قال الشافعي - ﵀ -: (ثم يغرف بيده اليمنى غرفة لفيه وأنفه) .
وإنما قال: (بيمينه)؛ لأن اليمين مما يرجى أن يؤخذ بها الكتاب يوم القيامة، فقدمت في أعمال البر.
و(الغرفة) - بضم الغين - اسم للماء الذي يكون بكفه، وبفتح الغين: مصدر غرف، يغرف، غرفة.
وجملة ذلك: أن المضمضة والاستنشاق.. مشروعان في الطهارة؛ لما روي: أن النبي - ﷺ - قال: «ما منكم من أحد يقرب وضوءه، ثم يتمضمض، ثم يستنشق، ثم يستنثر.. إلا خرجت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء» .
قال الشافعي: (والمضمضة: أن يأخذ الماء في فمه، ويديره فيه، ثم يمجه، فإن مجه ولم يدره في الفم.. لم يعتد به)؛ لأن القصد قطع الرائحة من الفم، وإزالة تغيره، وهذا لا يوجد من غير إدارة. هكذا ذكره الشيخ أبو حامد في " التعليق ".
و(الاستنشاق): أن يجعل الماء في أنفه، ويجذبه بنفسه إلى خياشيمه، ويستنثره. والمستحب: أن يبالغ فيهما إلا أن يكون صائمًا.. فيرفق؛ لقوله - ﷺ - للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» .
[ ١ / ١١١ ]
وهل يسن الجمع بينهما، أو الفصل؟ فيه قولان:
[أحدهما]: روى المزني: (أنه يجمع بينهما) وقد نص عليه في " الأم " [١/٢١]؛ لما روي: أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وصف وضوء رسول الله - ﷺ -: «فتمضمض مع الاستنشاق بماء واحد» .
و[الثاني]: قال في " البويطي ": (يفصل بينهما) قال المحاملي: وهو الأصح؛ لما روى طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - يفصل بين المضمضة والاستنشاق»؛ ولأنه أبلغ في النظافة، وأشبه بأعضاء الطهارة، فكان أولى.
واختلف أصحابنا في كيفية الجمع، والفصل:
فقال الشيخ أبو حامد: (الجمع): هو أن يغرف غرفة واحدة، فيتمضمض ويستنشق منها ثلاثًا، يجمع في كل مرة بينهما.
وأما (الفصل): فيغرف غرفة، فيتمضمض منها ثلاثًا، ثم يأخذ غرفة ثانية، فيستنشق منها ثلاثًا.
قال القاضي أبو حامد المروروذي، وأبو يعقوب الأبيوردي: (الجمع) هو: أن يأخذ غرفة فيتمضمض منها ويستنشق، ثم يأخذ غرفة ثانية يفعل بها كذلك، ثم يأخذ غرفة ثالثة يفعل بها كذلك.
و(الفصل): أن يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة، وثلاث غرفات للاستنشاق.
[ ١ / ١١٢ ]
وما قاله الشيخ أبو حامد أشبه بكلام الشافعي - ﵀ -؛ لأنه قال في الجمع: (يغرف غرفة لفيه وأنفه)، وهذا لا يوجد إلا على ما قاله الشيخ أبو حامد، إلا أن ما ذكره القاضي أبو حامد أمكن وأثبت.
إذا ثبت هذا: فإن المضمضة والاستنشاق.. سنة في الوضوء وغسل الجنابة، وهو قول مالك.
وقال ابن أبي ليلى، وإسحاق: هما واجبان في الوضوء، والغسل.
وقال أحمد، وداود: (الاستنشاق واجب فيهما دون المضمضة) .
وقال الثوري، وأبو حنيفة: (هما واجبان في الغسل، سنتان في الوضوء) .
دليلنا: ما روت عائشة - ﵂ -: أن النبي - ﷺ - قال: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والمضمضة، والاستنشاق، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء» .
فجعل المضمضة والاستنشاق مع هذه المسنونات، فدل على أن حكم الجميع واحد، وروي: أن النبي - ﷺ - قال للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله» . وليس فيما أمره الله: المضمضة والاستنشاق.
وعلى أبي حنيفة -: قوله - ﷺ - لأم سلمة: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضي عليك الماء» . ولأنه عضو باطن دونه حائل معتاد، فلم يجب غسله كالعين.
[ ١ / ١١٣ ]