(مسألة)
نية الفرض واجبة في صوم رمضان عندنا.
وعندهم: لا تجب، بل إذا أطلق النية أو نوى النفل.
قالوا: يقع على الفرض، قالوا: وكذلك في كل صوم زمان معين.
وقد وافقهم بعض أصحابنا فيما إذا أطلق النية، وليس بمذهب ولا هو صحيح على المعنى.
لنا:
قوله ﵇: «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى».
[ ٢ / ١٤٠ ]
أي له ما نوى بعمله، وهذا الإنسان نوى بعمل النفل فلا يحصل له الفرض.
وأما الكلام من حيث المعنى: أن النية شرط في أداء المفروض بالإجماع، ولأن المفروض عمل يعمله لله تعالى ولا يصير العمل لله تعالى إلا بالنية، فعرفنا أن النية شرط في أداء الفروض، وإذا ثبت هذا فنقول:
إذا لم ينو المفروض عليه لم يحصل المفروض عليه، لأن فقد الشرط يوجب فقد المشروط له الشرط، وهذا كأصل الصوم في غير رمضان فإنه إذا لم ينوه لا يحصل له/ الصوم، لأن النية شرط لحصلوه فإذا لم توجد لم يحصل الصوم، كذلك ههنا.
فإن قالوا: «نية أصل الصوم شرط لكن نية المفروض عليه من الصوم ليس بشرط وفي هذا اختلفنا».
قلنا: هو مأمور بأداء ما عليه ولا يصير ما عليه مؤدى إلا بنية ما عليه، لأن النية شرط للأداء بالاتفاق، وبالمعنى الذي قلناه فلابد أن يتصل الشرط بما عليه حتى يحصل أداء ما عليه، ولا يتصل إلا بأن يعين ما عليه بالنية أداء وفعلًا فم يعينه بالنية فقد الشرط ففقد المشروط.
ولأنه لما كان مأمورًا بفعل ما عليه، ولا يصير فاعلًا للصوم إلا بالنية فعند عدم النية ما عليه ينعدم فعل ما عليه، وإذا لم يفعل بقي الأمر عليه.
[ ٢ / ١٤١ ]
يدل عليه: أن الصوم له أوصاف، والشروع في هذا اليوم موصوف بوصف وهي وصف الفرضية فلا يصير مصيبًا هذا الوصف من بين سائر الأوصاف إلا بنيته على التعيين، كقوم في دار مختلفي الأوصاف من عالم وجاهل، وعربي، وأعجمي، وقريب وأجنبي، فنادى أحدهم لا يصير مصيبًا له إلا بتعيينه بوصفه، كذلك ههنا.
وكما تقول في المسلم فيه من ثوب أو طعام، فإنه لما كان ذا أوصاف مختلفة لا يصير معينًا لبعضها إلا بتعيينه إياه بالوصف، وهو مثل مسألتنا، لأنه يوجد بوصفه مثل الصوم يوجد بنيته ثم لا يحكم بوجود المسلم فيه ما لم يعنيه بوصفه فلا يحكم بوجود الصوم المفروض عليه ما لم يعينه بنيته فهذه كلمات في نهاية القوة.
وقال جماعة من أصحابنا:
إنه بنية النفل معرض عن الفرض فلا يحصل له الفرض مع الإعراض عنه، كما لو ترك النية أصلًا.
وما ذكرناه أحكم، وأحسن.
وأما حجتهم:
تعلقوا بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وهذا الرجل قد صام فيكون قد صام المشروع، لأنه لم يشرع له إلا الصوم المطلق لقوله: «فَلْيَصُمْهُ».
وأما المعنى فقد قال مشايخهم:
[ ٢ / ١٤٢ ]
إن المستحق عليه صوم واحد في هذا اليوم فعلى أي وجه أتى بالصوم وجب أن يقع عن المستحق.
دليله: إذا كان عنده غصبًا أو وديعة فإنه على أي وجه رد يكون عن المستحق عليه، كذ لك ههنا.
وربما يقولون: الصوم عن رمضان هو المستحق فليقع عن المستحق عليه.
يبينه: أن النية للتمييز بين المفعول وغيره على صورته، فأصل النية اعتبر لتتميز العبادة عن العادة، فإن الإمساك قد يكون عادة، وقد يكون عبادة فاحتاج إلى النية لتمييز العبادة عن العادة.
