إن معرفة الفقه الإِسلامي وأدلة الأحكام، ومعرفة فقهاء الإِسلام الذين يرجع إليهم في هذا الباب -من الأمور المهمة التي ينبغي لأهل العلم العناية بها، وإيضاحها للناس؛ لأن اللَّه سبحانه خلق الثقلين لعبادته، ولا يمكن أن تعرف هذه العبادة إلا بمعرفة الفقه الإِسلامي وأدلته، وأحكام الإِسلام وأدلته، ولا يكون ذلك إلا بمعرفة العلماء الذين يعتمد عليهم في هذا الباب من أئمة الحديث والفقه الإِسلامي.
فعلم الفقه هو الذي يعرفك الحلال فتفعله والحرام فتجتنبه، وهو العلم الذي يرشدك إلى شروط صحة العبادات لكي تحققها، وهوالعلم الذي يرشدك إلى مبطلات العبادات فتتجنبها، وهو العلم الذي يبين لك المعاملات الصحيحة من الباطلة، وهو العلم الذي يبين لك الأحكام الشرعية المتعلقة بأحكام الأسرة والأحوال الشخصية، وهو العلم الذي يوضح لك أحكام الأطعمة والذبائح والصيد ما يحل منها وما يحرم، وهو العلم الذي يوضح لك أحكام الأيمان وما يكَفر منها وما لا كفارة له، هو العلم الذي يوضح لك أحكام الجنايات والديات والحدود التي حدها اللَّه ﵎، وهو العلم الذي يبين لك كيف تحكم بين الناس في المنازعات والخصومات، وهو العلم الذي يعرفك كيف توزع المواريث توزيعًا شرعيًّا عادلًا.
[ ١ / ٧ ]
والفقه في الدين: هو الفقه في كتاب اللَّه ﷿، والفقه في سنة رسول اللَّه -ﷺ-، وهو الفقه في الإِسلام، من جهة أصل الشريعة، ومن جهة أحكام اللَّه التي أمرنا بها، ومن جهة ما نهانا عنه ﷾، ومن جهة البصيرة بما يجب على العبد من حق اللَّه وحق عباده، ومن جهة خشية اللَّه وتعظيمه ومراقبته، فإن رأس العلم خشية اللَّه ﷾، وتعظيم حرماته، ومراقبته ﷿ فيما يأتي العبد ويذر.
وبما ذكرنا يعرف المؤمن فضل فقهاء الإِسلام، وأنهم قد أوتوا خيرًا كثيرًا، وقد فازوا بحظ عظيم من أسباب السعادة وطرق الهداية؛ لأن العلم النافع من أسباب الهداية، ومن حرم العلم حرم خيرًا كثيرًا، ومن رزق العلم النافع فقد رزق أسباب السعادة، إذا عمل بذلك واتقى اللَّه في ذلك.
وعلى رأس العلماء بعد الرسل أصحاب الرسول ﵊، فإفهم هم الفقهاء على الكمال، الذين تلقوا العلم عن رسول اللَّه -ﷺ-، وتفقهوا في كتاب ربهم وسنة نبيهم -ﷺ-، ونقلوا ذلك إلى من بعدهم غضًّا طريًّا، تفقهوا وعملوا، ونقلوا العلم إلى من بعدهم من التابعين، نقلوا كتاب اللَّه إلى من بعدهم لفظًا وتفسيرًا وقراءة إلى غير ذلك، ونقلوا إلى من بعدهم أيضًا ما بينه لهم نبيهم ﵊ من معنى كلام اللَّه ﷿، ونقلوا أيضًا لمن بعدهم أحاديث الرسول -ﷺ- التي سمعوها منه، والتي رأوها منه ﵊، والتي أقرهم عليها، نقلوها إلى من بعدهم بغاية الأمانة والصدق، نقلوها إلى الأمة بواسطة الثقات من التابعين، حتى نقلت إلينا بالطرق المحفوظة الثابتة التي لا يتطرق إليها الشك، نقلها الثقات عن الثقات، والثقات عن الثقات، حتى وصلت إلى هذا القرن وما بعد.
وهذا من إقامة الحجة من اللَّه ﷿ على عباده، فإن نقل العلم من طرق الثقات عن الرسول -ﷺ- ثم عن الصحابة إلى من بعدهم، إقامة للحجة، وإيضاح للمحجة، ودعوة إلى الحق، وتحذير من الباطل، وتبصير للعباد بما خلقوا له من عبادة اللَّه وطاعته جل وعلا.
