة فلا يصح، لأن إيجاب غسل اليد بالشك والتوهم لا يجوز إلا بخبر يقتضي الإيجاب.
وأما حجتهم:
تعلقوا بحديث قيس/ بن طلق عن أبيه قال: قدمنا على النبي
[ ١ / ١٠٥ ]
﵇ فجاء رجل كأنه بودي فقال: يا رسول الله، ما ترى ف مس الرجل ذكره بعد ما توضأ؟ قال: «وهل هو إلا مضغة منه- أو بضعة منه» ذكره أبو داود في سننه على هذا الوجه.
قالوا: وهذا الخبر أولى، لأنه ذكر الحكم بعلته، وما رويتم حكم بلا علة.
قالوا: والقياس معنا، لأنه عضو منه كسائر أعضائه، ولأن مسه لفخذه لا ينقض الوضوء، وهو عورة فبغير العورة أولى، ولأنه لو مس الفرج بالفرج لم ينتقض وهو أفحش فباليد أحرى أن لا ينتقض. وكذلك لو مس ذكر غيره لم ينتقض عندكم وهو الممسوس وهو أولى من نقض وضوء الماس لأن اللذة وهيجان الشهوة إنما يحصل للممسوس ذكره لا للماس
الجواب:
إن أئمة الحديث قد قالوا: إن أصح شيء في الباب حديث بسرة بنت
[ ١ / ١٠٦ ]
صفوان، قالوا: ذكره الساجي، والبخاري، وابن خزيمة وحكى ذلك عن أبي حاتم، وأبي زرعة، والأخذ بالأصح أولى، والأولى أن يقال إن خبرنا متأخر وخبرهم متقدم، لأن طلق بن علي قدم على النبي ﵇ وهو إذ ذاك يبني مسجد المدينة في أول زمن الهجرة.
وأما خبرنا فقد رواه أبو هريرة وهو متأخر الإسلام وأسلم سنة سبع من الهجرة.
وإنما يؤخذ بآخر الأمرين من النبي ﵇، وأول الأصحاب خبر طلق فقالوا: أراد به المس ودونه حائل.
واستدلوا على ذلك برواية الثوري، وشعبة، وابن عيينة
[ ١ / ١٠٧ ]
أنه سأل عن مسه في الصلاة، والمصلي لا يمس فرجه من غير حائل بينه وبينه وهذا التأويل ضعيف بالتعليل الذي أشار غليه النبي ﵇، فالأولى ما سبق.
وأما القياس الذي قالوه فلا يقبل مع النص الوارد في الباب، وعلى أنا نقول إن مس الفرج بآلة المس سبب لخروج المذي فينقض الوضوء احتياطًا كما ينتقض الوضوء بالتقاء الختانين، وقد ذكرنا سؤالهم هذا، والجواب عنه في المسألة المتقدمة.
وأما إذا مس بالفخذ فلم يقع المس بآلة المس، وكذلك في مس الذكر بالذكر، والمعتمد السنة.
* * *
[ ١ / ١٠٨ ]