(مسألة)
نصيب العامل من الربح الحاصل في مال القراض لا تجب فيه الزكاة عندنا.
وعندهم: تجب وهو أحد قولي الشافعي ﵁.
والمسألة بناء على أن العامل هل يملك نصيبه بنفس ظهور الربح؟
عندنا: لا يملك ما لم يقسم، وعندهم يملك.
لنا:
إن المسمى للعامل عمالة فلا يملك قبل القبض، دليله: المسمى لعامل الصدقات، والأولى أن نقول: جعل على العمل فلا يملكه قبل تمام العمل.
دليله: الجعل في الجعالات، والدليل على أنه جعل أن تصحيح العقد بوجه الإجازة لا يجوز، لأن العمل مجهول، والإجارة على العمل المجهول باطل، ولا يمكن تصحيحه بجهة الشركة، لأن اختلاف الجنس من الجانبين يمنع صحة الشركة.
وقد اختلف الجنس من الجانبين في القراض، لأن في أحد الجانبين مال وفي الجانب الآخر عمل، ولا مجانسة بين المال والعمل، وإذا بطل هذان
[ ٢ / ١٢٢ ]
الوجهان لم يبق للصحة وجه إلا جهة الجعالات، وحكم الجعالة أن لا يملك الجعل فيها إلا بتمام العمل، وتمام العمل بالقسمة وإيصال حق رب المال على الكمال إليه.
ويستدل بمسألة على أصولهم قالوا: لو اشترى برأس المال عبدين وقيمة كل واحد بقدر رأس المال، فإن العامل لا يملك شيئًا من العبدين حتى لا تجب فيه الزكاة، ولا يعتق نصيبه إذا أعتق، فكذلك إذا كان العبد واحدًا، لأن الصورتين في المعنى واحد.
وأما حجتهم:
قالوا: العامل أحد الشريكين في الربح فيملك نصيبه بنفس الظهور.
دليله: رب المال (والدليل على أنهما شريكان، أنهما يملكان شرط واحد وهو قوله: «على أن ما رزق الله تعالى فهو بينا نصفان».
ولأن الربع تفرع عن أصل مشترك بينهما، فيكون مشتركًا بينهما كالحاصل بين شريكي العنان وكالشريكين في الشجرة إذا أثمرت تكون الثمرة مشتركة بينهما، وإنما قلنا: «إنه تفرع عن أصل مشترك بينهما»، لأن عقد المضاربة صحيح بالإجماع، وإنما صح على جهة ثبوت الشركة بين رأس المال والعمل، وتولد الربح منها جميعًا فإن رأس المال دراهم ولا يتولد منها ربح بدون التصرف، والتصرف نفسه كلام ولا يتولد منه ربح بدون مال، فإذا اجتمعا حصل الربح مثل المزارعة والمساقاة فإن الأرض بدون الزرع لا تنبت، والزرع بدون الأرض لا عمل له، فإذا اجتمعا
[ ٢ / ١٢٣ ]
انعقدت الشركة بين منافع الأرض والعمل ثم يخرج الزرع على سبيل الشركة).
قالوا: وأما العمالة والجعالة فباطلتان إذا كانتا بصنع من العباد (والعمالة عبارة عن كفاية ليفرغ لعمله، ومثل هذا لم نجده مشروعًا مفوضًا إلينا حتى نوجبها قصدًا فيما نحتاج إليه من الأعمال بل هذا مما تولى الله إيجابها لعمل العامة، كما أوجب الكفاية للإمام الأكبر، والقاضي، والمفتي، وكل من فرغ نفسه لأمر من أمور الدين فقدر له كفاية من بيت مال المسلمين، فكانت معاملة بين الله تعالى وبين عبده، وما يصح من الله تعالى على عباده لا يشبه ما فوض إليها مما يوجبه بعضنا على بعض، فكان اعتبار القراض بما نوجبه نحن من إجارة أو شركة أولى) من اعتبارها بما يوجبه الله تعالى مما يتولاه بنفسه.
