روى المزني، والربيع بن سليمان المرادي، وحرملة والبويطي عن الشافعي - ﵀ -: (أن الصوف، والشعر، والقرن، والعظم، والظلف، والظفر.. فيها روح، وتلحقها نجاسة الموت) .
وأما شعر الآدمي: فإن قلنا: إن ابن آدم لا ينجس بالموت.. فشعره طاهر بكل حال.
وإن قلنا: إنه ينجس بالموت.. فعلى هذه الرواية: ينجس شعر ابن آدم بموته، وكذلك ما ينفصل من شعره في حياته.
[ ١ / ٧٤ ]
وروى إبراهيم البلدي، عن المزني: أن الشافعي رجع عن تنجيس شعور بني آدم.
واختلف أصحابنا في ذلك:
فمنهم: من لم يثبت هذه الرواية، وقال: ينجس الشعر بالموت قولًا واحدًا.
ومنهم: من أثبتها، وهو الصحيح. واختلفوا فيها:
فمنهم من قال: إنما رجع الشافعي عن تنجيس شعر بني آدم؛ لأنه ثبت عنده أن الشعر والصوف والوبر لا روح فيه، فيكون في الشعور قولان:
أحدهما: لا روح فيها، ولا تنجس بالموت، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق، والثوري، والمزني، لقوله - ﷺ -: «لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، ولا بأي بصوفها وشعرها إذا غسل بالماء»؛ ولأنه لو كان فيه روح.. لكان نجس بالقطع، كالأعضاء.
فعلى هذا: لا يوجد شعر نجس العين إلا شعر الكلب والخنزير، وما تولد منهما، أو من أحدهما، وقد حكى فيه بعض أصحابنا الخراسانيين وجهًا آخر: أنه كسائر الشعور في الطهارة على هذا.
والقول الثاني: أن الشعور تحلها الروح، وتنجس بالموت. قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح الذي به نفتي، وعليه نناظر، وبه قال عطاء، والحسن، والأوزاعي، والليث.
ووجهه: قوله - ﷺ - في شاة ميمونة - ﵂ -: «هلا أخذتم إهابها، فدبغتموه، فانتفعتم به» فلو جاز الانتفاع بالشعر.. لبين، كما بين في الجلد؛
[ ١ / ٧٥ ]
لأنه متصل بالحيوان اتصال خلقة، فينجس بالموت كالأعضاء.
فقولنا: (اتصال خلقة) احتراز من الحمل والبيض.
وأما الخبر الأول: فرواه يوسف بن السفر، وهو ضعيف.
وقولهم: إنه لا يحس.. يبطل بما غلظ من العقب؛ ولأن النعامة تبتلع الصنجة المحماة، ولا تحس بذلك. وفيها روح.
فعلى هذا: إذا دبغ جلد الميتة، وعليه شعر، ولم ينفصل الشعر عنه.. فهل يحكم بطهارته؟ فيه قولان:
أحدهما: قاله في " الأم " [١/٨]: (لا يطهر؛ لأن الدباغ لا يؤثر فيه، فلم يؤثر في تطهيره) .
والثاني - رواه الربيع بن سليمان الجيزي عنه -: (أنه يطهر؛ لأنه شعر نابت على جلد طاهر، فكان طاهرًا؛ كشعر الحيوان الطاهر في حال الحياة، أو بعد الذكاة) .
ومن أصحابنا من جعل رجوع الشافعي - ﵀ - عن تنجيس شعر بني آدم رجوعًا عن تنجيس شعر بني آدم لا غير، فقال: ينجس شعر غير بني آدم بالموت قولًا واحدًا، وفي شعر الآدمي، قولان:
أحدهما: ينجس بموته، كما ينجس شعر غيره بموته.
فعلى هذا: ينجس منه ما انفصل عنه في حياته أيضًا.
والثاني: لا ينجس؛ لأن الله ﷾ قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] [الإسراء: ٧٠] .
ومن تكريمه ألا ينجس شعره، ولهذا أحل لبن ابن آدم، وإن كان غير مأكول اللحم.
[ ١ / ٧٦ ]
فعلى هذا: يحكم بطهارته بعد موته، وبطهارة ما انفصل من شعره في حياته.
وأما شعر النبي - ﷺ -: فإن قلنا: إن شعر غيره من بني آدم طاهر.. فشعره أولى بالطهارة، وإن قلنا: إن شعر غيره من بني آدم نجس.. ففي شعره - ﷺ - وجهان:
أحدهما - وهو اختيار صاحب " الفروع " -: أنه ليس بنجس؛ (لأن النبي - ﷺ - لما حلق شعره بـ: منى.. ناوله أبا طلحة، ففرقه على الصحابة) . فلو كان نجسًا.. لم يفرقه عليهم.
والثاني: أنه نجس!! وهو اختيار المحاملي؛ لأنه شعر آدمي، فكان نجسًا، كشعر غيره من الآدميين.
وأما بول النبي - ﷺ -: وغائطه، ودمه: فالبغداديون من أصحابنا قالوا: هو نجس وجهًا واحدًا، والخراسانيون قالوا: هو على وجهين كشعره لـ: (أن أبا طيبة شرب دم النبي - ﷺ -) . و(حسا ابن الزبير دمه تبركًا به - ﷺ -)، ولم ينكر عليه.
[ ١ / ٧٧ ]
و(شربت أم أيمن بوله - ﷺ - لوجع كان في بطنها فبرئت) .
فإذا قلنا: إن شعر ابن آدم نجس.. فإنه يعفى عن قليله؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه، فهو كدم البراغيث. قال ابن الصباغ: من أصحابنا من فسر ذلك بالشعرة والشعرتين في الماء والثوب.