(مسألة)
يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل عندنا.
وعندهم: لا يجوز.
وكذلك إذا اختلف فرض الإمام والمؤتم بأن اقتدى مؤدى الظهر بمؤدي العصر.
[ ١ / ٢٨٣ ]
لنا: «إن معاذًا ﵁ كان يصلي مع النبي ﵇ صلاة العشاء ثم يعود فيؤم قومه»، والخبر ثابت، وهو برواية جابر.
وفي رواية: «فيكون له تطوعًا ولهم مكتوبة».
فإن قالوا: ليس معناه أن النبي ﵇ علم بذلك وأقره عليه.
قلنا: مثل معاذ في فقهه وعلو منزلته في الدين لا يقدم على مثل هذا إلا بعلم من النبي ﵇.
وقد ثبت علم النبي ﵇ بذلك في الخبر المشهور وهو افتتاحه سورة البقرة في العشاء الآخرة، وانفراد الأنصاري ثم قول النبي ﵇ لمعاذ: «أفتان أنت يا معاذ؟ أين أنت عن سورة كذا وسورة كذا».
ولا سؤال لهم على الخبر أصلًا.
[ ١ / ٢٨٤ ]
وأما المعنى فنقول: كل واحد من المؤتمين يصلي لنفسه مؤدي فرضه بفعله، وقد بينا أن فوات صلاة الإمام أصلًا لا يوجب فساد صلاة المؤتم، وذلك بأن كان جنبًا أو محدثًا ففوات صفة صلاته من الفرضية لا يوجب فوات هذه الصفة من صلاة المقتدي أيضًا.
وهذا لأن كل واحد من القوم لما كان مصليًا لنفسه مؤديًا فرضه بفعله لم تتعلق بصلاة الإمام، فنقول: من لا تتعلق صلاته بصلاة غيره فنفل غيره لا يمنع أداء فرضه. دليله الإمام مع المؤتم.
وأما الدليل على عدم التعلق أن الوارد في الشرع هو فعل الجماعة، وفعل الجماعة يوجب الاجتماع على أداء الصلاة، واقتداء المؤتم يوجب متابعة الإمام في الأفعال الظاهرة، فإذا اجتمع القوم على فعل الصلاة ووجدت المتابعة من المؤتم في الأفعال الظاهرة فقد تمت الجماعة.
ثم الاقتداء والإتباع فعل كل واحد من القوم فيما وراء هذا كمنفرد بالصلاة فيؤدي على حسب ما يختاره وما ينوبه وهو مثل الإمام فإنه متبوع في الأفعال الظاهرة فإذا تمت المتبوعية بوجود صورة الأفعال منه على ما تبعه فيها المقتدي به كان فيما وراء ذلك بمنزلة منفرد بالصلاة يؤدي صلاة على حسب اختياره ونيته، كذلك هاهنا.
[ ١ / ٢٨٥ ]
وقد حرر الأصحاب وقالوا: صلاتان اتفقتا في الأفعال الظاهرة فيجوز لمن يقيم أحدهما أن يقتدي/ بمن يقيم الأخرى.
دليله المتنفل خلف المفترض.
أما حجتهم:
قالوا: الاقتداء يوجب ابتناء صلاة المؤتم على صلاة الإمام حتى تصير الصلاتان كصلاة واحدة جوازًا وفسادًا.
(والدليل عليه قوله ﵇: «الإمام ضامن» أي ضامن صلاته صلاة المؤتم، وضمانه صلاته بصلاته هو أن صلاته صارت في ضمن صلاته، ولأن الإتباع واجب وإنما يوجب الإتباع تتعلق صلاته بصلاته، وهو أن صلاته صارت في ضمن صلاته) ولولا ذلك وإلا لم يجب الإتباع، وجاز للمؤتم أن ينفرد بصلاته عن صلاة الإمام متى شاء. وحين أجمعنا على أنه لا يجوز أن ينفرد بصلاته عن صلاة الإمام، عرفنا أنه إنما لم يجز، لأنه ارتبط صلاته بصلاة الإمام جوازًا وفسادًا.
ويدل عليه أن الواجبات على المنفرد تتغير بالاقتداء، بدليل أنه على أي حال أدركه وجب عليه المتابعة، ولم يجز له أن يفعل ما يوجبه الإفراد أو ما هو واجب الصلاة في الأصل ولو كان على ما زعمتم من قولكم إن كل واحد مصلي لنفسه وجب أن يفعل الصلاة على ما هو المشروع في الأصل، وأيضًا فإن الإمام إذا سها يجب على القوم أن يسجدوا لسهوه ولو لم يسجد الإمام سجد القوم عندكم، ولو سها المؤتم لم يجب عليه شيء.
[ ١ / ٢٨٦ ]
وإذا ثبت الإبتناء الذي ادعيناه ثبت أن الصلاتين قد صارتا كصلاة واحدة، فكل تحريمه يجوز له أن يبتنى عليها صلاته لنفسه يجوز أن يبتنى غيره عليها تلك الصلاة، وكل تحريمه لا تجوز له أن يبتنى عليها صلاته لنفسه لا يجوز لغيره أيضًا أن يبنيهما عليها، ومعلوم أن تحريمة النفل إذا وجدت من الإمام لا يجوز أن يبني عليها صلاة الفرض لنفسه، وكذلك المؤتم أن يبني عليها هذه الصلاة.
قالوا: ويخرج على هذا المتنقل خلف المفترض، لأن الإمام يجوز له أن يبني صلاة النفل على تحريمة الفرض، فكذلك جاز من المؤتم ذلك.
