وعندهم: يجوز في الأول، ولا يجوز في الثاني.
لنا: إن عليًا ﵇ غسل فاطمة ﵂ حين توفيت.
[ ١ / ٣٢٣ ]
وهذا بحضرة من الصحابة وعلمهم، ولم ينكر عليه أحد فصار إجماعًا منهم.
قالوا: ويجوز أن يكون معنى قوله: «غسلها» أي أعان على غسلها وعلى أن فاطمة ﵂ كانت زوجة لعلي ﵁ في الدنيا والآخرة.
فإنما غسلها لبقاء الزوجية، وهذا لا يوجد في غيرهما.
قالوا: وعلى أنه روى أن فاطمة ﵍ اغتسلت ثم تمددت وتوفيت واكتفوا بغسلها ذلك كرامة لها، وكانت معرفتها بوقت فواتها واكتفائها بغسلها بإخبار النبي - ﷺ -.
الجواب:
إن كل ما قالوه ضعيف.
أما الأول فنقول: إن المروى أنه غسلها، والإعانة على الغسل لا تكون غسلًا.
وأما الثاني: قلنا: نحن نقطع بانقطاع الزوجية بالموت، لأن الزوجية من أحكام الدنيا. فأما القول ببقاء عقد النكاح بعد الموت والانتقال إلى
[ ١ / ٣٢٤ ]
الآخرة فمقال محال، والآخرة لا تكون دار الأنكحة، وما عهد في الجنة والنار تزويج ولا بقاء تزويج.
وأما الثالث: فهو من نقل الروافض فلا نعرف ذلك، وإنما نهاية الرواية أن النبي ﵇ قال لها: «أنت أول أهلي لحاقًا بي». فأما ما يقال أنه أخبرها بوقت وفاتها وأمرها بالاغتسال قبل الموت والاكتفاء بذلك فلا يعرف، وما رأينا تعجيل غسل الميت قبل الموت وهذا لأن الواجب غسل الميت فلابد من وجوده في ميت وهذا الأثر معتمد.
وأما المعنى: نقول الغسل حق الميت ولابد من قائم به، ثم الزوج إذا مات قامت المرأة بغسله قضاء لحقه، فكذلك إذا ماتت المرأة يقوم الزوج بغسلها قضاء لحقها لأن حق النكاح ثابت من الجانبين، فإذا بقى هذا الحق عليها له بعد موته فليبق لها عليه بعد موتها.
ونقول في التحرير: حق ثبت لأحد الزوجين قبل صاحبه فثبت للآخر قبله.
دليله سائر الحقوق ونعين الوطء في القياس عليه، والتعليل للمس غسلًا.
ونقول أيضًا: المفاقهة أن الميت محل اللمس حلًا وحرمة.
ألا ترى أنه يحل للرجل غسل الرجل ولمسه، ولا يحل للمرأة، وكذلك المرأة مع المرأة، وإذا كان محل الحل والحرمة في حق اللمس عمل عقد النكاح في إباحته وعمل التجانب في تحريمه كاللمس والوطء في حال الحياة، وهذا لأن النكاح عامل في إثبات كل حل يقبل الثبوت كالتجانب عامل في كل حرمة تقبل الإثبات.
[ ١ / ٣٢٥ ]
وأما حجتهم:
قالوا: حل اللمس مستفاد بالنكاح فيزول بزواله، دليله حل الوطء. يبينه: أن حل الغسل لابد فيه من سبب ولا سبب هاهنا لأن السبب كان هو النكاح وقد ارتفع، وصار كالعدم، وإنما قلنا ذلك لأن النكاح إنما بقى في محل النكاح والميت ليس بمحل النكاح لأنه جماد.
ولأنه أدنى من البهيمة فيستحيل أن يكون محلًا للنكاح، لأن النكاح ملك فلا يبقى الملك إلا في محل الحياة كملك اليمين، ولا يتصور بقاؤه في الميت.
ويدل عليه أنه يجوز له نكاح أختها وأربع سواها، ولو أن النكاح ارتفع لم يحل لأنه يصير جامعًا بين أختين نكاحًا أو بين خمس نسوة نكاحًا.
قالوا: وتصور فيما لو ماتت المرأة وتزوج هو بأختها في الحال، ثم إنه غسلها يجوز عندكم، وهو يؤدي إلى الجمع بين الأختين استحلالًا في اللمس، وليس كما لو مات الزوج، لأن النكاح هناك قائم لقيام العدة وهذا لأن العدة حق النكاح، وإن أشكل هذا في عدة الطلاق فلا إشكال في عدة الوفاة، لأنه تجب سواء وجد الماء أو لم يوجد.
