في مطلع القرنين السابع والثامن ظهرت حركات علمية، ونشط فيها التأليف، وظهر علماء أفذاذ لهم قدم راسخ في علوم الحديث ورجاله، وفي التاريخ الإِسلامي، وفي الفقه الإِسلامي، لا سيما في المذهب الشافعي، فأكثر فيه العلماء الذين بلغوا القمة من الفقه والتحصيل، الاستنباط، وأدركوا أسرار الشريعة، وأتقنوا أحكام الفقه، واستوعبوا النصوص الشرعية، وضبطوا قواعد الاستنباط والتعليل، وجلسوا للتدريس في كل من الشام ومصر والحجاز والعراق، فتهافت عليهم طلاب العلم والمعرفة من كل جانب، وأخذوا يؤلفون الكتب في الحديث والفقه والتفسير والتاريخ، ويظهر أن هذا النشاط كان تعويضا لما فقدته المكتبة
[ ١ / ٢٩ ]
الإِسلامية من تراثها الأصيل في أنواع العلوم بسبب فتنة التتار والصليبيين الذين دمروا الكتب وأحرقوها، واعتدوا على التراث العلمي، ومنهم:
* العز بن عبد السلام الذي طور الفقه وأسس قواعده:
هو الشيخ عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن بن محمد المشهور بالعز بن عبد السلام، المولود بدمشق سنة ٥٧٧ هـ، والمتوفى بمصر سنة ٦٦٠ هـ.
ويعتبر كتابه "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" من البواكير الأولى لتقعيد الأحكام الفقهية ووضعها في قواعد عامة، ومبادئ كلية، وضوابط منتظمة، وهي المرحلة الثانية في تطور الفقه الإِسلامي من الفروع والجزئيات إلى القواعد والكليات، ثمَّ إلى النظريات.
* الإِمام عبد الكريم الرافعي، المتوفى سنة ٦٢٤ هـ:
هو: عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسن القزويني أبو القاسم الرافعي: صاحب الشرح الكبير المسمى "فتح العزيز في شرح الوجيز"، و"المحرر"، و"شرح مسند الشافعي"، و"التذنيب والأمالي".
كان متضلعًا من علوم الشريعة تفسيرًا، وحديثًا وأصولًا، وكان إمامًا محققًا، كثير الأدب، شديد الاحتراز في المنقولات.
ألف الرافعي أكثر من كتاب في فقه المذهب، وأشهر تأليفاته كتاب "المحرر" الذي حظي بأكبر قسط من اهتمام المتأخرين، وهو كتاب كثير الفوائد، عمدة في تحقيق المذهب، معتمد المفتي وغيره من أولي الرغبات، وقد التزم أن ينص على ما صححه معظم الأصحاب، ووفى بالتزامه.
وكتاب الرافعي هذا مأخوذ من الكتاب "الوجيز" و"الوجيز" هو تأليف حجة الإِسلام أبي حامد الغزالي، والإمام الرافعي يعتبر أحد محرري المذهب ومنقحيه ومطوريه، ويرجع المتأخرون إلى ترجيحه مع الإِمام النووي.
* الإِمام يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة ٦٧٦ هـ:
هو شيخ الإِسلام والمسلمين، وعمدة الفقهاء والمحدثين ومحرر المذهب
[ ١ / ٣٠ ]
الشافعي، ومهذبه، ومنقحه، ومرتبه، عالم سار في الآفاق ذكره، وعلا في العالم محله وقدره، صاحب التصانيف المشهورة المباركة النافعة، برع في علوم الحديث، وألَّف فيها الكثير، وبلغ في الفقه منزلة كبيرة، وهو فقيه ومحدث، له العديد من المؤلفات الفقهية في مذهب الشافعي، أشهرها:
١ - منهاج الطالبين، وهو اختصار لكتاب "المحرر" الذي ألفه الرافعي، إلا أن "المنهاج" يمتاز عن "المحرر" بما ضمنه النووي من "التنبيه" على قيود بعض المسائل هي في الأصل محذوفات، ومنها مواضع يسيرة ذكرها في "المحرر" على خلاف المختار في المذهب.
٢ - "المجموع"، وقد شرح فيه كتاب "المهذَّب" لأبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، و"المهذَّب" أحد كتابين قال فيهما النووي: في هذين الكتابين دروس المدرسين، وبحث المحصلين المحققين، والكتابان هما: "المهذب" و"الوسيط" للغزالي.