فأما الصوم عن الفرض متميز شرعًا، لأنه لا يوجد في هذ الوقت غير هذا الصوم فاستغنى عن تمييزه عن غيره، لأن تمييز المتميز لغو.
وإنا احتاج إلى أصل النية لما بينا، وليصير عمله لله تعالى على ما قلتم.
وقد صام وما عليه متميز عن غيره فاستغنى عن التعيين والتمييز. وتعلقوا بالحج وهو فصل مشكل، وقالوا: مطلق النية في العبادة إذا لم يقع عن النفل يقع عن الفرض.
دليله: الحج، وألزموا فصل الحج على جميع المعاني الذي قلناه.
والإشكال أنه قد وقع عن الفرض بدون نية الفرض، دل أن نية الفرض غير واجبة في كل عبادة اختص بزيادة استحقاق وقتًا
قالوا: وقولكم: «الحج يستوي فرضه ونفله في الأحكام بخلاف الصوم، أو يمضي في فاسده بخلاف الصوم، أو يجوز بإحرام مبهم بخلاف الصوم».
[ ٢ / ١٤٣ ]
فليست هذه الكلمات بشيء، ومفارقة الصوم الحج في هذه الأشياء لا يدل على مفارقته في استغنائه عن تعيين النية واحتياج الصوم إلى تعيين النية.
لأن الفرض والنفل إن استويا في الأحكام إلا أنهما غيران، لأن أحدهما فرض، والآخر نفل ولا يجوز أن يتأديا جميعًا بنية واحدة، فإذا استويا ولم يتأديا جميعًا فلابد أن يعين أحدهما ليصير مؤدى فوجب أن يقدم الذي عينه بالنية.
وأما المضي في فاسد الحج، فهو نوع تغليظ ورد في المنع من الخروج منه إلا بالطريق المشروع للخروج منه إلا أنه لا يصير داخلًا فيه إلا بفعله فينبغي أن يصير داخلًا فيما يفعله ويقصده بفعله وهو ما ينويه ويعينه بنيته وقد نوى التطوع.
وعندكم صار داخلًا في الوقت بنوع دليل، فكذلك في الصوم عندنا.
قالوا: وأما عندنا إذا نوى التطوع في الحج لا يصير داخلًا في الفرض لأن الوقت لم يتعين له على الخصوص بخلاف وقت الصوم عندنا، وأما إذا أطلق النية فلم يعين بنيته الفرض ولا النفل، وإنما يحتاج إلى صرفه إلى أحدهما، وقد مال دليل الحال على صرفه إلى الفرض، لأن الحج يحتاج فيه إلى كلفة شديدة ومشقة عظيمة، والإنسان لا يتحمل مثل هذه الكلفة والمشقة للنفل وعليه الفرض، بل يقصد الفرض، ثم إذا اتفق له بعد ذلك التطوع يفعله فلأجل دليل الحال صرفنا نيته إلى الفرض، ودليل الحال دليل مرجوع إليه في كثير من الشرائع، فأما إذا عين نية النفل فقد/ سقط دليل الحال، لأنه قابله صريح نية التطوع ولا نفاد لدليل الحال مع التصريح بغيره.
[ ٢ / ١٤٤ ]
وأما جواز إعدام الإحرام فليس فيه دليل، والإبهام متصور في الإحرام، لأنه ينقسم إلى حج وعمرة، ولا يتصور في الصوم.
وقد ذكر أبو زيد طريقة أخرى قال:
الوقت متعين لصوم الفرض، فنقول: متعين في هذا الوقت شرعًا فيصيبه باسم جنسه، كما يصيبه باسم بعينه، وهذا كشخص متعين عينًا في موضع معلوم، فإنه يصيبه باسم عينه ويصيبه باسم جنسه فالأول أن تقول: يا زيد أو يا عمرو- إذا كان اسمه ذلك- والثاني أن تقول: يا رجل.
كذلك ههنا اسم الجنس هو الصوم المطلق، اسم العين هو الصوم الفرض، والفرض عين في هذا الوقت فيصيبه بالاسمين.
وحقق هذا وقال: «الصوم واحد في الأحوال كلها، لكنها تارة تكون فرضًا، وتارة تكون نفلًا، وإذا كان واحدًا يكون مؤديًا له أطلق النية أو عينه، كالشخص لما كان واحدًا، يكون داعيًا له أطلق النداء أو عينه».
والحرف لهم، أنهم يقولون:
لا مزاحم لهذا الصوم الواجب في هذا اليوم فيتعين وإن لم يعنيه.