قالوا: (وأما مسألة العبدين فإنما لم يملك العامل شيئًا منهما، لأن ملكه إنما يكون من الربح، ولا ربح في هذه الصورة فإن كل واحد من العبدين مشغول برأس المال وإنما كان كذلك، لأنه قد ثبت عندي أن العبيد لا تقسم جملة ويعتبر كل عبد كأنه ليس معه غيره، وإذا كان أمر العبد هكذا في القسمة، والفضل لا يحصل فضلًا إلا بعد إحراز رأس المال وتحصيله، والمقاسمة بينه وبين الربح، لكن على سبيل الترتيب، ومعنى الترتيب أنه يحصل رأس المال أولًا ثم الربح، وكل عبد وجب
[ ٢ / ١٢٤ ]
اعتباره في هذا الحكم كأنه ليس معه غيره فلم يفضل شيء من العبد عن رأس المال، وهذا بخلاف العبد الواحد، لأنه قد فضل.
وحرفهم في هذا أن رأس المال لا يعتبر/ شائعًا في العبدين بل في كل عبد على حدة، وإذا جعل هكذا لم يحصل فضل رأس المال).
الجواب:
إن كلامه مبني على أن القراض شركة، وقد بينا أن الشركة مع اختلاف الجنس في رأس المال لا تنعقد، وقد بينا هذا في كتاب «الشركة».
وقلنا: إن الشركة لا تكون شركة إلا بالاختلاط، ولا يتصور الاختلاط بين المال والعمل. ونقول أيضًا: إن المال نماء المال بكل حال، ولا يتصور أن يكون العمل نماء، لما بينا أن نماء كل شيء ما يكون من جنسه فلا يتصور أن يكون المال نماء العمل، وإنما العمل شرط ظهور الربح، فأما أن يكون الربح متولدًا من المال والعمل فكلام مستحيل، ولا يمكن تصحيحه بوجه ما، وإذا ثبت هذا لم يكن القراض عقد شركة إنما هو تسمية جعل للعامل فيستحق ما يستحقه عمالة أو جعالة.
وأما قولهم: «إن الجعالة باطلة فيما بين العباد».
قلنا: هي صحيحة بدليل أنه لو قال: «من رد آبقى فله كذا» يصح، وإذا رد استحق ولأنهم إذا سلموا أنه صح شرعًا فإذا عقد العقد على وفاق الشرع انعقد، ولأن مثل هذا العقد يحتاج إليه العباد وذلك بأن يكون العمل مجهولًا لا يمكن إعلامه، وإذا احتاج إليه العباد فلو لم يصح ذلك منهم أدى ذلك إلى الحرج العظيم فإذا صح سائر العقود لحاجة العباد، فكذلك هذا العقد يصح ويجوز لحاجة العباد أيضًا.
[ ٢ / ١٢٥ ]
وأما مسألة العبدين ففي نهاية اللزوم، فإن الربح قد ظهر قطعًا، بدليل أن العامل له المطالبة بالقسمة، وهو بالبيع حتى لو أراد المالك أن يأخذ العبدين ويفوز بهما ولا يعطي العامل شيئًا ليس له ذلك، بل يجبر على التمكين من البيع وقسمة الربح، وكذلك إذا استهلك العبدين أو أعقتهما فإنه يضمن نصيب العامل.
ويدل عليه: أنه لو مات العامل يورث نصيبه من العبدين، وأيضًا فإنه لا تجب زكاة العبدين على رب المال، فدلت هذه المسائل أن العبدين كالعبد الواحد، وأنه قد ظهر الربح فيهما، ومع ذلك لم يملكه العامل ولم تجب عليه زكاته دل أن المعنى ما بينا وبطل بهذه المسائل قوله: «إنه يجعل كل واحد من العبدين كأنه ليس معه غيره»، ثم هذه دعوى بلا دليل ودفع للحقيقة بلا برهان، وبمثل هذا لا تندفع الإلزامات، والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ١٢٦ ]