(مسألة)
يجوز الاستئجار على الحج عندنا.
وعندهم: لا يجوز.
وعلى هذا الخلاف الاستئجار على تعليم القرآن، والاستئجار على الآذان على أحد الوجهين.
والجملة أن عندهم لا يجوز الاستئجار على شيء من الطاعات.
وعندنا: يجوز على كل عمل معلوم يمكن تسليمه وإيفاءه غير مفترض على الأجير فعله.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
لنا:
أنه استأجر على عمل معلوم يمكن تسليمه وإيفائه غير مفترض على الأجير فعله فجاز.
دليله: إذا استأجر على نصب قنطرة أو بناء مسجد أو بناء رباط وغير ذلك من أفعال الخير.
وقولنا: «معلوم» ظاهر، لأن أفعال الحج معلومة في نفسها متعين زمانها ومكانها.
وقولنا: «إنه يمكن إيفاءه وتسليمه» يعني أنه متصور تلبيته ووقوفه وطوافه عن الغير وإذا فعلها صارت كالمسلمة إليه شرعًا، ولهذا سقط الفرض عنه- أعني الآمر- وكذلك إذا استأجره على تعليم سورة بعينها فإيفاء ذلك السورة بتعليمها مثل ما لو استأجره على تعليم الخط والحساب أو كتاب معلوم من اللغة وعلوم العربية وغيرها.
وقولنا: «غير مفترض على الأجير» حتى إنه لو افترض في موضع فعله لم يجز الاستئجار عليه.
ويدل على جواز النيابة في الحج فنقول: أجمعنا على أنه لو قال المعضوب لغيره: «حجي عني»، فإنه يصح هذا الأمر والمأمور ينوي الحج عنه أو يقول: لبيك يعن فلان، ويظهر عمله في حقه حتى سقط الحج المفروض عن ذمة الآمر، وكذلك إذا أوصى بالحج عنه فإنه إذا مات جاز الحج المأمور عنه.
وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: «لو مات رجل فحج عنه ابنه يجزيه إن شاء الله تعالى»، وإنما أدخل الاستثناء لأنه صور المسألة فيما إذا حج عنه بغير أمره، فأما إذا أمره أن يحج عنه فإنه يجوز عنه قطعًا.
[ ٢ / ٢٧١ ]
فثبت أن النيابة جائزة في الحج فنقول: عمل تجري فيه النيابة فيجوز الاستئجار عليه بالمال.
دليله: سائر الأعمال.
وأما حجتهم:
قالوا: عبادة بدنية فلا يجوز/ الاستئجار عليها.
دليله: الصوم والصلاة، وإنما قلنا إنها عبادة بدنية من الوقوف والطواف والسعي والرمي وغير ذلك.
قالوا: والفقه في ذلك: أن العبادات أوجبت على وجه الابتلاء للعباد، والابتلاء لا يوجد في العبادات البدنية إلا بإتعاب البدن، لأنه يظهر عند إتعاب البدن طواعية العبد لربه وانقياده لحكمه أو كراهية لذلك ونفوره عنه فيعرف الصادق من الكاذب والمطيع من العاصي والمخلص من المنافق ويتحقق الابتلاء والاختبار الذي أوجبت العبادات بوصفه.
وإذا ثبت هذا الأصل فنقول:
لا يوجد معنى الابتلاء إلا فيما يفعله العبد بنفسه ويتحمل تعبه بذاته وجسمه فأما عند أمره غيره بفعله واستنابته في ذلك من تسبينه فلا يتحقق معنى الابتلاء فيه بحال، وهذا لأن الابتلاء في التعب، ولا تعب في الأمر إنما التعب في الفعل.
قالوا: ولهذا لم تجز النيابة في الصلاة والصوم، وكذلك لم تجز النيابة في الحج عند القدرة على فعله، وأما الزكاة وسائر واجبات المال فالابتلاء فيها بتنقيص المال وذلك يوجد سواء فعله بنفسه أو فعله نائبه، ولهذا دخلتها النيابة مع قدرته على فعلها بنفسه.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وإذا ثبت هذا الأصل أن النيابة غير داخلة في هذه العبادات فالاستئجار عليها باطل.