وريما يقولون: إذا قبل الوقت أوجهًا من الصيام مثل خارج رمضان إنما لم يتعين الواحد منها لأجل التعارض، ولا تعارض في مسألتنا، لأنه لا يقبل إلا صومًا واحدًا.
وخرجوا على هذا وقت الصلاة، لأنه وإن ضاق يقبل الفرض وغيره.
قالوا: وقولكم «: إنه عليه نية الفرض».
[ ٢ / ١٤٥ ]
كلام مبتدأ، لأن الذي عليه هو الصوم وحده إلا أنه لازم عليه أن يفعله وقد فعله، ويستحيل أن يقال: إن الصوم مستحق عليه بوصف زائد على كونه صومًا، لأنا إذا قلنا: مستحق عليه فلا معنى لقول من يقول: «إنه بوصف زائد»، وهو راجع إلى قولهم: «إن الصوم واحد» وقد سبق.
وأما إذا عين النفل بالنية فتلغو نية النفل، وكذلك إذا نوى القضاء أو النذر أو الكفارة، وإنما لغى بعدم قبول الوقت هذه الصيامات، وإذا لغى بقى مطلق النية فكان الأمر على ما قلنا.
ولا يجوز أن يقال: إذا لغت نية النفل تلغو نية أصل الصوم، لأن هذه الأشياء وصف زائد، وبطلان الوصف لا يوجب بطلان الأصل، ولهذا إذا نوى القضاء خارج رمضان ثم يتبين أنه ليس عليه أو نوى الكفارة بعد انفجار الصبح تغلو نية القضاء، ولا تلغو أصل النية حتى يصير صائمًا عن النفل.
قالوا: وبهذا يعترض على قولكم: «إنه إعراض عن نية الفرض» لأنه لو كان معرضًا عن الفرض لصار معرضًا بنية النفل وقد لغت نية النفل فلغى الإعراض أيضًا مثل الحج على أصلكم، والطواف نفلًا إذا كان عليه فرض.
يدل عليه: أن الإعراض في ضمن نية النفل، فإذا بلطت نية النفل بطل ما في ضمنها.
الجواب:
أما الآية فهي دليل عليكم، لأنه قال: «فليصمه» ومعناه: فليصم الشهر، وإنما يكون صائمًا الشهر إذا صام صيام الشهر، ألا ترى أنهم
[ ٢ / ١٤٦ ]
صرفوه إليه وجعلوا صومه عن صيام الشهر ولم يثبتوا له صومًا مطلقًا في الشهر وإن صححوا نيته.
وأما المعنى:
قولهم: «إن المستحق عليه صوم واحد».
قلنا: بلى، ولكنه لم يأت بذلك المستحق عليه، ولا يتأدى المستحق عليه إلا بفعله، وشرط فعله نيته وقصده، وإذا لم يأت بالشرط فات المشروط.
وأما رد المغصوب والودائع، فهناك لا تستحق عليه نية، إنما المستحق عليه هو نفس الرد.
أما ههنا فإن النية مستحق عليه، والمراد بالنية: «نية ما عليه» فإذا لم يأت بها بقى فعل لا نية.
أما قولهم: «إن النية للتمييز».
فهذيان عظيم، ومن تكلم بهذا قلم يعرف النية، وإنما شرطت النية ليصير عمله لله تعالى وهو بنية أداء ما عليه، فإذا نوى أداء ما عليه لله تعالى صار عمله لله تعالى، في التطوع ينوي أن يصلي لله أو يقوم لله، ويدخل على التمييز، الذي قالوه أصل النية، فإن الإمساك متميز شرعًا متعين لوجه العبادة قطعًا، بدليل أنه حرام عليه غيره فوجب أن يقال: إنه على أي وجه أمسكه يكون عن التمييز المتعين، ولكن اعتبر على أصل النية ليصير أصل صومه لله تعالى فتعتبر نية ما عليه ليصير العزم بوصف الفرضية لله تعالى، وهذا حرف معتمد غاية الاعتماد.
[ ٢ / ١٤٧ ]
وأما فصل الحج فوجه الجواب عنه:
إن وقوعه عن الفرض على النص، وهذا الحديث المعروف الذي روى أن النبي ﵇ سمع رجلًا يلبي عن شبرمة فقال: «هل حججت عن نفسك؟ فقال: لا، قال: هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة».
