وعندهم: بعد السلام.
لنا:
حديث الزهري عن الأعرج عن عبد الله بن بحينة أن النبي عليه
[ ١ / ٢٦٣ ]
السلام قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلا أتم صلاته سجد سجدة السهو فكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسى من الجلوس قال: «وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف».
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﵇ قال: «إذا شك أحدكم فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم».
[ ١ / ٢٦٤ ]
ولهم في المسألة من حيث الأخبار:
حديث شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله أن النبي ﵇ صلى الظهر خمسًا فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فسجد سجدتين بعد ما سلم».
وروى أيضًا ابن مسعود أن النبي ﵇ قال: «إذا شك أحدكم فلم يدر أثلاثًا أم أربعًا فليتحرى أقرب ذلك إلى الصواب ثم ليتم عليه ثم يسلم ثم يسجد سجدتين».
[ ١ / ٢٦٥ ]
ويدل عليه حديث ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﵇ سجدهما بعد السلام، وهذا في حديث ذي اليدين.
ونحن نقول: إن أخبارنا أولى، لأنها ناسخة لغيرها من الأخبار فإنه روى عن الزهري قال: كان آخر الأمرين من النبي ﵇ فعل سجدتي السهو قبل السلام.
وروى يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم أن أبا هريرة،
[ ١ / ٢٦٦ ]
والسائب القاري كانا يسجدان سجدتي السهو قبل السلام.
وأبو هريرة الراوي لخبرهم المشهور المعروف وهو خبر ذي اليدين، دل أنه إنما خالف، لأنه عرف أن خبرهم منسوخ.
وقد قال بعض أصحابنا: إن معنى قوله: «بعد السلام» أي بعد التشهد ويجوز أن يسمى التشهد سلامًا لاشتماله على السلام، مثل الصلاة تسمى قراءة لاشتمالها على القراءة.
والجواب الأول أمثل، ولأن سجدتي السهو جزء من الصلاة فليس فعله قبل السلام دليله سائر الأجزاء، ويمكن أن يقال: سجدة مشروعة لإتمام الصلاة فصارت كالسجدة الأصلية.
وإنما قلنا: «لإتمام الصلاة»، لأنه قائم مقام ما تركه يوجب نقصانًا في الصلاة فيكون فعله إتمامًا لها.
يدل عليه أن ما أنجبر به الشيء يصير منه بدليل الحسبات، فإذا أنجبر سجدتي السهو الصلاة صارتا من الصلاة، ولهذا المعنى حكموا بالعودة إلى الصلاة عند فعل السجدتين فإذا ثبت أنهما من الصلاة أخر عنهما السلام مثل ما يؤخر عن سائر أفعال الصلاة.
وأما حجتهم من حيث المعنى:
قالوا: (ما قبل السلام جزء من الصلاة والسهو فيه يوجب سجدتي
[ ١ / ٢٦٧ ]
السهو لولا السهو الأول فوجب سجود سجدتي السهو عنه دليله ما قبله.
وهذا لأن سجدتي السهو يجبان بالسهو فأخرتا عن موضعها، لأنا لا نأمن سهوًا آخر بعده فيلزمه مرة أخرى، والموجود يجبر ما قبله لا ما بعده والشرع لم يأت بالتكرار فأخرتا سجدتي السهو ليجبر بهما كل سهو في الصلاة وذلك لا يحصل إلا بالتأخير عن السلام).
فصار الحرف/ لهم أن كل جزء يتصور فيه السهو ووجب سجدتا السهو به يجب تأخير السلام عنه لما بينا، ولا يدخل على هذا بعد السلام لأنه لا تجب سجدتا السهو في هذه الحالة.
وهذا لأنه لا سهو بعد السلام حقيقة، فإنا إذا قدرنا أنه لا سهو قبله ولا يكون في الصلاة أصلًا، ومع السهو الأول يكون البقاء في الصلاة بسبب السهو لا غير حتى لولاه لكان خارجًا من الصلاة فيكون السهو الثاني إذا قدرنا وجوده بعد السلام حاصلًا فيما هو جبرًا لصلاة على التمحص ولا يجب جبر آخر لأنه سهو شرع لجبر الصلاة لا لجبر جبر الصلاة.
قالوا: وقولكم: «إن الجبر شرع في الصلاة».
(فعندما حرمة الصلاة لا تنقطع بالسلام ولا يسجد إلا وهو في الصلاة وإنما قدمنا السلام ليمتاز الجبر عن نفس الصلاة).
الجواب:
إن قولهم: «إن ما قبل السلام جزء من الصلاة» على ما زعموا.
قلنا: ما قبل السلام هو زمان فعل سجدتي السهو، وزمان فعل
[ ١ / ٢٦٨ ]
سجدتي السهو لا يوجب سجود السهو، وهو كما بعد السلام على أصله، فإنه عاد إلى الصلاة عندهم ولا يجب سجود السهو بالسهو الحاصل فيه.
فإن قالوا: «يعود إلى حرمة الصلاة لا إلى الصلاة».
قلنا: مذهبهم هو العود إلى الصلاة، وعلى أنه لا يعرف حرمة الصلاة بلا صلاة، نقول في الفرق بين الجزء الذي قبل السلام وبين سائر الأجزاء: إن في سائر أجزاء الصلاة يمكن تأخير السجود عنها فأخرنا لما ذكروا، وأما الجزء الذي قبل السلام فلا يمكن تأخير السجود عنه، لأنه إذا أخر سلم، وهذا سلام محلل من الصلاة، وإذا فعل في موضعه فيوجب الخروج منها وبعد الخروج من الصلاة لا يتصور جبر الصلاة، ولا يمكن أن يقال إنه يعود إلى الصلاة بالسجود، لأن الخروج من الصلاة إذا تحقق بالسلام المشروع للتحلل لا يتصور العود إليها إلا بتحريمة جديدة واستئناف الصلاة.
فثبت أن في سائر الأجزاء يمكن التأخير، وفي هذا الجزء لا يمكن التأخير لما بينا. وسقط قولهم: «إنه وقت السهو» لأنهم إن قالوا: قبل أن يسجد، فذاك زمان لا سجود فيه فهو كسائر أزمان الصلاة، فإن قالوا: بعد أن سجد، فهو ليس بزمان السهو، إنما هو زمان سجود السهو، وزمان سجود السهو لا يكون زمان السهو، مثل قولهم ذلك فيما بعد السلام، ثم الدليل على الفرق بين سائر الأجزاء وبين هذا الجزء وعلى الأصلين. أما على أصلنا فظاهر، وأما على أصلكم فلأنه لو سجد قبيل السلام فإنه يقع به الاعتداد وإن لم يسن فعله، وأما إذا سجد في سائر أزمان الصلاة قبل هذا الزمان فإنه لا يقع به الاعتداد، فتبين الفرق بين الحالين، وسقط ما قالوه جملة».
* * *
[ ١ / ٢٦٩ ]