قال المزني: قال الشافعي ﵀، وإذا صلى الإمام بقوم الظهر في وقت العصر، وجاء قوم فصلوا خلفه، ينوون العصر، أجزأتهم الصلاة جميعًا، وقد أدى كل فرضه، وقد أجاز رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل، ﵁، أن يصلي معه المكتوبة ثم يصلي بقومه، هي له نافلة، ولهم مكتوبة، وقد كان عطاء يصلي مع الامام القنوت، ثم يعتد بها من العتمة، فإذا سلم الإمام، قام، فبني ركعتين من العتمة.
قال المزني ﵀: قلت أنا: وإذا جاز أن يأتم المصليى نافلة خلف المصلى فريضة فكذلك المصلى فريضة خلف المصلى نافلة وفريضة، وبالله التوفيق.
قال الشافعي ﵀ وإذا أحس الإمام برجل، وهو راكع، لم ينتظره ولتكن صلاته خالصة لله.
قال المزني: قلت أنا: ورأيت في رواية بعضهم، عنه: أنه لا بأس بانتظاره والأولى عندي أولى بالصواب لتقديمها على من قصر في إتيانها.
قال الشافعي ﵀: ويؤتم بالأعمى وبالعبد.
قال القاضي حسين: إذا اختلفت نية الإمام والمأموم، فلا يخلو إما أن تتفق الصلاتان في أصل الأركان لو اختلفا في الأركان، فإن اتفقا في أصل الأركان صح الاقتداء، وإن اختلفت بينهما سواء اتفقت الصلاتان في عدد الأركان كالظهر والعصر والصبح والجمعة، أو اختلفتا في عدد الركعات كالصبح مع الظهر، والمغرب مع سائر الصلوات، فخرج من هذا أنه يجوز أن يصلي
[ ٢ / ١٠٢٣ ]
المفترض خلف المتنقل، والمتنفل خلف المفترض، والقاضي خلف المؤدي، والمؤدي خلف القاضي، والسنة خلف سنة أخرى، والفرض خلف الفرض، والعشاء خلف التراويح، كما رويناه عن عطاء.
ثم ينظر إن كان صلاة الإمام أقل عددا من صلاته بأن يصلي الظهر خلف الصبح، أو المغرب يقوم إذا سلم الإمام، ويتم لنفسه الصلاة، وإن شاء يخرج نفسه عن صلاة الامام، إذا جلس الامام للتشهد الأخير، وإن كانت صلاة الامام أكثر عددا من صلاته، فهو بالخيار بين أن يسلم، وبين أن يصبر حتى يتم الامام صلاته، فيسلم معه، ولا يجوز أن يوافق الامام بعد أن أكمل صلاة نفسه في بقية الصلاة، وإذا صلى العشاء خلف التراويح فصلى ركعتين، فسلم الإمام، فعليه أن يصلي الآخريين منفردًا، ولا يقتدي فيهما بركعتي الإمام، فإن فعل واقتدى به بعد أن قام إلى الركعتين، فهذا رجل وصل صلاة الانفراد بصلاة الجماعة، وسيأتي حكمه إن شاء الله ﷿.
قال القاضي رضي الله، في كرة أخرى: الصلاتان إن اتفقتا في أصل الأركان، وعدد الركعات، مثل الظهر والعصر والعشاء لا خلاف بأنه يجوز، فأما إذا اختلفتا في الأفعال مثل الظهر خلف المغرب، والمغرب خلف العشاء ظاهر كلام الشافعي رحه الله في المختصر يدل على أنه لا يجوز، لأنه قال: الظهر في وقت العصر، فاعتبر استواءهما في الأعداد والأركان.
واصحابنا قالوا بأجمعهم: إنه يجوز.
وقال القفال ﵀: مقتضى تحريمه وتسليمه جاز إحداهما خلف الأخرى، حتى لو اقتدى المفترض بمن يصلي بالجنازة، أو كبر لسجود التلاوة أو الشكر يجوز، ولو صلي الصبح خلف الظهر، ففي الركعة الثانية إذا رفع الامام رأسه من الركوع، فهو بالخيار إن شاء أخرج نفسه من متابعته وقنت، وإن شاء تابعه ولا شيء عليه، ويحمل الامام عنه كسهوه.