ونحن ادعينا حقيقة عظيمة في المسألة، وهو أنه لا يصير الإنسان فاعلًا لشيء بفعل غيره، وذلك كأن ينوي النفل أو يطلق النية، فكيف يكون هو ونية النفل واحدًا؟ هو النفل ليس له وصف سوى أنه صوم، وسمة النفل للتمييز بينه وبين الفرض فليس له وصف زائد على الصومية فتصير النية/ المطلقة ونية النفل واحدًا، وإذا فعل النفل وقصده بنيته لا يصير فاعلًا غيره من الفرض فهذه حقيقة تشهد بها المعقولات والمنقولات، وقد صرفنا عن هذه الحقيقة للشرع في الحج فانصرفنا إليه تقديمًا للوحي على المعقول والشرع على الرأي.
[ ٢ / ١٤٨ ]
وأما في الصوم رجعنا إلى أصل ما نعقله.
ودل عليه: سائر الأصول الموصلة والقواعد المقننة، وهم عدلوا في الحج عن قانون أصولهم حتى جوزوه بمطلق النية مع سعة الوقت للفرض وغيره، وكونه في هذا المعنى كوقت الصلاة سواء، ثم تفريقهم بينه وبين الصلاة في هذه المواضع وهو إذا أطلق النية فليقبلوا منا مثل ذلك وليرضوا به.
وإن ألحوا في طلب المعنى فيجوز أن يقال: إنه كان بنوع نظر من الشرع لهذا العبد الذي ترك النظر لنفسه ولم يعين الفرض بنيته، وكان اختصاص الحج بالنظر فيه من الشارع لعظمه في نفسه واحتياجه إلى تحمل المؤنات والمشقات العظيمة، وأنه قل ما يتفق في العمر إلا مرة واحدة فلو لم يصرف نيته إلى الفرض نظرًا من الله تعالى فربما لم يصل إلى فعله من بعد فضاع أصلًا، وهذا لا يوجد في غيره من العبادات.
وأما طريقة أبي زيد فقد وضعها في مطلق النية، وقد بينا أن النية المطلقة ونية النفل واحدًا لا تختلف، فصار إذا أطلق النية كأنه نوى النفل، ثم يقال لهم ما اعتمدوه، وهو أن هذا الصوم متعين في هذا الوقت، وهذا مسلم، ولكن لابد من أدائه وآداؤه بالنية، فإذا لم ينوه فلم يؤده.
وقولهم: «إنه يصير مصيبًا إياه باسم الجنس كما يصيبه باسم العين مثل ما استشهدوا به من الشخص القاعد في الدار».
قلنا: ليس في الوقت شيء موجود حتى يصيبه باسم الجنس كما يصيبه باسم العين مثل ما قلتم في الشخص القاعد في الدار، وإنما الصوم في العدم وقد أمر بإيجاده فإنما يوجد بما يوجده، وهو ما قصد إلا إيجاد النفل فلا يوجد الفرض بنيته أنه قصد هذا الصوم من حيث أنه صوم فحسب، لا من حيث أنه فرض فلا يصيب الفرض واعتبر قصده.
[ ٢ / ١٤٩ ]
ألا ترى أن من رمى سهمًا على ظن أنه حربي يكون خطًا، لأنه لم يقصد من حيث أنه مسلم، فلم يجز أنه يعطي له حكم التعمد للمسلم.
فإن قالوا: «أليس لو سمى الدراهم المطلقة في البياعات ينصرف إلى نقد البلد، وإن كان هو الذي يوجده ويوجبه مثل مسألتنا، ولكن لما كان نقد البلد يعين عرفًا انصرف إليه، كذلك ههنا الصوم عن هذه الجهة وقد تعين شرعًا فيصرف الإطلاق إليه».
قلنا: المعاملات العرفية يجوز أن يحكم فيها العرف، فأما في مسألتنا فهذه عبادات شرعية فيصار فيها إلى شرائط الشرع، نعم، لو قدرنا جواز صوم لا بنية كأن يجوز أن يقال: إذا أطلق ينصرف على المعتاد المتعارف، بدليل العرف، فأما إذا لم يجز إلا بنية، فلابد أن ينظر إلى نيته فإذا لو ينو المفروض عليه لم يجز أن يحصل المفروض عليه، ويجوز أن يقال: إن تلك المسألة خرجت عن هذا الأصل بدليل وعلى أنها دليل عليهم إذا عين نقدًا آخر يتعين، فقولوا ههنا: النفل يتعين ولا يصح الفرض، والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ١٥٠ ]
(مسألة)