وقد تعلق كثير منهم بالجمعة، وقالوا: أجمعنا على أن الإمام لو كان يؤدي النفل في الجمعة لم يجز اقتداء القوم به. فكذلك في غير الجمعة، وهذا لأن نهاية ما في الباب أن الجماعة واجبة في الجمعة، وسنة في غيرها من الصلوات ولكن لا اختلاف في نفس الجماعة.
وقد بينتم أنها للإجماع على فعل الصلاة والاقتداء في الأفعال الظاهرة.
وقد وجد هذا في مسألة الجمعة، وإن كان الإمام متنفلًا مثل ما وجد في مسألتنا ومع ذلك لا يجوز، وكذلك أوردوا الجمعة في المسألة الأولى فإنه لو ظهر أن الإمام جنب أو محدث لم تجز الجمعة القوم.
الجواب:
دعواهم أن صلاة القوم تتبنى على صلاة الإمام حتى تصير الصلاتان بمنزلة الصلاة الواحدة جوازًا وفسادًا.
[ ١ / ٢٨٧ ]
لا نسلم ذلك على ما بينا من قبل.
وأما الخبر فمعناه أن الإمام ضامن إكمال صلاة القوم بحكم المتبوعية ولأجل هذا الضمان إذا أكمل فله الأجر لصلاته وصلاة القوم، وإذا نقض فعليه الوزر لصلاته وصلاة القوم.
وأما دخول صلاة المؤتم في ضمن صلاة الإمام فلا يعرف.
وأما قولهم: «إنه وجب الإتباع».
قلنا: وجوب الإتباع بحكم نية الإقتداء أو لأنه إمام وهذا مؤتم، ومن قضية كونه مؤتمًا إتباعه إياه في أفعاله، وهذا هو المتابعة في الأفعال الظاهرة.
فأما الإقتداء والإتباع في النية فغير متصور، لأنه أمر في باطن القلب فكيف يوجد فيه المتابعة ثم الإتباع في الأفعال الظاهرة.
فأما الإقتداء والإتباع في النية فغير متصور، لأنه أمر في باطن القلب فكيف يوجد فيه المتابعة ثم الإتباع في الأفعال الظاهرة لتحصل الجماعة المشروعة ويتحقق الإقتداء والإتمام، وإذا حصل هذا فما وراء ذلك فكل وشأنه وكل امرئ ونيته.
وقولهم: «إنه تتغير الواجبات بالإقتداء».
قلنا: أما أصل الواجبات فلا تتغير بالإقتداء منه شيء وإنما وجب المتابعة في بعض أفعاله بسبب الإقتداء أو الإئتمام مع بقاء الواجب عليه في أصل الصلاة على ما كان من قبل من غير أن يتغير منه شيء.
أما سجود السهو. قلنا: إذا سها الإمام وجب السجود على القوم بحكم المتابعة وإن لم يسجد الإمام لم يجب على القوم، وإذا سها واحد من القوم لم يجز له أن يسجد، لأنه يؤدي إلى الخلاف في الأفعال الظاهرة، ويمكن أن يقال: إن الجماعة لإحراز فضيلة الجماعة وعلى هذا نص النبي ﵇ فقال: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين
[ ١ / ٢٨٨ ]
درجة» فإذا وجدت الجماعة في الظاهر حصلت فضيلة الجماعة وحصل المقصود/ والمطلوب فصار صلاتهما وإن اختلفا في صفة الفرضية والنفلية كصلاتهما إذا اتفقنا في الفرضية والنفلية.
فأما في مسألة سهو القوم: فإنما يسقط عنهم سجود السهو لأنه مشروع لجبر النقصان الداخل في الصلاة، وقد أنجبر النقصان بفضيلة الجماعة فصار كما لو سجدوا.
وأما مسألة الجمعة فقد منعت، وعلى التسليم وهي ظاهر المذهب نقول: إن الجماعة فرض الجمعة، وإنما صارت مفروضة لأجل الجمعة وإذا كان الإمام متنفلًا فلا جماعة في الجمعة، وإنما الجماعة في أصل الصلاة، وشرط الجماعة لم يكن لأجل الصلاة فصاروا بمنزلة المنفردين فيما شرعت الجماعة لأجلها فلم يجز. وهم يقولون: قد صاروا هاهنا أيضًا بمنزلة المنفردين في صلاة الظهر، والجماعة مسننة فيها كما أن هناك مفروضة في الجمعة، وربما يقولون: النية ركن الصلاة لا إمام له فيها فصار بمنزلة
[ ١ / ٢٨٩ ]
الركوع والسجود، وكذلك إذا صلى صلاة من الصلوات الخمس مقتديًا بمن يصلي صلاة الجنازة.
قلنا: كذلك نقول له في فضيلة الجماعة في أصل الصلاة ولا فضيلة له في جماعة الظهر إلا أن فوات ذلك لا يبطل الصلاة بخلاف الجمعة فإن فوات الجمعة مبطل لها، ونحن نقول: إنما يحرز فضيلة الجماعة في أصل الصلاة وصفتها إذا اتفقا على أصل الصلاة، واتفقا في صفتها هذا غاية ما يمكن الجواب عن الجمعة وإن منعنا فقد وقع الخلاص.
وقولهم: «إنه لا إمام له في النية».
قلنا: وإذا كان الإمام مفترضًا والمؤتم متنفلًا فلا إمام له في النفل أيضًا، لأن النفل ضد الفرض ومع ذلك جاز.
وعلى أنا بينا أن المعتبر وجود الإمام في الأفعال الظاهرة، وبما ذكرنا من الجواب يجاب عن فصل الجمعة في المسألة الأولى .. والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ١ / ٢٩٠ ]