وأما الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة: ففيه ثلاث مسائل:
الأولى: إذا كانت النجاسة تجري مع الماء بجرية لا تنفك عنه، فإن الماء الذي قبل النجاسة طاهر؛ لأنه لم يصل إلى النجاسة، والماء الذي بعد النجاسة طاهر أيضًا؛ لأن النجاسة لم تصل إليه.
[ ١ / ٣٨ ]
وأما الجرية التي فيها النجاسة - وهي ما بين حافتي النهر في العرض عن يمينها وشمالها مما يحيط بها -: فإن كان متغيرًا بالنجاسة.. فهو نجس، قليلًا كان أو كثيرًا لتغيره بالنجاسة.
وإن كان غير متغير بها، فإن كان الماء قلتين، أو أكثر.. فهو طاهر كالراكد، هكذا نقل أصحابنا البغداديون، وقال الخراسانيون: هي على قولين:
أحدهما: أنه طاهر.
والثاني: أنه نجس.
والفرق بين الراكد والجاري في أحد القولين: أن الراكد يتراد بعضه على بعض، فيدفع النجاسة عن نفسه عند الكثرة، والجاري لا يتراد بعضه على بعض، فلم يكن للكثرة حكم، والأول هو المشهور، وعليه التفريع.
وإن كانت الجرية أقل من قلتين.. ففيه قولان، حكاهما ابن القاص، والقاضي أبو الطيب:
[أحدهما]: قال في القديم: (هو طاهر؛ لأنه ماء وارد على النجاسة، فلم ينجس من غير تغيير، كالماء المزال به النجاسة) .
و[الثاني]: قال في الجديد: (هو نجس، وهو الأصح؛ لأنه ماء قليل لاقى نجاسة لا حاجة إلى ملاقاته لها، فحكم بنجاسته كالراكد) . وفيه احتراز من الماء المزال به النجاسة.
المسألة الثانية: إذا كانت النجاسة واقفة، والماء يجري عليها.. فالماء الذي قبل النجاسة طاهر، والماء الذي بعد النجاسة مما لم يمر على النجاسة طاهر أيضًا؛ لما ذكرناه في التي قبلها.
وأما الجرية التي فوق النجاسة: فإن كانت متغيرة بالنجاسة.. فهي نجسة.
[ ١ / ٣٩ ]
وإن كانت غير متغيرة، فإن كان الماء قلتين فأكثر.. فهو طاهر قولًا واحدًا، على طريقة البغداديين، وعلى طريقة الخراسانيين على قولين.
وإن كان الماء أقل من قلتين.. فعلى القولين اللذين حكاهما ابن القاص والقاضي أبو الطيب.
فإن كانت الجرية أقل من قلتين وقلنا: إنها نجسة، لم تطهر حتى تركد في موضع وتبلغ قلتين.
قال ابن سريج: فإن مرت هذه الجرية على ماء راكد، وكانت الجرية كدرة، والراكد صافيًا، فبلغا قلتين، كان الجميع طاهرًا؛ لأن الاعتبار باجتماع الماء الكثير في موضع واحد، ولا اعتبار باختلاطه بحيث لا يتميز.
فإن تباعد رجل عن موضع النجاسة الراكدة، واستعمل من هذه الجرية من ماء قد مر على النجاسة الراكدة قبل أن يبلغ القلتين في عرض النهر؛ إلا أنه يبلغ قلتين بطول النهر من حيث استعمل إلى موضع النجاسة، ففيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو إسحاق، وابن القاص، والقاضي أبو حامد: يجوز؛ لأن بينه وبين النجاسة قلتين.
و[الثاني]: قال عامة أصحابنا: لا يجوز، وهو الأصح؛ لأنه استعمل من ماء قد مر على النجاسة قبل أن يبلغ قلتين، وكل جرية لها حكم نفسها.
المسألة الثالثة: إذا كان في الماء الجاري موضع منخفض زائل عن سمت الجري، فركد فيه الماء، فوقع في الراكد نجاسة قائمة.. فإن الماء الذي قبل الموضع المنخفض طاهر، وكذلك الماء الجاري بعد الموضع المنخفض قبل وصول ماء النجاسة إليه، طاهر.
[ ١ / ٤٠ ]
وأما الماء الذي في الموضع المنخفض، والجرية التي تجري بجنبه: فإن كانا متغيرين بالنجاسة.. فهما نجسان، وإن كانا غير متغيرين فإن بلغا جميعًا قلتين.. فهما طاهران، وإن كانا دون القلتين.. فهما نجسان، هكذا ذكره جماعة من أصحابنا.
وذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق ": إذا كان الماء الراكد أقل من قلتين، وفيه نجاسة ولم يتغير.. نظرت في الماء الجاري:
فإن دخل على الراكد وخرج منه من الجانب الآخر، فإن بلغا قلتين.. فهما طاهران وإن كانا دون القلتين.. فهما نجسان.
وإن كان الجاري لا يدخل إلى الراكد، ولكن يجري على سمته، فإن كان الجاري أقل من قلتين.. نجس؛ لأنه ملاصق ماء نجسًا، وإن كان قلتين.. لم ينجس؛ لأنه ماء كثير.
قال الشافعي - ﵀ -: (ولا يطهر به ذلك الراكد؛ لأنه يفارقه، وما فارق الشيء.. فليس معه) .
وإن كان الراكد متغيرًا بالنجاسة، والجاري بجنبه قلتان غير متغير.. فقد تقدم ذكره عن ابن الصباغ: أن الجرية تنجس ما دامت محاذية للراكد، فإذا انفصلتا عنه.. حكم بطهارتهما.