(مسألة)
من عليه فريضة الحج إذا نوى التطوع يقع عن الفرض عندنا.
وعندهم: لا يقع.
وعلى هذا لا يجوز للصرورة أن يحج عن غيره.
وعندهم: يجوز.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
لنا:
ما رواه الحسين بن ذكوان قال: حدثنا عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس ﵁ قال: «سمع رسول الله - ﷺ - رجلًا يقول: يلبي عن شبرمة فقال له رسول الله: هل حججت أنت قط؟ قال: لا، قال: لا، قال هذه عنك وحج عن شبرمة».
وروى أبو بكر بن عياش عن عطاء عن ابن عباس قال: «سمع رسول الله - ﷺ - رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: عن نفسك فلب».
[ ٢ / ٢٥٠ ]
وفي رواية ثالثة: «أيها الملبي عن فلان إن كنت لم تحج حجة الإسلام فلب عن نفسك» والخبر نص.
قالوا: روى خالد بن صبيح عن الحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس أن النبي ﵇ سمع رجلًا يلبي عن نبيشة، فقال: (أيها الملبي عن نبيشة هل حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: هذه عن نبيشة وحج عن نفسك».
الجواب:
(إنه تفرد بهذه الرواية الحسن بن عمارة وهو متروك الحديث والمحفوظ عن ابن عباس حديث شبرمة) الذي ذكرناه.
وقد روى الحسن بن عمارة مثل ما رواه غيره، ذكره الدارقطني في السنن، وقال: «وهذا هو الصحيح عن ابن عباس وما قبله وهم، قال: والحسن بن عمارة كان يرويه على ما رووا ثم رجع إلى الصواب فحدثه على موافقة غيره من الرواة وهو متروك الرواية على كل حال).
[ ٢ / ٢٥١ ]
والمعنى: أن وقوع الحج المنوي عن فريضة نوع نظر من الشرع للعبد، وقد ورد مثل هذا النظر في الحج بدليل أنه لو أطلق النية، فإنه يقع عن الفرض ونية المطلقة ونية النفل واحد لأنه ليس للنفل وصف زائد على مطلق العبادة.
وقولهم: «إنها نفل» معناه ليس بفرض، ولهذا المعنى في جميع العبادات إذا أطلق النية تقع عن النفل، ولكن إذا أطلق نية الحج يقع عن الفرض نظرًا من قبل الشرع، كذلك إذا طاف النفل وعليه فريضة الطواف يقع عن الفرض أيضًا، وإنما كان هذا التخصيص من النظر للعبد في أمر الحج، لأنه عبادة شاقة ويحتاج في أدائها إلى كلف شديدة وقطع شقة بعيدة، وتحمل مؤنات كثيرة على ما ورد به نص الكتاب فقال تعالى: ﴿لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ﴾، ولا يجوز أن يقال: إن هذا في حق بعض الناس دون البعض، لأن هذا موجود في حق أكثر الناس وإنما يوجد العدد اليسير حضورًا لحضرة الكعبة.
فأما عامة الناس فإنهم يدانونه من البعد ويضربون أكباد الإبل ويقطعون المفاوز البعيدة والبراري الشاسعة حتى يصلون إلى الحج فاحتاج لهذا المعنى من عليه الحج إلى نوع نظر من قبل الشارع فكان من النظر أن منع من عليه فريضة الحج أن يقصد النفل منه وعين عليه الفرض ثم اكتفى منه بنية أصل الحج وألغى كل وصف يضمه إليه مما لا يلائم صفة الواجب عليه من وصف نفل أو نية عن الغير أو نية نذر وما أشبه ذلك فصار الحج في هذه الصورة مثل الإسلام المفروض ولو أسلم بنية النفل أو أسلم عن الغير فإنه يكون إسلامه عن الفرض الذي عليه بكل حال، كذلك ههنا.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
وأما حجتهم:
قالوا: عبادة مقدرة بأفعالها فلا يقع بفعلها عن فرضها.
دليله: الصلاة.
والدليل على أنها مقدرة بالأفعال أنه إذا سئل عن الحج فإنه يعلم بالأفعال فيقال: إحرام ووقوف وطواف وسعى ورمى وحلق، مثل الصلاة تعرف بالأفعال فيقال: افتتاح وقيام وقراءة وركوع وسجود وقعود، وهذا لأن العبادة لما كانت أفعالًا فوجوبها في الذمة وكان الوقت خاليًا عنها إلى أن يأتي بها ثم إذا أتى بها لا يكون الوقت لتقدير العبادة حتى إذا قدر بنوع من العبادة لا يقبل غيره بل كان محلًا وشرطًا للعبادة مثل الوضوء شرط للصلاة فإن فعل الفرض فيه صح وإن فعل النفل فيه صح، ومثل الوضوء إن صلى الفرض به يصح وإن صلى النفل به يصح وهو مثل وقت الصلاة.