وإذا صلى الصبح خلف الظهر، فإذا قنت إمامه، إن شاء خرج من متابعته، وإن شاء صبر ذلك القدر إن لم يطل، ولا يضره.
[ ٢ / ١٠٢٤ ]
وفي صلاة الخسوف يتابعه على الصحيح من المذهب إلى أن يركع ركوع الأول، ثم لا يتابعه، وهكذا في صلاة الجنازة يتابعه على ظاهر المذهب، وكذا في سجود التلاوة والشكر، ولكن لا يتابعه في التكبيرات وغيرها.
ولو اقتدى في الجمعة خلف الصبي، والمتنفل، فجوابان:
أحدهما: يجوز قياسًا على سائر الصلوات.
والثاني: لا؛ والفرق أن الجمعة أكدت بشرائط لم تؤكد بها سائر الصلوات، فكذا هذا، ولو اقتدى في الجمعة خلف المصلي لصلاة الصبح، فيه وجهان يبنيان على المسألة الأولى.
إن قلنا هناك تصح فيها هنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق أن ها هنا استويا في الفريضة والعدد، بخلاف تلك المسألة، ولو اقتدى بالجمعة، ثم صلى الظهر، فمرتبة على المسألة الأولى، إن قلنا هاك: لا يصح فها هنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق أنهما اختلفا في العدد، بخلاف الصبح مع الجمعة، وإن اختلتف الصلاتان في أصل الأركان كالجنازة، والخسوفيين مع غيرهما من النوافل والفرايض.
قال أصحابنا: لا يجوز، لأن فائدة الاقتداء هو المتابعة، ومعلوم أن المفترض والمتنفل خلف صلاة الجنازة، والخسوفين لا يمكنه متابعة، وقال القفال ﵀: يقول: يجوز الاقتداء فيها ثم لا يتابعه إذا كبر في الجنازة الثانية، وإذا شرع في الركوع الثاني في الخسوفين واقتدى به.
وفائدة الاقتداء اكتساب فضيلة الجماعة، ولا خلاف على المذهب أنه إذا أدرك الإمام في صلاة الظهر في الركعة الثانية، واقتد به بنية المغرب، فإنه يجوز، لأنهما يتفقان في الأعداد والأركان في هذه الحالة.
وقال أبو حنيفة ﵀: كل صلاة تتأدى بمنطق النية، كالنوافل تصح خلف من يخافه في النية، فخرج من هذا أن عنده اختلاف النية تمنع صحة
[ ٢ / ١٠٢٥ ]
الاقتداء إلا في المتنفل خلف المفترض، واحتجوا بأنه نوى صلاة الإمام له فيها فلم يصح.
دليلنا: ما روى عن جابر أن معاذ بن جبل كان يصلي العشاء مع النبي ﷺ ثم يرجع إلى قبيلته ويصليهما بهم، وكان عادته أنه إذا افتتح سورة لا يقطعها حتى يتملها، فافتتح سورة البقرة فيها ليلة، وكان في القوم رجل تعب طول نهاره، وعلم من حاله أنه لا يقطعها حتى يختمها، فأخرج نفسه من صلاته، فلما سلم معاذ أخبر به، فقال: نافق هكذا الرجل، فبلغ الرجل قول معاذ ﵁، فغاظه ذلك، فقال: والله لأعودن إلى رسول الله ﷺ وأخبره بصنيع معاذ، وكان يبيت تلك الليلة كالمريض على الجنب، فجاء في الغد إلى رسول الله ﷺ وقص عليه القصص، فلم يقل شيئًا حتى دخل معاذ فلما دخل قال له: أفتان أنت يا معاذ أين أنت من صورة والشمس، وضحاها، والليل إذا يغشى، فما رئى رسول الله ﷺ في موعظة أشد منه فيها، ثم إن في القصة أن ذلك الرجل قال لمعاذ، والله إن جماعتنا غزاة
[ ٢ / ١٠٢٦ ]
ليرينا الله أين المنافق، فلم ينشئا أن جمعتهما غزاة، وجعل ذلك الرجل يطلب معاذًا حتى عثر به فأخذ بتلابيبه وقال: اخرج حتى يرينا الله تعالى أين المنافق؟ فضن معاذ بنفسه فسل الرجل سيفه، وقاتل حتى قتل.
