(مسألة)
يجب الوضوء من الملامسة الحاصلة بين الرجال والنساء عندنا. وعندهم لا يجب.
والمعتمد نص الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، واللمس باليد حقيقة بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾، وأراد به اللمس باليد، ويدل عليه قول الشاعر:
[ ١ / ٩٢ ]
لمست بكفي كفه أبتغى الغنى ولم أدر أن الجود من كفه يعدى
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى أفدت وأعداني فبددت ما عندي
فنحن على الحقيقة حتى يقوم دليل قاطع على خلافه، وقد أيد هذا ما روى عن عمر، وابن مسعود، وابن عمر إنهم ذهبوا إلى أن اللمس حدث تمسكًا بحقيقة الآية، وأما هم حملوا الآية على الوطء، قالوا: إن اللمس كناية عن الوطء، ويروون عن ابن عباس أنه قال: إن الله حيي كريم يكنى بالحسن عن القبيح فكني باللمس عن الوطء.
قالوا: وهو مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، و«تماسوهن» والمراد منه الوطء، وربما رووا عن علي ﵁ على ما يوافق قول ابن عباس فلأنه قرئ: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وذلك هو الجماع حقيقة، لأن الملامسة مفاعلة يكون بين اثنين، فلا يتناول اللمس الذي يقوم به واحد.
قال أبو زيد: لابد أن يحمل اللمس على الوطء لتكون الآية
[ ١ / ٩٣ ]
مشتملة على ذكر الطهارتين أعني الغسل والوضوء في حالتي وجود الماء وعدمه، ولا يكون ذلك إلا إذا حمل اللمس على الوطء، وإما قلنا ذلك لأن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾.
معناه: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين ﴿فاغْسِلُوا﴾ إلى آخر الوضوء، ثم قال: ﴿﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ﴾ فصارت الجنابة على الإطلاق مذكورة كما صار الحدث مذكورًا على الإطلاق، وذلك في حال وجود الماء ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَي أَوْ عَلَي سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ ..﴾.
معناه: وجاء أحد منكم من الغائط وكنى به عن الحدث، لأنه سبب له.
﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وفي القراءة الأخرى: ﴿أو لمستم﴾، فكنى بذلك عن الجنابة ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فصار الحدثان مذكورين في حالتي وجود الماء وعدمه.
ودلت الآية على جواز التيمم للجنب، كما يجوز للمحدث على ما هو المذهب.
وأما قولكم: إذا حملتم اللمس على اللمس باليد لم يكن الطهارة من الجنابة مذكورة في الآية حال عدم الماء، بل اقتضى أن لا يجوز التيمم
[ ١ / ٩٤ ]
للجنب على ما قاله عمر وابن مسعود، لأنهما لم يجوزا التيمم للجنب حين حملوا اللمس على اللمس باليد.
وأما علي وابن عباس فإنهما جوزا التيمم للجنب، وحملا اللمس على الوطء.
فدل أن كل من جوز التيمم للجنب جوز أن يحمل اللمس على الوطء.
قالوا: وقد دلت السنة على ما بينا فإن الأعمش روى عن حبيب بن إبراهيم عن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﵇
[ ١ / ٩٥ ]
«قبَّل بعض نسائه وصلى ولم يتوضأ»، وكذلك روى إبراهيم التيمي عن عائشة.
روى الأول أبو عيسى في جامعه، والثاني أبو داود/ في سننه.
قالوا: والقياس الجلي معنا، لأن الأصل في وجوب الطهارة أن نسند وجوبها إلى نجاسة خارجة من البدن، أو سبب النجاسة في الغالب ليقام السبب مقام المسبب، ولا نجاسة يظهر باللمس ولا هو سبب في الغالب لانفصال النجاسة. فإن اللمس يخلو في الغالب عن انفصال شيء منه حتى لو تفاحشت المباشرة نقضت الوضوء، لأنها في الغالب لا يخلو عن خروج المذي منه، وكذلك التقاء الختانين لا يخلو في الغالب عن انفصال المني منه، وكذلك النوم في الحدث الخارج عنه.
قالوا: ولأن المسبب إنما يقام المسبب إذا كان في اعتبار نفس الشيء حرج ظاهر مثل المشقة في السفر، واعتدال العقل عند بلوغه سن البلوغ، واعتبار وجود الماء حقيقة عند ملك اليمين، فأما إذا لم يكن في اعتبار نفس الشيء حرج، فإنه يعتبر نفسه ولا يقام السبب مقامه ومسألتنا من ذلك.
الجواب:
إن التمسك بحقيقة الكتاب واجب حتى يقوم دليل قاطع على الصرف عنه فنحن عليه إلى أن يوجد دليل قطعي على صرفنا عنه، ولم يوجد.
[ ١ / ٩٦ ]
وقد أجمعوا على أن العدول عن حقيقة الكتاب لا يجوز بقول الواحد والاثنين من الصحابة، وكذلك بالقياس.
