وقد قلنا سابقًا إن نقل المذهب الشافعي وجمع نصوصه والاستنباط من أصوله وقواعده قد انتهت إلى طريقتي العراقيين والخراسانيين.
وأصبحت الكتب المعتبرة عند متقدمي الأصحاب لا تعدوهما، فمتى اتفقت الطائفتان على فرع من الفروع كان هذا القول النهائي في المذهب، وأنه ظهر بعد ذلك من العلماء من لم يتقيد بمدرسة واحدة منهما، بل نقل عن هذه وتلك، فالروياني والشاشي وابن الصباغ عراقيون ينقلون عن الطريقتين، والمتولي وإمام الحرمين والغزالي خراسانيون ينقلون عن العراقيين، وربما يعتمد كلٌّ غير طريقته في الفروع.
وبظهور هؤلاء العلماء بدأ الرافدان الأساسيان الناقلان لفقه الشافعي قديمه وجديده يلتقيان في قول موحد يمثل مذهب الشافعي والراجح من قوله، ثم توجت
[ ١ / ٣١ ]
هذه المدرسة الثالثة الجامعة بين طريقة العراقيين والخراسانيين بظهور الإمامين الجليلين: (الرافعي، والنووي) اللذين قاما بأكبر دور في تحرير المذهب وإرساء قواعده.
وبظهورهما دخل المذهب في دوره الثالث دور التحرير والتنقيح، على أنه يمكن اعتبار كتاب "المهذَّب" لأبي إسحاق الشيرازي، والوسيط لأبي حامد الغزالي أكثر الكتب اعتمادًا وتمثيلًا للمذهب عند علماء الفترة السابقة لظهور النووي، الذي يقول في هذين الكتابين: واشتهر من كتب الشافعية لتدريس المدرسين، وبحث المشتغلين كتاب "المهذَّب"، و"الوسيط"، وفي هذين الكتابين دروس المدرسين، وبحث المحصلين المحققين، وحفظ الطلاب المنتسبين في ما مضي، وفي هذه الأعصار.
وإلى الإمامين (الرافعي، والنووي) يرجع الفضل في تحرير مذهب الشافعية وتنقيحه، ومن ثمَّ أصبحا عمدة من جاء بعدهم متفقهاء الشافعية، إليهما ينتهي الاجتهاد، وعلى رأيهما يكون في الفتوى الاعتماد، فلا غير أن يقال أنهما المؤسسان الثانيان لمذهب الشافعي ﵀، فلقد اعتمد المتأخرون ترجيحاتهما في تحديد مذهب الشافعي والقول المعتمد فيه، وأجمع من جاء بعدهم من العلماء على أن القول الراجح في المذهب هو ما اتفق عليه الشيخان، فإن اختلفا قدم ما رجحه الإِمام النووي، ثم الرافعي.
يقول الرملي: "ومن المعلوم أن الشيخين قد اجتهدا في تحرير المذهب غاية الاجتهاد، ولهذا كانت عنايات العلماء، وإشارات من سبقنا من الأئمة متوجهة إلى ما عليه الشيخان، والأخذ بما صححاه بالقبول والإذعان، مؤيدين لذلك بالدليل والبرهان، فإذا انفرد أحدهما عن الآخر فالعمل بما عليه النووي وما ذلك إلا لحسن النية وإخلاص الطوية".
* * *
[ ١ / ٣٢ ]