(مسألة)
وجوب الخراج لا ينفي وجوب العشر في الخارج من الأراضي الخارجية عندنا.
وعندهم: لا يجتمع الخراج والعشر.
لنا:
إن العشر واجب في الخارج فما يجب بسبب الأرض لا ينفيه، لأن الواجب في مال لا ينتفي بواجب في مال آخر.
والدليل على أن العشر واجب في الخارج، أن الواجب عشر الخارج فيكون واجبًا بملك الخارج وبسببه، مثل زكاة الذهب والفضة لما كان الواجب ربع العشرة كان واجبًا بملك الذهب والفضة وبسببهما، لأنه يكثر بكثرة الخارج ويقل بقلته، وأيضًا يختلف باختلاف أجناس الخارج والأرض واحدة غير مختلفة، فثبت أن العشر واجب في الخارج.
وأما الخراج مؤنة الأرض، بدليل أنه يجب بملك الأرض، وإن لم يكن زرع بعد أن تمكن من الزرع، وأما العشر لا يجب بحال إلا بوجود الزرع
[ ٢ / ١١٦ ]
وصار الخراج بمنزلة كراء الحانوت، وصار زكاة العشر بمنزلة زكاة المال الذي يتجر فيه على الحانوت ثم هالك جاز اجتماع وجوبهما، كذلك في مسألتنا.
وقد قال الأصحاب: حقان اختلفا سببًا ومحلًا ومصرفًا وصفة فاجتمع وجوبهما فالسبب قد ذكرنا، والمحل محلين: أحدهما دراهم في الذمة، والآخر عشر العين، وأما الصفة فلأن أحدهما عبادة، والآخر مؤنة، وأما المصرف فلأن/ أحدهما يصرف إلى أهل السهمان، والآخر إلى المقاتلة.
وأما حجتهم:
تعلقوا بحديث رووا عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﵇ قال: «لا يجتمع العشر والخراج في أرض مسلم». وهو نص لأن الخراج وظيفة الأرض،
[ ٢ / ١١٧ ]
كذلك العشر بدليل أنه يقال: أرض عشرية وأرض خراجية، والإضافة المطلقة في الشرع دليل السببية.
دليله: سائر المواضع فلما أضيف كل واحد من العشر والخراج إلى الأرض دل أنها سبب وجوبهما، ولأن الأرض مال نامي فلا يخلو عن واجب.
دليله: سائر الأموال النامية.
وأما الزرع ليست بمال النماء، لأن العروض والحبوب إنما يصير مال النماء بالتجارة، والحبوب في هذه المواضع ليست بمال التجارة.
يبينه: أن النامي ما يراد بقاءه في ملكه، وطلب النماء منه، والأرض بهذا الوصف، فأما الزرع فلا يراد للبقاء، فإنه مطلوب في العادة من الأراضي للقوت، والتقوت جهة مثوبة لا جهة مبقية، فثبت أن العشر وظيفة الأرض مثل الخراج إلا أن الخراج دراهم في الذمة فإذا ملك الأرض وتمكن من زراعتها وجب.
وأما العشر مقدر من الخراج فما لم يوجد الخارج لا يمكن إيجابه، ولهذا افترقا في هذه الصورة وهذا الافتراق لا يدل على اختلاف السبب، ألا ترى أن الأجر للأجير الواجد، والأجير المشترك في مقابلة العمل، وإن كان أحدهما لا يجب إلا بالعمل والأجر يجب بتسليم النفس وإن لم يوجد العمل، وأما اختلاف مصرفهما جاء من حيث أن أحدهما مشتمل على معنى العبادة وهو العشر، والأجر محض مؤنة فصرف العشر إلى أهل السهمان والخراج إلى المقاتلة، وهذا الاختلاف لا يمنع اتجاه السبب.
[ ٢ / ١١٨ ]
ولأن الدليل قد قام أن ملك الأرض صالح لإيجاب كل واحد منهما، أما العشر فدليل وجوبه ملك المال النامي، والأرض مال نامي، وأما الخراج فلأن الأرض قطعة من دار الإسلام لا يمكن حفظها إلا بحماية الإمام كما لا يمكن حفظ جميع دار الإسلام إلا بحمايته، والحماية تكون بجند ومقاتلة، ولابد لهم من رزق يعيشون به فوجب الخراج بوصف أنه مؤنة الأرض ووجب لمن يوجد منهم حماية الأرض، واستدلوا في أن العشر واجب بسبب الأرض لا بملك الخارج أنه لو اجتنى الثمار من المواضع التي لا تملك وبلغ نصابًا لا يجب فيه العشر مع وجود الثمر لعدم الأرض، وكذلك النخيل التي في داره المملوكة لا يجب العشر في ثمارها لعدم الأرض الخراجية أو العشرية.