ولأن المتابعة إنما تجب على المأموم لإمامه في الأفعال الظاهرة، والنية من الأفعال الباطنة، فلم تضر المخالفة فيها كالمتنفل خلف المفترض.
قال المزني: وأكره إمامة من يلحن، لأنه قد يحيل المعنى، فإن أحال أو لفظ بالعجمية في أم القرآن، أجزأته دونهم، وإن كان في غيرها، أجزأتهم وأكره إمامة من به تمتمة، فإن أم أجزأ، إذا قرأ ما يجزيء في الصلاة، ولا يؤم أرت ولا ألثغ.
قال القاضي حسين: لحن يخل المعنى، ولحن لا يخل المعنى.
فأما ما لا يخل المعنى لا يمنع صحة الصلاة، وجواز الاقتداء به، لكنه يكره أن يقتدي به، وذلك أن يرفع المنصوب والمخفوض، أو ينصب المرفوع والمخفوض بقراءة بسم الله بالرفع الرحمن بالنصب، ولو قرأ الحمد بالنصب أو بالخفض.
قال القاضي ﵁: يحتمل وجهين:
أحدهما: تصح صلاته، لانه خطأ في الإعراب.
والثاني: لا تصح، لأنه لا يكون قرآنا، كما يكون إعجازًا في نظمه، فكذا في الاعراب، فينبغي أن يأتي به نظمًا وإعرابًا.
فأما اللحن الذي يحيل المعنى سواء يحيل إلى لمعان أخرى أو يحيل فالحكم واحد، فينظر فيه إن كان لا يطاوعه لسانه فتصح صلاته، وعليه أن يتعلم إن أمكنه، ولا يجوز الاقتداء به إلا لمن هو مثل حاله، فإن اقتدى به من هو أكمل حالا منه، فحكمه حكم القاريء يقتدي بالأمي، وسنذكر ذلك، وإن كان يطاوعه لسانه بذلك بطلت صلاته، وإن قاله ناسيا، فإن كان في الفاتحة، انقطع
[ ٢ / ١٠٢٧ ]
النظم، وإن كان في خلال السورة لم يضره، ولا المأمومين خلفه، وعليه أن يسجد للسهو، لأنه كلام ذكره ناسيًا في الصلاة، فأما إذا قال: أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون، مكان قوله أولئك أصحاب النار هـ فيها خالدون، أو على عكسه وإن كان عامدًا به يصير كافرًا، وإن أخطأ في ذلك لا يضره.
قوله: وأكره إمامة من به تمتمة أو فأفأة.
قال القاضي حسين: التمتام هو الذي يردد التاء، الفأفاء هو الذي يردد الفاء، والصلاة خلفهما جائزة، لأنهما مغلوب فيه عليهما، إلا أنا نكره الصلاة خلفهما، لكن تصح، لأنهما أتيا بأصل القراءة وزيادة عليها.
قوله: ولا يؤم أرت ولا ألثغ.
قال القاضي حسين: الأرت هو الذي يبدل الراء بالياء، والألثغ هو الذي يبدل السين بالثاء، ولا تجوز الصلاة خلف واحد منهما، إلا لمن هو في مثل حالهم، ولا تجوز للأرت أن يصلي خلف الألثغ، ولا للألثغ أن يصلي خلف الأرت، كما لا يجوز لغيرهما ممن لسانه مستقيم أن يصلي خلفهما، لأن كل واحد منهما أمي فيما يقدر عليه صاحبه.