[ ١ / ٨ ]
وبهذا يعلم أن لهم من الحق على من بعدهم: الدعاء لهم بالرحمة والمغفرة والرضا، والحرص على الاستفادة من علومهم، وما جمعوه وألفوه من العلوم النافعة، فإنهم سبقوا إلى خير عظيم، وإلى علم جم، سبقوا إلى الفقه في كتاب اللَّه، وإلى الفقه في سنة رسول اللَّه -ﷺ-، ونقلوا إلينا ما وصل إليهم من علم باللَّه، وبكتابه، وبسنة رسوله -ﷺ-.
فوجب علينا أن نعرف لهم قدرهم، وأن نشكرهم على علمهم العظيم، وعلى ما قاموا به من حفظ رسالة اللَّه وتفقيه الناس في دين اللَّه، وأن نستعين بما دونوه، وخلفوه من الكتب المفيدة والعلوم النافعة، حتى نعرف بذلك معاني كلام اللَّه، ومعاني كلام رسوله ﵊.
وإن من أعظم الفائدة، ومن أكبر الخير الذي نقلوه إلينا أن حفظوا علينا سنة نبينا -ﷺ-، ونقلوها إلينا طرية غضة سليمة محفوظة، وفيها تفسير كتاب اللَّه، وفيها بيان ما أجمل في كتاب اللَّه، وفيها بيان الأحكام التي جاء بها الوحي الثاني إلى رسول اللَّه -ﷺ-، وهو الوحي من اللَّه له إلى النبي -ﷺ-، وهو السنة المطهرة، فإن اللَّه جل وعلا أعطى نبيه -ﷺ- القرآن ومثله معه، كما قال النبي الكريم ﵊: ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه فعلى أهل العلم أن ينقلوا ما جاءت به السنة، وأن يوضحوا ذلك للناس، وأن يرشدوهم إلى معاني كلام ربهم وسنة نبيهم ﵊، في الخطب والمواعظ والدروس وحلقات العلم، وغير هذا من أسباب التوجيه والتعليم والإرشاد.
ولهذا ارتحل العلماء إلى الأمصار، واتصلوا بالعلماء في كل قطر؛ للفائدة والعلم، ففي عهد الصحابة سافر بعض الصحابة من المدينة إلى مصر والشام، وإلى العراق واليمن، وإلى غير ذلك، للفائدة ولنقل العلم، فتجد الصحابة ﵃وهم أفضل الناس بعد الأنبياء- ينتقلون من بلاد إلى بلاد، ليسألوا عن سنة من من رسول اللَّه -ﷺ- فاتتهم ولم يحفظوها، فبلغهم ذلك عن صحابي آخر فيسافر أحدهم إليه؛ ليسمع ذلك منه، ولينتفع بذلك، ولينقله إلى غيره من إخوانه في اللَّه التابعين لهم
[ ١ / ٩ ]
بإحسان.
ثم جاء العلماء بعدهم من التابعين، هكذا فعلوا، ارتحلوا في العلم، وساروا في طلب العلم، وتبصروا في دين اللَّه، وتفقهوا على الصحابة وسألوهم -﵃ وأرضاهم- عما أشكل عليهم، وعملوا بذلك، ثم نقلوا ذلك إلى من بعدهم من أتباع التابعين رواية ودراية، ثم هكذا أتباع التابعين نقلوه لمن بعدهم، ثم ألفوا كتبا عظيمة في الحديث والتفسير واللغة العربية. . . وغير هذا من أنواع العلوم الشرعية، حتى بصروا الناس، وحتى أرشدوا إلى الطريق السوي، وحتى علموهم القواعد الشرعية التي بها يعرف كتاب اللَّه، وبها تعلم معانيه، وبها تحفظ السنة، وبها تعلم معانيها.
وبذلك يحصل العمل بكتاب اللَّه، وسنة رسوله -ﷺ- على بصيرة وعلى هدى وعلى نور، فجزاهم اللَّه عن ذلك خيرًا وضاعف لهم الأجور، وضاعف لهم الحسنات، ونفعنا بعلومهم جميعًا، وأعاذنا جميعًا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا (١).
* * *
_________________
(١) باختصار وتصرف من "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" للشيخ ابن باز. . الجزء التاسع ص ١٢٨ - ١٤١.
[ ١ / ١٠ ]