قال الشافعي ﵀، وأقل ما يجزيء من عمل الصلاة أن يحرم، ويقرأ بأم القرآن، يبتدئها بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) إن أحسنها، ويركع، حتى يطمئن راكعًا، ويرفع، حتى يعتدل قائمًا ويسجد، حتى يطمئن ساجدًا على الجبهة، ثم يرفع حتى يعتدل جالسًا، ثم يسجد الأخرى كما وصفت ثم يقوم حتى يفعل ذلك في كل ركعة، ويجلس في الرابعة، ويتشهد ويصلي على النبي ﷺ، ويسلم تسليمة، يقول: السلام عليكم، فإذا فعل ذلك، أجزأته صلاته وضيع حظ نفسه، فيما ترك، وإن كان لا يحسن أم القرآن، فيحمد الله، ويكبره مكان أم القرآن، لا يجزئه غيره.
قد ذكرنا الأكمل من الصلاة والأفضل، فنذكر هنا أقل ما يجزئه وأقل ما يجزئه، أن يأتي بما هو الأركان، وجملة الأركان أربعة عشر في الركعة الأولى: النية والتكبير والقيام والقراءة والركوع، والطمأنينة فيه، والاعتدال من الركوع، والطمأنينة فيه، والسجود الأول والطمأنينة فيه والاعتدال من السجود والطمأنينة فيه والسجود الثاني، والطمأنينة فيه.
وفي الركعة الثانية اثنا عشر ركنا: وهي هذه الأركان سوى النية، والتكبير، وفي التشهد أربعة أركان: الجلوس له، والقراءة، والصلاة على النبي ﷺ وأقل ما يجزيه من السلام أن يقول: السلام عليكم ومن التشهد ما بيناه على قول الشافعي بتحرك أربع كلمات، وهي المباركات الصلوات الطيبات وبركاته، وعلى قول ابن سريج يحذف هذه الكلمات، ويحذف أيضًا، ورحمة الله ويقول: وأن محمدًا رسوله، وعلى قول الحليمي يحذف هذه الكلمات ويحذف الصالحين.
[ ٢ / ٩١٢ ]
قال القاضي ﵀: لو قال: سلام عليك أيها النبي، وعلى عباد الله الصالحين، يكفي كي لا يتكرر السلام.
والصحيح ما قاله الشافعي، فكل صلاة هي ذات ركعتين، فإن فيها ثلاثين ركنًا، وما هي ذات ثلاث، فاثنان وأربعون ركنًا، وما هي ذات أربعة فأربعة وخمسون ركنا.
ومن أصحابنا من قال: وهو صاحب التلخيص أركان الصلاة كلها أربعة عشر النية والتحريمة والقيام والقراءة والركوع، والاعتدال منه والطمأنينة في الركوع، والسجود الأول، والاعتدال منه، والسجود الثاني، والجلوس للتشهد، والصلاة على النبي ﵇ والسلام فلم يعد الركن للتكرر الا مرة واحدة، غير أنه ناقص قعد السجود مرتين، ولعله صار إلى أن الثاني من السجود غير الأول، فإنهما اجتمعا في الركعة الواحدة، والأول يهوي إليه من الركوع، والثاني من القعود.
ومن قال: إن نية الخروج من الصلاة شرط، صارت الأركان خمسة عشر، والمذهب أنها ليست بشرط.
ومن أصحابنا من يضم إلى الأركان ثلاثة، مما يعد من الشرائط، وهي الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة.
وشرائط الصلاة خمسة: الطهارة بالماء الطهور عند وجوده، أو التيمم بالتراب الطهور عند عدم الماء، وستر العورة بثوب طاهر، والوقوف على مكان طاهر، واستقبال القبلة، والعلم بدخول الوقت، إما يقينا بالنص أو اجتهاد بغلبة الظن.
وإن كان لا يحسن غير أم القرآن، قرأ بقدرها سبع آيات، لا يجزئه دون ذلك، قال: فإن ترك من ام القرآن حرفا، وهو في الركعة، رجع إليه وأتمها، وإن لم يذكر حتى خرج من الصلاة، وتطاول ذلك، أعاد.
