وإن وقعت في الماء نجاسة يدركها الطرف، من بول، أو خمر، أو ميتة لها نفس سائلة ولم تغيره، فإن كان راكدًا.. نظرت:
فإن كان الماء أقل من قلتين.. نجس، وإن كان قلتين، أو أكثر.. لم ينجس، وروي ذلك عن ابن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأحمد، وإسحاق.
وذهبت طائفة: إلى أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، سواء كان قليلًا، أو كثيرًا. ذهب إليه من الصحابة: ابن عباس، وحذيفة، وأبو هريرة. وبه قال الحسن
[ ١ / ٢٧ ]
البصري، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، وابن أبي ليلى، وجابر بن زيد، ومالك، والأوزاعي، وداود، والثوري، والنخعي، واختاره ابن المنذر، واحتجوا بقوله - ﷺ -: «الماء طهور، لا ينجسه شيء، إلا ما غير طعمه، أو ريحه»، ولم يفرق بين القليل والكثير.
وقال أبو حنيفة: (كل ما وصلت إليه النجاسة، أو غلب على الظن وصول النجاسة إليه.. حكم بنجاسته وإن لم يتغير، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، والطريق إلى معرفة وصولها إليه: إن كان الماء إذا حرك أحد جانبيه، تحرك الجانب الآخر، فإن النجاسة إذا حصلت بأحد جانبيه.. غلب على الظن أنها وصلت إلى الجانب الآخر، وإن كان لا يتحرك الجانب الآخر.. لم يغلب على الظن وصول النجاسة من أحد جانبيه إلى الآخر) .
واحتج بما روي: «أن النبي - ﷺ - نهى عن البول في الماء الراكد»، فلم يفرق بين القليل والكثير، ولا بين المتغير وغير المتغير.
ودليلنا: ما روي أن النبي - ﷺ - قال: «إذا كان الماء قلتين بقلال هجر.. لم يحمل الخبث» أي: لا يقبل حكمه ولا يلتزمه. فدل على أنه إذا كان أقل من قلتين.. حمل الخبث. فإن قيل: فلعله أراد بقوله: " لم يحمل الخبث "، أي: أنه يضعف عن حمله، كما يقال: فلان لا يحمل هذه الخشبة، أي: أنه يضعف عن حملها.. قلنا: الشيء إذا كان عينًا، فقيل: فلان لا يحمله.. فمعناه: أي أنه ضعيف عن حمله،
[ ١ / ٢٨ ]
والخشبة عين. وإذا كان الشيء حكمًا، فقيل: فلان لا يحمله.. فمعناه: أي أنه لا يقبل حكمه، ولا يلتزمه، كما قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ [الجمعة: ٥] [الجمعة: ٥] . فأراد: أنهم حملوا أحكامها، فلم يقبلوها، ولم يلتزموها، لا أنهم يضعفون عن حملها؛ لأن المراد به الحكم، وكذلك النجاسة هي حكم لا عين.
وأما الخبر الذي احتج به مالك: فيحمله على الماء الكثير، بدليل ما ذكرناه.
وأما الخبر الذي احتج به أبو حنيفة: فيحمله على الماء القليل، بدليل خبرنا، فاستعمل الشافعي - ﵀ - الأخبار الثلاثة، وأخذ مالك بواحد من الأخبار الثلاثة، وأسقط اثنين، وكذلك أبو حنيفة أخذ بواحد منها، وأسقط اثنين.
إذا ثبت هذا: فإن هجر - التي تنسب القلال إليها - موضع بقرب المدينة، كان ابتداء عمل القلال بها، فنسبت إليها، ثم عملت بعد بالمدينة.
و(القلة): حب يسع جرارا من الماء، وجمعها: قلال. قال الشاعر:
يمشون حول مكدم قد كدحت متنيه حمل حناتم وقلال
و(الحناتم) - جمع حنتم - وهي: الجرة الكبيرة، ذات عروتين، وهو يصف الحمار.
واختلف أصحابنا في حد القلتين.
فمنهم من قال: هما خمسمائة منًا، وهو ألف رطل بالبغدادي.
وقال أبو عبد الله الزبيري: هما ثلاثمائة منًا، وهو ستمائة رطل بالبغدادي.
[ ١ / ٢٩ ]
وهو قول القفال، واختيار المسعودي [في الإبانة: ق \ ٧] .
وقال الشيخ أبو حامد، وعامة أصحابنا: هما خمسمائة رطل بالبغدادي، وهو المنصوص؛ لأن ابن جريج قال: رأيت قلال هجر، فرأيت القلة منها تسع قربتين، أو قربتين وشيئًا.
قال الشافعي - ﵀ -: (والاحتياط أن تجعل قربتين ونصفًا) .
قال الشافعي: (والقربة بالحجاز، تسعمائة رطل)، فصار ذلك خمسمائة رطل، وهل ذلك تحديد أو تقريب؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: هو تقريب، فإن نقص منه رطلان أو ثلاثة أو ما أشبه ذلك، لم يؤثر نقصانه؛ لأن الشيء قد يستعمل فيما دون النصف في العادة، ولهذا يقال في الشيئين وأكثر من نصف الثالث: ثلاثة إلا شيئًا.
و[الثاني]: قال أبو إسحاق: هو تحديد، فإن نقص منه نصف رطل، وما أشبهه.. فينجس بوقوع النجاسة فيه؛ لأن الحكم قد يجب للاحتياط، واستيفاء الواجب، كما يجب أن يصوم جزءًا من الليل لاستيفاء النهار، وكما يجب غسل شيء من الرأس لاستيفاء غسل الوجه.
إذا ثبت هذا: فنقول: إن داود قال: (إذا بال الإنسان في الماء الراكد، ولم يجز له أن يتوضأ منه وإن كان كثيرًا لم يتغير، ولا يحكم بنجاسته، فيجوز لغيره أن يتوضأ منه، وكذلك إذا تغوط الإنسان في الماء.. جاز له ولغيره الوضوء به إذا لم يتغير به) . وهذا خطأ بين لا يحتاج إلى الاستدلال عليه، وإنما قال هذا لتركه القياس.
[ ١ / ٣٠ ]