وقيل: الألثغ: في لسانه رخاوة لا يمكنه الإتيان بالتشديدات كلها كلسان الصبي فعلى هذا ينظر فيه، فإن أمكنه أن يأتي بأصل التشديدات، ولكن لا يبالغ فيها تكره الصلاة خلفه، وتجوز وإن لم يمكنه الإتيان بأصل التشديدات لا تصح الصلاة خلفه.
قوله: ولا يأتم رجل بأمرأة.
قال القاضي حسين: وهو كما قال: روى أن رسول الله ﷺ قال: لا تؤمن امرأة رجلا، ولا أعرابي مهاجرا، ولا فاسق مؤمنا إلا أن يقهره السلطان عليه فيخاف سيفه، أو سطوته.
[ ٢ / ١٠٢٨ ]
اختلف في الأعرابي فمنهم من قال: أراد به الكافر: لأن من أسلم إذ ذاك كان مهاجرًا.
ومنهم من قال: أراد به المسلم الذي لم يهاجر، وإنما منع إمامته للمهاجر، لأن أحوال الولاية بينهما كانت منقطعة لقوله تعالى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا).
وروى أنه قال ﵇: أخروهن من حيث أخرهن الله.
فإن صلى خلف امرأة أعاد الصلاة عالمًا كان أو جاهلًا، وكذا لا يجوز للخنثى أن يأتم بالمرأة لاحتمال أن يكون رجلا، ويجوز للمرأة أن تأتم النساء، لأنها في مثل حالهن واستويا في نقص الأنوثة، بخلاف الرجال.
قوله: (ولا لخنثى الاقتداء بالخنثى).
قال القاضي حسين: لا يجوز للرجال وللخناثى لاحتمال أن الإمام كان امرأة، وأن المقتدى كان رجلا، فلو اقتدى به رجل أو خنثى أعاد الصلاة، ولو بان أنه كان رجلا ففي وجوب الإعادة جوابان:
أحدهما: تجب اعتبارا بالحال، والظاهر لا.
والثاني: لا اعتبار بالباطن، وبما ظهر في المآل، وإذا اقتدى الخنثى بامرأة، ثم تبين أن الخنثى امرأة، ففي وجوب الإعادة عليه جوابان أيضًا.
وها هنا مسألة يلغز بها، فيقال: جماعة من الخناثى يصلون جماعة، أين يقف إمامهم؟ فيقال: لا يتصور هذه المسألة، لأن الخنثى لا تقتدي بالخنثى لاحتمال أن يكون الإمام امرأة، والمأموم رجلًا.
ومن هذا القبيل يقال: أرت وألثغ أيهما يقدم فيقال: لا تتصور هذه المسألة، لأن الأرت والألثغ لا يجوز لأحدهما الاقتداء بصاحبه.
[ ٢ / ١٠٢٩ ]
ومن هذا القبيل أيضًا رجالان: أحدهما يحسن النصف الأول من الفاتحة، والآخر يحسن النصف الآخر أيهما أولى بالإمامة؟
فقال: لا يصلى احدهما خلف الثاني، لأن كل واحد منهما أمي فيما يحسنه صاحبه من الفاتحة، واللغز من الألغاز وهو جحر اليربوع الذي إذا ارتمت من واحد منهما راعت إلى الأخرى.
وحكي أن أبا يوسف لما جلس إلى التدريس غاظ ذلك أبو حنيفة، فدس إليه عجوزة وقال لها: سلى أبا يوسف على ملأ من الناس عن رجل استأجر قصارا ليقصر ثوبه فقصره وجحد، فهل يستحق الأجرة أم لا؟
فإن قال: يستحق قولي له: أخطأت وإن قال: لا يستحق قولي له: أخطأت، فذهبت وسألته عن هذه المسألة فقال: يستحق الأجرة فقالت: أخطأت فسكت ساعة، ثم قال: لا يستحق الأجرة، فقالت، أخطأت، فقام مسرعا يجر رداءه حتى دخل على أبي حنيفة فلما رآه أبو حنيفة قال: ما أتي بك إلا مسألة القصار: هلا قلت: إن جحد بعد القصارة يستحق الأجرة، لأنه قصره للمالك، وجحوده لا يسقط عنه الأجرة، وإن قصر بعد الجحود لا يستحق شيئًا؛ لأنه قصر لنفسه.
