]: قال الشافعي - ﵀ - في [" الأم ١/٨"]: (ولا أكره في الأواني إلا الذهب والفضة) .
وجملة ذلك: أن الأواني على ضربين: متخذة من جنس الأثمان، ومتخذة من غير جنس الأثمان.
فأما المتخذة من جنس الأثمان: وهي آنية الذهب والفضة.. فيكره استعمالها للرجال والنساء في الشراب والأكل والبخور والوضوء، وغير ذلك من وجوه الاستعمال وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وعامة أهل العلم.
وقال داود، وأهل الظاهر: (لا يكره غير الشرب وحده) .
دليلنا: ما وري: «أن النبي - ﷺ - نهى عن استعمال أواني الذهب والفضة» . ولم يفرق بين الشرب وغيره.
[ ١ / ٨٠ ]
إذا ثبت هذا: فهل هو كراهة تنزيه، أو تحريم؟ فيه قولان:
[الأول]: قال في القديم: (يكره كراهة تنزيه لا تحريم؛ لأنه إنما نهى عن ذلك، لما يلحق من ذلك من السرف والخيلاء وإغاظة الفقراء، وهذا لا يوجب التحريم) .
و[الثاني]: قال في الجديد: (يكره كراهة تحريم)، وهو الصحيح؛ لما روت أم سلمة: أن النبي - ﷺ - قال: «الذي يشرب في آنية الفضة.. إنما يجرجر في جوفه نار جهنم» . وهذا وعيد يقتضي التحريم.
و(الجرجرة): حكاية الصوت، يقال: جرجر فلان الماء في حلقه: إذا جرعه جرعًا متتابعًا يسمع له صوت، وجرجر الفحل في هديره: إذا ردده في شقشقته، قال الشاعر:
وهو إذا جرجر بعد الهب جرجر من حنجرة كالخب
وهامة كالمجل المنكب
قال أصحابنا الخراسانيون: وهل يحرم استعمال آنية الذهب والفضة للزينة والفخر، أو لعين الذهب والفضة؟ فيه قولان.
وفائدة ذلك: لو اتخذ إناء من ذهب أو فضة، وغشاه رصاصًا، فإن قلنا: حرم
[ ١ / ٨١ ]
لأجل الزينة والفخر.. جاز، وإن قلنا: حرم لأجل الذهب والفضة.. لم يجز.
وإن اتخذ إناء من رصاص أو نحاس وموهه بذهب أو فضة فإن قلنا: حرم لأجل الزينة والفخر.. لم يجز استعماله وإن قلنا: حرم لعين الذهب والفضة جاز هاهنا.
فإن أكل من آنية الذهب والفضة، أو شرب منها، أو توضأ.. لم يحرم المأكول والمشروب، وصح وضوؤه؛ لأن المنع لمعنى يعود إلى الإناء لا إلى ما في الإناء، فهو كما لو توضأ بماء مغصوب، أو صلى في دار مغصوبة، بخلاف ما لو توضأ بماء نجس، أو صلى في ثوب نجس.. فإن ذلك لا يصح؛ لأن النهي يرجع إلى معنى في الماء والثوب.
فإن قلنا: لا يحرم استعمال أواني الذهب والفضة.. جاز اتخاذها. وإن قلنا: يحرم استعمالها.. فهل يجوز اتخاذها؟
من أصحابنا من قال: فيه وجهان.
ومنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: يجوز؛ لأن فيه إحراز المال، ولأن الشرع إنما ورد بتحريم الاستعمال دون الاتخاذ.
والثاني: لا يجوز، وهو الأصح؛ لأن ما لا يجوز استعماله لا يجوز اتخاذه، كالملاهي.
قال المحاملي: ولأنه لا خلاف - على مذهبنا - أن الزكاة تجب فيها، فلو كان اتخاذها مباحًا.. لسقطت عنها في أحد القولين، كالحلي المباح.
فإذا قلنا: يجوز اتخاذها.. جاز الاستئجار على عملها. وإن كسر على غيره إناء من ذهب أو فضة.. وجب عليه ما نقصت قيمته بالكسر.
وإن قلنا: لا يجوز اتخاذها.. لم تصح الإجارة على عملها، وإن كسر على غيره إناء منها.. لم يجب عليه ضمان ما نقص بالكسر.
[ ١ / ٨٢ ]
وأما الآنية المتخذة من غير الأثمان: فضربان: نفيس، وغير نفيس.
فأما النفيس: فما اتخذ من البلور والفيروزج، فإن قلنا: لا يحرم استعمال آنية الذهب وآنية الفضة.. فهذه أولى.
وإن قلنا: يحرم استعمال آنية الذهب والفضة.. ففي هذه قولان:
[الأول] روى حرملة: (أنه لا يجوز؛ لأن فيه سرفًا، فأشبه آنية الذهب والفضة) .
و[الثاني] روى الربيع، والمزني: (أنه يجوز؛ لأن السرف فيها غير ظاهر؛ لأنه لا يعرفها إلا خواص الناس، فلا يؤدي استعمالها إلى افتتان الناس، بخلاف آنية الذهب والفضة) .
وأما الأواني المتخذة من العود الطيب المرتفع، والكافور، والمصاعد، والعنبر.. فهل يجوز استعمالها؟
قال الشاشي: فيه قولان، كالبلور، والفيروزج.
فإذا قلنا: يجوز استعمال هذه الآنية.. جاز اتخاذها، وإن قلنا: لا يجوز استعمالها.. فهل يجوز اتخاذها؟ فيه وجهان، بناء على ما ذكرناه في آنية الذهب والفضة.
[ ١ / ٨٣ ]
أما الآنية المتخذة مما ليس بنفيس: فإن كانت صنعتها نفيسة، كالآنية المخروطة من الزجاج، وأواني الصفر المنقوش.. فهل يجوز استعمالها؟
أومأ صاحب " الفروع " فيها إلى وجهين، الصحيح: أنه يجوز.
وإن كانت صنعتها غير نفيسة، أو كان ذلك من المدر، أو ما أشبهه.. جاز استعمالها واتخاذها؛ لأنه لا سرف في ذلك.