الجواب:
أما الخبر فلم يثبت، ولئن ثبت لقلنا به.
وقد قيل: رواه يحيى بن عنبسة عن أبي حنيفة، ويحيى بن عنبسة، متروك.
وكيف يثبت هذا الخبر؟ وقد تفرد بإسقاط العشر بسبب الخراج أبو حنيفة رحمة الله عليه من بين أهل العلم، ولم يوافقه عليه أحد من الأئمة سوى أصحابه الذين درجوا على قوله ونسجوا على منواله.
ونقل ابن المنذر في كتاب «الاختلاف» عن جملة أهل العلم شرقًا وغربًا
[ ٢ / ١١٩ ]
إيجاب العشر من الخراج، وقال: وقد قالت طائفة قليلة عددها شاذ قولها بخروجه عن أقوال أهل العلم أنه لا عشر مع الخراج وذكر أصحاب الرأي، ونقل عن ابن المبارك أنه ذكر له قول أبي حنيفة ﵁ في هذه المسألة فقال: لا يترك كتاب الله وسنة رسوله بقول أبي حنيفة ﵁، فجاء مما ذكرنا أنه لو صح ذلك الخبر لم يخف على أهل العلم من الأئمة، ولو عرفوا ذلك لم يخالفوه، فدل أن الخبر موضوع لا يلتفت إليه.
وأما المعنى:
قولهم: «إن العشر وظيفة الأرض».
لا نسلم، بل هو زكاة الخارج.
وأما قولهم: «إنه مضاف إلى الأرض».
قلنا: ويضاف إلى الزرع فيقال: عشر الزرع، ولعل هذه الإضافة أشهر وأظهر فتكون بالاعتبار أولى، ثم يجوز أن تكون الإضافة التي تعلقوا بها على طريق التوسع والمجاز.
ومعنى قولهم: «أرض عشرية».
أي أرض يجب العشر في الخارج منها.
وأما قولهم: «إن الأرض مال نامي».
قلنا: هذا غلط قبيح، لأن الزرع ليست بنماء الأرض، وإنما هي نماء البذر، ولهذا يكون لصاحب البذر لا لصاحب الأرض، ولأن نماء كل شيء
[ ٢ / ١٢٠ ]
من جنسه فلا يتصور نماء الأرض بالزرع، نعم يحصل من الأرض قوة في نماء البذر، فأما أن يكون نماء الأرض فمطمع محال، وهذا كالحاضنة للولد تكون منها قوة في تربية الولد، وأما الولد فهو ولد أبيه وأمه.
وأما قولهم: «إن الزرع ليس بمال النماء».
قلنا: هو نفس النماء فيكون الإيجاب فيه أولى، وهذا كالسخال تجب فيها الزكاة بالإجماع، وإن لم يكن مالًا ناميًا، وأما عذرهم عن فصل الذي ألزمناهم وهو إذا ملك الأرض ولم يزرع، وقد تمكن منه لا يجب العشر.
وقولهم: «إنه لا يمكن الإيجاب، لأن العشر مقدر بجزء من الخارج/ فلا يجب بدون الخارج».
قلنا: وجب أن يجب، ويقدر وجود الخارج، وهذا مثل ما قلتم إن المكري يجب العشر عليه وإن لم يجب بملك الخارج وقدر ملكه له، والحرف في هذا أنه يستحيل ملك المال النامي سبب صالح تام في وجوب الحق المسمى سواء وجد حقيقة النماء أو لم توجد بدليل السوائم وعروض التجارة.
وأما الأخير الذي قالوه وهو: «إذا اجتنى الثمار من الأراضي التي هي غير مملوكة».
قلنا: إنما وجب العشر في الخارج بعلة أنه نماء ملكه فإذا وجب في المال النامي فلأن يجب في نفس النماء أولى، وهذا لا يوجد فيما صوروه، لأن ذلك ليس بنماء ملكه، والمسألة الأخيرة ممنوعة. والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ١٢١ ]