قالوا: وأما إذا أمر غيره أن يحج عنه فإنما جاز ذلك عند العجز أو جاز بعد موته على معنى أن فرض الحج لازم عليه بدنًا وقد عجز عن نفسه فالشرع نقل الفرض الذي كان على بدنه إلى المال الذي يبذله له في الحج فيكون له ثواب النفقة على الحج وسقط به الحج عنه، لأنه فعل ما كان عليه بقدر الإمكان، أو لأنه لما انتقل الواجب من البدن إلى المال فلابد من سقوطه عنه.
ونظيره الشيخ الهم إذا تصدق بدل الصوم فإنه يسقط الفرض عنه لانتقال الواجب إليه.
قال أبو زيد في «الأمالي» محتجًا في هذه المسألة:
إن الحج عن الغير لا يكون حاجًا عنه إلا بعد ما يقع الحج عن الحاج وإذا وقع الحج عنه لم يستحق الأجر على غيره.
دليله: الآذان.
والدليل على أنه يقع حجه عن نفسه أنه لا يصح حجه ما لم يكن من أهل الحج عن نفسه حتى إذا كان كافرًا لا يصح، لأنه ليس من أهل الحج عن نفسه ولو كان الفعل يقع عن الآمر لم يشترط لصحته كون الفاعل من أهله لنفسه.
ألا ترى أن بناء القناطر والرباطات والمساجد لما صح للعامل فيها أن يكون أجبرا ووقع عمله عن الآمر جاز أن يكون الأجير فيه كافرًا، وهذا
[ ٢ / ٢٧٣ ]
لأن العبد متعين لفعل العبادة حقًا لله تعالى، إما فرضًا أو نفلًا، فلا يتصور مع كونه فاعلًا فعل العبادة أن يكون فاعلًا عن غيره بخلاف بناء الرباط والمساجد، لأن فعلها في ذاته ليس بعبادة عن الفاعل، بدليل أنه يجوز منه وإن لم يكن من أهل العبادة مثل أن يكون الأجير كافرًا.
قالوا: وأما قولكم: «إن النيابة صحيحة».
فالقياس أن لا يصح، لأنه عبادة بدنية على ما ذكرنا، ولكن الشارع جوز ذلك لما فيه من المال، لأن الحج لا يتأدى إلا بنفقة فأخذ شبهة الزكاة من هذا الوجه حتى إذا استعان برجل ليحج عنه ولم يعطه النفقة لا يجوز، وكذلك إذا أمر أن يحج عنه فأنفق المأمور عامة النفقة من جهة نفسه لا يجوز.
فثبت أن جواز النيابة لشبهه بالزكاة من حيث النفقة. فأما من حيث أنه عبادة بدنية فلا ينبغي أن تجوز فيه النيابة فجوز الشرع فيه النيابة في حال اليأس عن فعله بنفسه لشبهه بالزكاة ولم يجز في غير حال اليأس لشبهه بالصلاة وإذا جازت النيابة فيه من ذلك الوجه لم يكن بد من نيته عنه، وتلبيته باسمه وصح أمره إياه بأن يحج عنه وسقط الفرض عن الآمر لا عن المأمور.
وأما الأجر على أصلكم إنما وجب للأجير من حيث أنه فعل الحج بدنًا وأقام فعله ببدنه مقام فعله بنفسه، ومن هذا الوجه لا ينبغي أن تجوز فيه النيابة، لأنه عبادة بدنية فلم يجز الاستئجار عليه ولم يجب له الأجر، هذا نهاية ما يمكن.
الجواب:
أما قولهم: «إنه عبادة بدنية».
[ ٢ / ٢٧٤ ]
قلنا: يمكن أن يقال: ليس بعبادة محضة، وقد سلم هذا في الطريقة الثانية حيث قال: «إنه يشبه الزكاة من وجه، وعلى أنا وإن سلمنا أنه عبادة بدنية لكنه عبادة بدنية تجرى فيها النيابة، وفيه الإجماع ولا يمكن منعه بحال.
والحرف أن أداء العبادة بدنًا قد وجد إلا أنه قام فعل الأجير بدنًا مقام فعل المستأجر بعقد مشروع وهو عقد الإجارة فصار كأنه الفاعل بنفسه.
وأما قولهم: «إن وصف الابتلاء لا يوجد إلا لفعله بنفسه».