[ ٢ / ٩١٣ ]
قال القاضي حسين: الفصل: قد ذكرنا أنه إذا كان يحسن قراءة الفاتحة، فإنه يقرؤها، فأما إذا لم يحسن الفاتحة، ولا شيئا من القرآن، فأتى بسبعة، أذكار مختلفة مثل قوله: سبحان الله، والحمد، ولا إله إلا الله، والله أكبر، كما ورد في حديث الأعرابي، ويشترط أن تكون حروف الأذكار معادلة لحروف الفاتحة، ولا يشترط أن تكون تشديدات الذكر مثل تشديدات الفاتحة، غير أنه إن كان مثله فذاك، وإلا فيأتي مكان كل تشديدة بحرف آخر.
وهل يشترط أن تكون كلمات الذكر معادلة لكلمات الفاتحة؟ فعلى وجهين:
فأما إذا كان يحسن شيئا من القرآن، فلا يجوز له العدول إلى الذكر، بل يأتي به، ثم إذا كان يحسن سبع آيات، مثل آيات الفاتحة أو أطول منها فذاك، وإن ان أقصر من آيات الفاتحة، فعلى وجهين:
أحدهما: يجزيه، لقول الشافعي طوالا كن أو قصارًا.
والثاني: لا حتى تكون معادلة الفاتحة، وقصد الشافعي بقوله طوالا كن أو قصارًا أنه لا بد من سبع آيات، ولا يجزيه أقل من السبع، وإن كان طوالا بحيث كانت الواحدة، منها تبلغ الفاتحة، وتزيد عليها مثل آية المداينات، فإنها لا تحسب إلا عن آية الفاتحة، وهو متبرع بما فيها من زيادة الحروف، فعلى هذا، ينبغي أن يكون سبع آيات معادلة للفاتحة أو أكثر منها، وحكم التشديدات على ما ذكرنا من قبل.
وإن كان يحسن آية من القرآن، فيستحب له أن يكررها سبع مرات، وهل يكتفي بتكريرها سبعًا أو لابد من ضم ستة أخرى إليها من الأذكار؟
فعلى وجهين:
أحدهما: يضم إليه ستة أخرى، ليبلغ عدد الفاتحة.
والثاني: يكتفي بتكريرها سبعًا، ويقوم كل مرة منها مقام آية من الفاتحة، وإذا كان يحسن آية من الفاتحة، يراعي الترتيب بينها وبين ما يأتي به من الأذكار، حتى أنه إن كان يحسن الآية الأولى يقرؤها اولا، ثم يأتي بستة أذكار بقدر
[ ٢ / ٩١٤ ]
ست آيات من الفاتحة، وإن كان يحسن الآية الأخيرة من الفاتحة، فيأتي بستة أذكار قبلها، ثم بها، وكذا لو كان يحسن آية من خلال الفاتحة، يأتي من الأذكار، بقدر ما بقي منها إلى آخر الفاتحة، مراعاة الترتيب.
فرع
لو سئل عن رجلين:
أحدهما: يحسن النصف الأول من الفاتحة.
والآخر: يحسن النصف الآخر من الفاتحة، أيهما أولى بالإمامة؟
قلنا: لا يجوز لكل واحد منهما أن يقتدي بصاحبه، وهذه مسألة يلغز فيها، فافهمه.
وقوله: ثم يصلي على النبي ﷺ.
قال القاضي حسين: وذاك واجب وقد ذكرنا.
وقد سئل النبي ﷺ عن ذلك، فقيل: كيف نصلي عليك، وقد بليت، فقال له: أما علمت ان الأنبياء لا يبلون، أما علمت أن الله تعالى حرمه أجساد الأنبياء على الأرض.
ثم ذكر الشافعي ﵀، أنه لو ترك حرفًا من أم القرآن في ركعة من صلاة عاد إلى الموضع المتروك، وأتى به وبما بعده، وهذا إنما يكون إذا لم يفتتح سورة أخرى.
أما إذا افتتح سورة أخرى، فإنه يستأنف قراءة الفاتحة، والله أعلم بالصواب.
[ ٢ / ٩١٥ ]