قال الشافعي - ﵀ -: (ولا بأس بالتوضؤ من ماء مشرك، وبفضل وضوئه) .
وجملة ذلك: أن المشركين على ضربين:
ضرب: لا يتدينون باستعمال النجاسة. وضرب: يتدينون باستعمال النجاسة.
فأما الذين لا يتدينون باستعمال النجاسة، كاليهود والنصارى: فما تحقق طهارته من ثيابهم وأوانيهم.. فيجوز استعماله ولا يكره. وما تحقق نجاسته.. فلا يجوز استعماله. وما شك فيه من أوانيهم وثيابهم.. فيكره استعماله؛ لما «روى أبو ثعلبة قال: قلت: يا رسول الله، إنا بأرض أهل الكتاب، ونأكل في آنيتهم؟ فقال - ﷺ -: لا تأكلوا في آنيتهم، إلا إن لم تجدوا عنها بدًا.. فاغسلوها بالماء ثم كلوا فيها» .
قال الشافعي - ﵀ -: (أنا لسراويلاتهم، وما يلي أسافلهم أشد كراهية) .
فإن توضأ بشيء من آنيتهم، أو صلى في شيء من ثيابهم، مما لم يتحقق نجاسته قبل الغسل.. صح.
وقال أحمد: (لا يصح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] [التوبة: ٢٨] .
دليلنا: ما روي: «أن النبي - ﷺ - توضأ من مزادة مشركة» . و(المزادة): الراوية. وروي: «أن النبي - ﷺ - أضافه وثني، فسقاه لبنًا فشربه، ولم يأمر بغسل ما سقاه فيه» .
و: (توضأ عمر - ﵁ - من ماء في جرة نصرانية) .
[ ١ / ٨٧ ]
وأما قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] [التوبة: ٢٨] . فأراد: نجس الأديان، لا الأبدان والثياب والأواني.
وأما الذين يتدينون باستعمال النجاسة، وهم المجوس؛ لأنهم يتطهرون بالبول، ويتقربون بأرواث البقر.. فهل يجوز استعمال أوانيهم وثيابهم، التي لم تعلم طهارتها، ولا نجاستها قبل غسلها؟ فيه وجهان:
أحدهما: قال أبو إسحاق: لا يجوز قبل غسلها. وهو قول أحمد، وإسحاق؛ لأنهم يتدينون باستعمال النجاسة، فالظاهر من أوانيهم وثيابهم النجاسة.
والثاني: قال أبو علي بن أبي هريرة: يجوز، وهو المذهب، وبه قال مالك، وأبو حنيفة؛ لأن الأصل فيها الطهارة.
قال ابن الصباغ: وهكذا الوجهان في الطين في الطرق.
وهذا إنما هو في آنيتهم وثيابهم التي يستعملونها. فأما أوانيهم وثيابهم التي لا يستعملونها.. فإنها كآنية اليهود والنصارى، وقد مضى ذكرها.
ويستحب تغطية الإناء؛ لما روي: «أن النبي - ﷺ - أمر بتغطية الوضوء، وإيكاء السقاء» . ولأنه أحوط.
وبالله التوفيق.
[ ١ / ٨٨ ]