قلنا: هذا لا يغنى بعد/ أن تلجئهم الضرورة إلى تسليم جواز النيابة فيه، وعلى أن معنى الابتلاء موجود وإن أدى بفعل الأجير، لأنه لابد من الأمر بفعله ولابد من بذل المال لفعله فيوجد الابتلاء، ألا ترى أن الابتلاء موجود في العبادات المالية، كذلك ههنا يوجد الابتلاء ببذل المال غير أنه كان الابتلاء بفعله بدنًا والتوصل إليه مالًا، وههنا الابتلاء كله النقل إلى المال.
وأما الذي قالوه: «إن النيابة غير جارية أصلًا لكن سقط الفرض عن الآمر ببذل النفقة». فكلام في غاية الرذالة والنذالة ولا يتصور فرض الحج إلا بفعل الحج.
فإن قالوا: إنه إذا انتقل الفرض من البدن إلى بذل المال فينبغي أن يؤمر بصدقته على الفقراء ويكون وجوبه باسم الفدية على الحج مثل الشيخ الهم تجب عليه الفدية عن الصوم، فأما أن يقال إن الحج بقى وجوبه عليه حتى يجب عليه أن يأمر نائبه بالحج عنه ويجب على النائب أن ينوي عنه الحج ويسميه في تلبيته ثم الحج يكون عن الحاج ويكون للآمر ثواب النفقة ويسقط الحج عن ذمته بثواب النفقة، فهذا كلام غير مفهوم، ولا يستجيز اعتقاده والقول به فقيه، وإن صار واجب الحج واجب بذل المال فبأي وجه
[ ٢ / ٢٧٥ ]
تعين بذل المال في جهة الحج بل ينبغي أن يجب صرفه إلى مصارف الصدقات، ثم كيف يتعين بذله في حج يفعله النائب عن نفسه ويكون واجبًا عليه أن ينويه عنه ويسميه في تلبيته ولو نواه عن نفسه كان مخالفًا ويلزمه رد ما أخذه عليه، فهذه كلها تخبطات عظيمة وحكايتها كافية عن الكلام عليها.
وأما طريقتهم الثانية، وقولهم: «إن الحج وقع عن الحاج».
فقد قال بعضهم: وقع عن الحاج نفسه من وجه وإنما يجوز عقد الإجارة إذا وقع عن المستأجر من كل وجه.
فنقول: لم يقع عن الحاج بوجه ما وهو واقع عن الآمر من كل وجه.
وأما قولهم: «إنه يشترط أن يكون من أهل الحج لنفسه».
قلنا: إنما اعتبر ليكون من أهل الحج وإنما يجوز الاستئجار على الحج لمن يكون من أهل الحج، وهذا بمنزلة كل فعل يستأجر الإنسان عليه إنما يجوز إذا كان الأجير من أهل ذلك الفعل إلا أن الحج فعل شرعي فيعتبر أن يكون من أهل فعله شرعًا وهو بمنزلة ما يستأجره على فعل حسي يعتبر أن يكون من أهل فعله حسًا.
ونظير هذا إذا استأجر المسلم مجوسيًا لذبح شاة لا يجوز وإن كان الذبح محسوسًا يوجد منه مثل ما يوجد من المسلم، ولكن قيل إن الذبح المحلل فعل شرعي فيعتبر في الأجير أن يكون من أهل فعله شرعًا فإذا لم يكن، لم يصح الاستئجار عليه ولم ينظر إلى تصوره محسوسًا منه، كذلك ههنا، وهذه الطريقة كان بناؤها على هذا الأصل وإذا حصل الجواب بطل الباقي منها.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وقولهم: «إنه تصح النيابة من حيث وجود المال فيها لا من حيث أصل الفعل».
قلنا: هذا إنكار المحسوس، لأن النائب إنما فعل ما فعله بدنًا لا مالًا، والنية وجدت منه في الحج بدنًا، والآمر قال له: حج عني، وقوله: «حج عني» ينصرف إلى الأفعال البدنية.
وقوله من قال: إن النيابة جازت من حيث المال لا من حيث البدن لغو باطل.
يبينه: إن النيابة جوازها من حيث الأمر، والأمر يتناول الواجب عليه وإذا كان الواجب هو الفعل فيكون الأمر بالفعل، وإذا كان الأمر بالفعل تكون النيابة جارية في الحج من حيث الفعل.
وأما المال سبب يتوصل به إلى الحج، وأما الوجوب لا يتناوله ولا الأمر يتناوله فسقط ما قالوه. والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ٢٧٧ ]