وأما الماء المشمس: فإن لم يقصد إلى تشميسه.. لم تكره الطهارة به؛ لأنه لا يمكن صون الماء عن الشمس، وإن قصد إلى تشميسه.. فهل تكره الطهارة به؟ فيه خمسة أوجه:
أحدهما - وهو المنصوص - (أنه يكره)؛ لما روي: «أن عائشة - ﵂ - سخنت ماء بالشمس، فقال لها النبي - ﷺ -: "يا حميراء، لا تفعلي هذا، فإنه يورث البرص»، تقول العرب: امرأة حميراء أي: بيضاء. وروي: أن عمر - ﵁ - كان ينهى عن الماء المشمس، وقال: (إنه يورث البرص)، فذكر أن رجلًا عانده في ذلك، وكان يتطهر به، فما مات حتى أصابه البرص.
[ ١ / ١٣ ]
وسواء شمس بالحجارة أو النحاس أو الزجاج، وفي الإناء المغطى والمكشوف.. فإنه يكره.
والوجه الثاني: لا يكره بحال، وهو قول أبو حنيفة، كما لا يكره ما تشمس بنفسه في البرك والأنهار.
والثالث: إن شمس في البلاد الحارة في آنية الصفر.. كره؛ لأنه يورث البرص، وإن شمس بغير ذلك.. لم يكره؛ لأنه لا يورث البرص.
والرابع - حكاه الشاشي - يكره في البدن، دون الثوب.
والخامس - حكاه أيضًا - إن قال عدلان من أهل الطب: إنه لا يورث البرص.. فلا يكره، وإن قال يورث.. كره، وهذا ضعيف؛ لأن النبي - ﷺ - قد أخبر أنه يورث البرص، فلا معنى للرجوع إلى قول أهل الطب.
فإن قلنا: يكره، فبرد الماء المشمس.. فهل تزول كراهة الطهارة به؟
سمعت بعض شيوخي يحكي فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: تزول الكراهة، لزوال التشميس.
والثاني: لا تزول الكراهة؛ لأنه لا يزول عنه اسم التشميس.
والثالث: يرجع إلى عدلين من أطباء المسلمين، فإن قالا: لا يورث البرص.. زالت الكراهة، وإن قال: يورث.. كره؛ لأن العلة في كراهته خوف البرص، فرجع إليهم في ذلك بعد التبريد.
فإن توضأ بالماء المشمس.. ارتفع حدثه؛ لأن المنع منه لخوف البرص، فلم يمنع صحة الطهارة، كما لو توضأ بماء حار أو بارد يخاف منه.