قالوا: وأما الصوم فإنه عبادة مقدرة بالوقت فإذا قدرت عبادته لم يبق غيرها مقدرة به وصار ذلك الوقت مسمى بهذه العبادة على التخصيص فلم يتصور أن يكون لغيرها مثل ما يوضع شيء في مكان وشغل به لا يتصور أن يكون غيره مشغولًا به، وكذلك من استأجر رجلًا ليعمل له عملًا في وقت معلوم فعلى أي وجه عمل ذلك العمل يكون عن ذلك العمل المسمى فيه بالعقد.
قالوا: وأما إذا أطلق النية إنما وقع عن الفرض، لأنه وجدت نية الفرض بدلالة الحال وإن لم توجد بالصريح والنص، ودلالة الحال هي أن الإنسان لا يتكلف أداء مثل هذه العبادة عن جهة النفل وعليه الفرض
[ ٢ / ٢٥٣ ]
فهو وإن أطلق النية ولم يرده صريحًا فكأنه أراده دلالة، ومثل هذه الدلالة لا توجد في الصلاة غير أن هذه الدلالة إنما يصار إليها إذا لم يوجد التصريح بالنفل، فأما إذا صرح بالنفل سقط حكم الدلالة مثل نقد البلد فإنه يتعين في البياعات بدلالة الحال ثم إذا وجد التصريح بغيره سقط دليل الحال.
قالوا: وأما إذا طاف عن النفل وعليه طواف الفرض فذلك فعل مستحق عليه بأصل الإحرام فتغيره بالنية باطل، مثل ما لو نوى بسجود الصلاة سجود النفل فإنه تبطل نيته ويقع عن الفرض.
الجواب:
أن أصل كلامهم، مسلم، ولكن يدخل عليه الصوم، وليس لهم عذر واضح.
وقولهم: «إنه مقدر بالزمان».
قلنا: وإن كان كذلك لكن الواجب عليه فعل يفعله وهو الكف عن قضاء الشهوات على ما عرف، وليس بشيء محسوس فوضع في مكان حتى لا يتصور أن يكون ذلك المكان مشغولًا بغيره، وكما أن الوجوب في أفعال الحج والصلاة يلاقي الذمة، كذلك الوجوب في فعل الصوم يلاقي الذمة، وكما أن الوقت في الصلاة والحج يكون خاليًا إلى أن يأتي بالأفعال كذلك في الصوم يكون الوقت خاليًا إلى أن يأتي بالفعل الذي هو الصوم، وكما يقبل وقت الحج والصلاة الخلو عن فعل العبادة أصلًا كذلك وقت الصوم يقبل الخلو عن الصوم أصلًا فيبقى على هذا أنه إذا أتى بالفعل لا يكون آتيًا بالفرض ويصير كأنه لم يأت بالصوم أصلًا، وعلى الجملة لا يتضح لهم عذر عن الصوم بحال.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
وأما عذرهم عما إذا أطلق النية، فليس بشيء، فإنه لو أبهم النية في الإحرام ولم ينو حجًا ولا عمرة فإنه لا يقع عن الحج عندهم، وإن كانوا يقولون إن العمرة تطوع والحج فرض، ودلالة إن كانت توجد إذا أطلق النية في الحج فيوجد إذا أبهم بأن أحرم ولم ينو حجًا ولا عمرةً فاجعلوا إحرامه عن الحج في هذه الصورة كما جعلتم حجه عن الفرض في تلك الصورة لأجل دلالة الحال.
فأما ما قالوه من دلالة الحال موجود في الموضعين، وهذا لا يلزم على أصلنا لأن عندنا العمرة فرض كالحج سواء، وإن كان قد أدى العمرة فإن إحرامه كيف فعله يقع عن فإن الاعتبار/ دليل الحال ساقط من وجه آخر، وذلك أن الإنسان لا يتكلف لفعل هذه العبادة الشاقة ويحمل المؤنات الكثيرة ثم يدع نية الفرض فدلالة الحال موجود في ترك الفرض لا في فعل الفرض، فاجعلوا مطلق النية بمنزلة نية النفل بدليل الحال فإن هذا أقرب إلى الصواب.
وأما مسألة نقد البلد، فليس يدخل على هذا، لأن الكلام فيما يحتاج إلى النية من العبادات.
فأما أمر المعاملات فعلى خلاف أمر العبادات ولا حاجة فيها إلى النية أصلًا، والعرف حكم في المعاملات في كثير من المواضع فجعل أيضًا حكمًا في هذا الموضع.
وأما مسألة الطواف فلازمة.
وقولهم: «إنه مستحق عليه فعله بعقد الإحرام».
[ ٢ / ٢٥٥ ]
قلنا: نعم، ولكن الوقت واسع فقولوا: إذا طاف بنية النفل يقع عن النفل ثم إذا طاف بعد ذلك عن الفرض يكون عما عليه من الفرض مثل من عليه فرض الصلاة إذا فعل فعلًا، ومع ذلك لم يجز ووقع عن الفرض، دل أنه كان للمعنى الذي بيناه من النظر الشرعي بالفائت في أمر الحج على الخصوص.
وأما قولهم: «لو سجد بنية النفل وعليه سجود الفرض يقع عن الفرض».
قلنا: هذا عندكم، أما عندنا تبطل صلاته. والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ٢٥٦ ]