وأما قراءة الملامسة فهو لمعنى قوله: ﴿أو لمستم﴾ يقال: لامس، ولمس بمعنى واحد، وقد تأتي المفاعلة في الفعل من الواحد، كما يقال: سافر وسارع وطارق النعل.
وأما قوله: «إن الحمل على الوطء يفيد جواز التيمم للجنب».
قلنا: ومن أين قلتم إنه ينبغي أن يكون هذا الحكم مستفادًا من الكتاب بل نقول: هو مستفاد بالسنة وهو خبر عمار بن ياسر على ما عرف في المذهب. وعلى أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا إذا قدرناه اقتضت جواز التيمم للجنب أيضًا، مع تقرير اللمس على حقيقته، ويفيد أيضًا ذكر أسباب الحدث جملة بالنص ودلالته.
ووجه ذلك وهو أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾، معناه: إذا قمتم من النوم، وقد أفاد النوم وما في معناه من الجنون والإغماء وغير ذلك، ثم قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ﴾ مقدم في المعنى وإن كان مؤخرًا في التلاوة، وتقديره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ يعني من النوم أو جاء أحد منكم من الغائط، وقد يتناول ذلك الغائط وما في معناه من البول والمذي والريح وغيره ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ويتناول ذلك اللمس باليد وما في معناه ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ إلى آخر المذكور ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾
[ ١ / ٩٧ ]
فأفادت الآية ذكر الطهارتين عند وجود الماء مع ذكر أسباب الحدث والتنبيه عليها، ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، ينصرف هذا إلى الطهارتين جميعًا، وأفاد جواز التيمم عن الحدثين جميعًا وهذا أولى مما قاله لوجوه منها: إنا نقرأ اللمس على حقيقته.
ومنها: إنا نستفيد على هذا الوجه ذكر أسباب الحدث.
ومنها: أنه منقول عن زيد بن أسلم من التابعين، وابنه عبد الرحمن ابن زيد وما قالوه ليس بمنقول عن أحد من السلف وهو اختراع لتسوية القرآن على المذهب. ويمكن أن يقال أيضًا: إنا نحمل قراءة اللمس على اللمس باليد، وقراءة الملامسة على الوطء لتكون الآية أكثر فائدة، ويحصل ما قالوه من التقرير على قراءة الملامسة وما قلناه على قراءة اللمس وهو جواب حسن إلا أن الأول أحسن.
وأما الحديث الذي رووه فقد قال محمد بن إسماعيل البخاري: إنه لا يصح لحبيب بن أبي ثابت سماع عن عروة، ولا لإبراهيم التيمي سماع عن عائشة.
[ ١ / ٩٨ ]
وقد قال يحيى بن سعيد القطان: بلغوا عني أن هذا الحديث شبه لا شيء.
وقد أوله الأصحاب قالوا: يحتمل أنه كانت القبلة من وراء حجاب.
وأما دعواهم القياس الجلي في الباب:
فمعتمدنا نص الكتاب ولا ثبات للقياس معه جليًا كان أو خفيًا وعلى أنا وجدنا هاهنا معنى مؤثرًا، وذلك أن اللمس يجل الشهوة طبعًا وشرعًا سبب لخروج المذي، والطهارة عبادة مبنية على الاحتياط فأقيم سبب الخارج مقام الخارج في وجوبها، كما أقيم النوم مقام الحدث، لأنه ميسر لخروجه، وكذلك أقيم التقاء الختانين مقام خروج المني، لأنه جالب لخروجه، وكذلك اللمس/ جالب لخروج المذي.
ويقال: إن القبلة برق الجماع ويريده فتقوم مقام الخارج في نقض الطهارة.
وأما قولهم: «إنما يقام إذا كان السبب يؤدي إليه في الغالب».
قلنا: الغالب لا يعتبر فيما يبني على الاحتياط بل يعتبر أصل السبب فإن قليل النوم مضطجعًا ينقض الوضوء، وليس بسبب لخروج الحدث في الغالب وكذلك مجرد التقاء الختانين من غير معالجة من التحريك والإيلاج ليس بسبب لخروج المني في الغالب، ومع ذلك يقام مقام خروج المني.
وقولهم: «إنه ليس في اعتبار نفس العلة حرج».
[ ١ / ٩٩ ]
قلنا: والحرج أيضًا غير معتبر بدليل التقاء الختانين، فإنه لا حرج في اعتبار نفس خروج المني فإنه يحس بخروجه، ومع ذلك قد نقل إلى سببه بل خرج المذي عند الملامسة أخفى من خروج المني عند التقاء الختانين فثبت أن المعتبر نفس وجود السبب.
قال أبو زيد: هذا غلو من الشافعي.
قلنا: ومنكم تقصير، والله الموفق والمستعان على إدراك الصواب ومنه العصمة من الزلل بمنه وفضله.
* * *
[ ١ / ١٠٠ ]