مسألة
يسن رفع اليد عند الافتتاح وعند الركوع وعند رفع رأسه من الركوع عندنا.
وعندهم: لا يسن إلا عند الافتتاح.
لنا:
حديث الزهري عن سالم عن أبيه وهو ابن عمر قال: رأيت رسول الله - ﷺ - إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه وإذا ركع، وإذا رفع رأسه (من الركوع) فعل مثل ذلك وكان لا يرفع من السجدتين».
[ ١ / ٢٤٠ ]
وروى هذه السنة عن النبي ﵇ قريب من ثلاثين نفسًا من الصحابة منهم: عمر وعلي ﵄، ووائل بن حجر، ومالك بن الحويرث، وأبو هريرة، وأنس، وجابر، وأبو سيد، وأبو حميد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، وأبو قتادة، وأبو موسى الأشعري، وعمر الليثي.
وعن علي بن المديني قال: حديث ابن عمر مثل هذه الإسطوانة- يعني في الثبوت. وقد قال بهذه السنة ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأنس، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير وغيرهم، من التابعين: الحسن البصري، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، ونافع، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وغيرهم.
وقال بها الأئمة: الأوزاعي، ومالك، ومعمر، وابن عيينة، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
[ ١ / ٢٤١ ]
وقد اختلف فيه عن مالك، وابن عيينة إلا أن أصح الروايتين عنهما ما قدمناه. نقله ابن وهب وغيره عن مالك.
وقد اتفق على هذه السنة أهل الحجاز، وقيل: إن أهل مكة أخذوا رفع اليدين في المواطن الثلاثة عن ابن جريج، وأخذه ابن جريج عن عطاء، وأخذه عطاء عن عبد الله بن الزبير، وأخذه ابن الزبير عن أبي بكر، وأخذ أبو بكر عن النبي - ﷺ -.
أما حجتهم:
تعلقوا بحديث سفيان عن عاصم بن كليب الجرمي عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله فصلى فلم يرفع يديه إلا في أول مرة.
[ ١ / ٢٤٢ ]
قالوا: ورواه حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود.
ورواه يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب أن النبي - ﷺ - صلى فرفع يديه في التكبير الأولى ثم لم يعد».
وروى مسلم عن ابن عباس أن النبي ﵇ قال: «لا ترفع الأيدي
[ ١ / ٢٤٣ ]
إلا في سبعة مواطن»، وذكر منها حال الافتتاح، ولم يذكر ما سوى ذلك من أحوال الصلاة.
وتعلقوا أيضًا بالحديث المعروف أن النبي ﵇ رأي أصحابه وقد رفعوا أيديهم فقال: «ما بالكم رافعي أيديكم، كأنها أذناب خيل شمس، اسكنوا في الصلاة».
قالوا: وراوى خبركم ابن عمر. وقال مجاهد: صحبت ابن عمر من المدينة إلى مكة فلم يكن يرفع يديه إلا في الافتتاح.
ونقلوا عنه أنه قال: رفع اليدين بدعة.
قالوا: ولأن رفع اليدين مجرد حركة بلا عنى، وأما في حال الافتتاح سلم للنص.
[ ١ / ٢٤٤ ]
الجواب:
أما حديث ابن مسعود فقد روى سفيان بن عبد الملك عن ابن المبارك قال: ثبت حديث من يرفع، ولم يثبت حديث ابن مسعود أن النبي ﵇ لم يرفع إلا في أول مرة.
وقيل: إن عبد الرحمن بن الأسود لا يصح سماعه عن علقمة.
ولأنه يحتمل أنه خفى عن ابن مسعود هذه السنة كما خفى عليه الأخذ بالركبة في حال الركوع، وقد كان يطبق حتى توفاه الله.
أما حديث البراء بن عازب فقوله: «ثم لم يعد» غير ثابت وقد كان يزيد بن أبي زياد روى بالحجاز من غير هذه الزيادة ثم روى بالكوفة مع هذه الزيادة، فيحتمل «أنه لقن فتلقن، وقد كان اختلط في آخر عمره».
[ ١ / ٢٤٥ ]
وأما حديث مقسم فهو عن ابن عباس نفسه، والرواية: «برفع الأيدي» وليس فيه نفي الرفع في غير المواضع السبعة.
وأما الذي رووا عن قوله ﵇: «ما بالكم رافعي أيديكم ». فقد ذكر مسلم في صحيحه هذا الخبر، وذكر أنهم كانوا يرفعون أيديهم في التشهد ويشيرون بالسلام فقال النبي ﵇ ما قال.
والذي نقلوا عن ابن عمر فقد ثبت عن ابن عمر ما قدمناه.
وروى زيد بن واقد عن نافع أن ابن عمر كان إذا رأى رجلًا لا يرفع يديه في الصلاة حصبه- أي رماه بالحصباء.
[ ١ / ٢٤٦ ]
وقولهم: «إنه قال «بدعة» أثر موضوع. وكيف وقد روى عنه ما قدمنا ثم يخالفه ويسميه بدعة مع شدة تمسكه بسنة رسول الله - ﷺ - حتى قال بعض الصحابة: ما أحد منا فتش إلا فتش عن جائفة أو منقلة غير عمر، وابن عمر منه».
وأما قولهم: «حركة بلا معنى».
قلنا: الاعتراض على السنة بمثل هذا الكلام باطل، وعلى أنه زينة الصلاة وقد ورد هذا في بعض الآثار. والله أعلم.
* * *
[ ١ / ٢٤٧ ]