بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، القائل في كتابه: " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين " [التوبة: ١٢٢]
والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، القائل فيما أوتي من جوامع الكلم:
(مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقهْهُ في الديَنِ) متفق عليه. وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان، ففقه في دين الله ﷿، فعلم وعلَّم.
وبعد: فإن كتاب (متن الغاية والتقريب) من خير كتب الفقه الشافعي، شكلًا ومضمونًا، فهو على صغر حجمه قد اشتمل على جميع أبواب الفقه ومعظم أحكامه ومسائله في العبادات والمعاملات وغيرها، مع سهولة العبارة وجمال اللفظ وحسن التركيب إلى جانب ما امتاز به من تقسيمات موضوعية، تسهل على المتفقه في دين الله تعالى إدراكه واستحضاره.
ويمتاز هذا الكتاب بما كتب الله تعالى له من قبول، فتجد طلاب العلم والعلماء، قديمًا وحديثًا، مقبلين عليه درسًا وتعليمًا، وفهمًا وحفظًا، وإيضاحًا وشرحًا.
ولما كان هذا المختصر قاصرًا كل ذكر الأحكام الفقهية دون التعرض
[ ٥ ]
لأدلتها، وطلاب العلم اليوم تهفو نفوسهم إلى أخذ الحكم الشرعي مؤيدًا بدليله، رغبت أن أخدم دين الله ﷿، وأقدم للشباب المسلم المثقف، وكل فقيه ومتفقه، هذا الكتاب الذي أحبه الجميع وألفوه، مزينًا بالأدلة التي تجعلهم على بصيرة في دينهم، وتزيدهم يقينًا في شريعتهم، وتثبتًا في عقيدتهم، واطمئنانًا في عباداتهم، واستقامة في تصرفاتهم ومعاملاتهم.
وكان فضل الله تعالى عليَّ كبيرًا، إذ وفقني إلى هذا العمل، بعد أن استشرت فيه أفاضل أساتذتي في الفقه خاصة، وفي علوم الشريعة عامة، فسُروًا له ورغبوا به وشجعوا عليه.
وكان عملي مقتصرًا على ذكر الأدلة النقلية، من كتاب وسنَّة وآثار للصحابة وقلما أتعرض للتعليلات العقلية والاستدلالات القياسية، وإن ذكرت شيئًا منها أحيانًا.
والتزمت غالبآ الأدلة التي ذكرت في كتب المذهب، إلا إذا وجدت دليلاّ أقوى وأوضح، عدلت إليه وذكرته.
وأخذت نفسي أن أرجع في هذه الأدلة إلى مراجعها الأصلية، ما أمكن ذلك وخاصة كتب الحديث لآخذ النص منها، وأثبت رقم الحديث المتسلسل إن وجد، أو الصفحة والجزء المثبت فيهما الحديث، وقلما أعتمد على مصدر آخر في تخريج الحديث، وأما الآيات فأذكر رقمها والسورة الموجودة فيها.
ثم أذيل النص المستدل به بشرح غريب ألفاظه، بحيث يسهل فهمه ويستبين وجه الاستدلال به.
هذا وربما تعرضت أحيانًا لشرح بعض ألفاظ المتن أو ذكر بعض التعاريف إن احتاج الأمر، ولم ألتزم ذلك دائمًا، لأني لم أقصد شرح الكتاب، لوفرة الشروح له.
[ ٦ ]
إن وجدت قولاّ ضعيفًا في المتن بينت ما هو الأصح والأقوى مسترشدًا بكتب المذهب المعتمدة، وربما أشرت إلى المرجع، وقد لا أشير.
ولم يفتني أن أضيف أحيانًا بعض الأحكام، أو أذكر بعض الفوائد، رغبة في إتمام النفع ورجاء أن يجزل الله تعالى المثوبة والأجر.
وأبقيت الأصل على حاله في أعالي الصفحات، وجعلت عملي حواشي ذات أرقام أسافلها، وسميته: (التذهيب في أدلة متن الغاية والتقريب) مشيرًا إلى أن الأدلة خيوط ذهبية تنتظم الأحكام الشرعية وتوشحها.
والله تعالى أسأل أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه، ويقبله صدقة جارية لي ولوا لدَيَّ ولمن له حق عليَّ، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.
مصطفى ديب البغا
ليلة الأحد: ٢١ محرم سنة ١٣٩٨ هـ
١ كانون ثاني سنة ١٩٧٨ م
[ ٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين وصحابته أجمعين.
قال القاضي أبو شجاع أحمد بن الحسين بن أحمد الأصفهاني رحمه الله تعالى:
سألني بعض الأصدقاء حفظهم الله تعالى: أن أعمل مختصرًا (١) في الفقه على مذهب الإمام الشافعي، رحمة الله تعالى عليه ورضوانه، في غاية الاختصار ونهاية الإيجاز (٢) ليقرب على المتعلم درسه، ويسهل على المبتدي حفظه، وأن أكثر فيه من التقسيمات وحصر الخصال (٣) فأجبته إلى ذلك طالبًا للثواب راغبًا إلى الله تعالى في التوفيق للصواب، إنه على ما يشاء قدير وبعباده لطيف خبير.
_________________
(١) هو ما قل لفظه وكثر معناه.
(٢) الاختصار: أن يسلك الطريق الأقرب للوصول الى الغرض، والايجاز قريب منه. قال في الصباح: وجُز اللفظ وجازة، فهو وجيز، أي قصير سريع الوصول الى الفهم. والغاية والنهاية متقاربتان، بمعنى: أقصى ما يمكن الوصول اليه.
(٣) جمع خصلة، والمراد المسائل الفقهية المحتاج إليها.
[ ٩ ]