والنكاح مجموع حقوق: فإذا بقى حق له حكم ببقاء النكاح في ذلك الحق. وأما موته فلا يمنع بقاء النكاح من هذا الوجه، لأنه مالك، والمالك يجوز أن يبقى له الملك بعد موته، بدليل ما لو كان على إنسان دين ومات تبقى تركته على ملكه لحقه، ولأنا نجعل ملكه لوارثه على طريق الخلافة، وفي جعل الملك للوارث على طريق الخلافة (وفي جعل الملك للوارث على طريق الخلافة) إبقاء الملك للميت من وجه وهذا يستقيم في ملك اليمين لأنه يقبل الخلافة فيه.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وأما ملك النكاح لا يقبل الخلافة فبقى للزوج وظهر عمله فيما يمكن إظهار عمله إلا أنه يبقى ما بقيت العدة، فإذا ذهبت العدة وحكم بانقطاع فراش النسب، وحلت للأزواج لم يتصور بقاء النكاح.
قالوا: وأما قولهم إن الميت محل الحل والحرمة في اللمس، فليس كذلك، وقد خرج بالموت عن محلية مثل هذه الأشياء، وإنما حل الغسل لضرورة ولولا الضرورة لم يحل والنكاح عقد استحلال فإذا لم يكن الميت محلًا للحل بحال لم يتصورها بقاء النكاح المعقود للحل.
الجواب:
إن قولهم: «إن النكاح ارتفع بموتها».
قلنا: وقد ارتفع بموته فكما ينافي محلية النكاح منكوحًا ينافي محلية النكاح ناكحًا ولا يتصور، ولا يعقل ميت ناكح فلم يعقل أيضًا بقاء النكاح له بعد موته.
وأما العدة فتعبد شرعي وجب لإظهار حرمة نكاح سبق عقده مثل الشهادة تعبد شرعي وجب لإظهار حرمة نكاح عقده.
فإن قالوا: أبحنا الغسل لنفس العدة، وهي علقة عظيمة، ولأنها وجبت بالنكاح السابق ولم توجد هذه العلقة إذا ماتت.
قلنا: إذا طلقها ثلاثًا في المرض وماتت عقيبه وهي في العدة لا يطلق لها الغسل والعدة موجودة.
يبينه أن العدة عندهم حق النكاح سواء كانت واجبة من طلاق أو وفاة والتمسك بجانب الزوج في نهاية القوة.
وأما المعنى الذي بيناه فهو صحيح أيضًا يمكن الاعتماد عليه.
[ ١ / ٣٢٧ ]
وقولهم: «إنه ليس بمحل الحل».
قلنا: قد بينا المحلية.
وقولهم: «إنه جاز للضرورة».
قلنا: شرع الغسل لا يقال له ضرورة إنما يقال: بقاء حل لإقامة شرع، وبقاء الحل لإقامة الشرع لا يسمى ضرورة مثل الحل في حال النكاح لا يقال ضرورة لأجل الوطء، وعلى هذا نقول: إن النكاح إما أن يحكم ببقائه حكمًا في هذا الحكم الخاص بدليل قام عليه، أو يقال أن النكاح قد ارتفع ولكن عمل في إثبات هذا الحكم بعد الموت لأنه لا يوجد إلا بعد الموت كما عمل في إثبات الإرث بعد الموت، لأنه لا يوجد إلا بعد الموت وهذا كلام معتمد فليعمل به، والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
[ ١ / ٣٢٨ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء الثاني
ويشمل: باب الزكاة والصوم والحج
الاصطلام
في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة
رحمهما الله
[ ٢ / ٢٩١ ]
/
[ ٢ / ٢٩٢ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله .. نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد ..
فهذا هو الجزء الثاني من كتاب «الاصطلام» لأبي المظفر السمعاني وهو يشتمل على كتاب الزكاة والصوم والحج، وقد سبق أن حققت الجزء الأول منه ولاقى إقبالًا كبيرًا من المهتمين بهذا الفن ألا وهو فقه الأحكام.
وبهذا الجزء تم ربع العبادات، ويتلوه- إن شاء الله- الربع الثاني من الكتاب وهو ربع المعاملات ويبدأ بكتاب البيوع، وسنحاول إخراجه في أقرب وقت نظرًا لرغبة الإخوان في الاطلاع عليه والاستفادة منه، أعان الله على إكماله بمنه وكرمه، ورحم الله علماءنا الذين خلفوا لنا هذا التراث العظيم الذي لا يوجد مثله عند أمة من الأمم.
وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه .. والحمد لله أولًا وآخرًا.
المحقق
د. نايف بن نافع العمري
* * *
[ ٢ / ٢٩٣ ]