قوله: وأكره إمامة الفاسق، والمظهر للبدع، ولا يعيد من ائتم بهما.
قال القاضي حسين: والصلاة خلف الفاسق تنعقد وتكره.
روى أن النبي ﷺ قال: جاهدوا مع كل أمير وصلوا خلف كل بر وفاجر.
وصلى ابن عمر خلف الحجاج فقيل له: أتصلي خلفه، فقال: إذا دعونا إلى الرحمن أجبناهم، وإذا دعونا إلى الشيطان تركناهم.
[ ٢ / ١٠٣٠ ]
فأما أهل البدع ينظر فيه فإن كانت بدعة مستحسنة مثل أن قرأ طول النهار، وصلى آناء الليل والنهار، فإنه بدعة مستحسنة، فإن البدعة في اللغة هو الإحداث فإنه تجوز الصلاة خلفه وتستحب، فأما إذا صلى في الأوقات المنهية أو أذن في غير وقت الأذان، فإنه بدعة تكره الصلاة خلفه، وتجوز.
فأما أهل المذاهب المختلفة والمخالفون في الأصول ينظر فيه إن كنا نكفره باعتقاده لا تصح الصلاة خلفه، ومذهب أكثر الفقهاء ألا يكفر.
اختلف أهل القبلة إلا ما نص عليه الشافعي ﵀، وهم الذين ينفون علم الله تعالى بالمعدومات ويقولون: لم يعلم الله الأشياء حتى كانت، وهذا خلاف قوله تعالى (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه)، فيكفر بهذه المخالفة، وكذا من قال بخلق القرآن، أو لم يؤمن بالقدر أو اعتقد ان الله تعالى جالس على العرش، فإنه يحكم بكفره، ولا تصح الصلاة خلف هؤلاء.
قال: وكان القفال: ﵀ يرى الصلاة خلف كل واحد المعتزلة والروافض للقبلة.
وكل من لا يكفر من أهل القبلة، والمظهر للبدع تقبل شهادته، وتكره الصلاة خلفه.
ومن سب النبي ﷺ يكفر بذلك لقوله ﷺ، من سب نبيا فد كفر، ومن سب صحابيا فقد فسق.
فأما من سب الشيخين، أو الحسينين ففيه وجهان:
أحدهما: يكفر، لأن الأمة اجتمعت على إمامتهم.
والثاني: يفسق لأجل الخبر، ولا يكفر.
[ ٢ / ١٠٣١ ]
ولا خلاف بأن من لا يحكم من أهل الأهواء، فإنا لا نقطع بتخليدهم في النار، وهل يقطع بدخولهم في النار أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لما روى أن النبي صلى الله لعليه وسلم، قال لعبد الله بن المغفل: إياك والحدث في الدين، فإن الحدث في الدين ضلالة وكل ضلالة في النار.
والله أعلم.
قال المزني: فإن أم أمي بمن يقرأ، أعاد القاريء، وإن ائتم به مثله، أجزأه. قال المزني: ﵀: قد أجاز صلاة من ائتم بجنب، والجنب ليس في صلاة، فكيف لا تجوز صلاة من ائتم بأمي والأمي في صلاة، وقد وضعت القراءة عن الأمي، ولم يوضع الطهر عن المصلي؟ وأصله أن كلا مصل عن نفسه، فكيف يجزئه خلف العاصي بترك الغسل، ولا يجزئه خلف المطيع الذي لم يقصر، وقد احتج بأن النبي ﷺ قاعدًا بقيام، وفقد القيام أشد من فقد القراءة، فتفهم.
قال المزني: ﵀ القياس أن كل مصل خلف جنب، وامرأة، ومجنون، وكافر، يجزئه، صلاته، إذا لم يعلم بحالهم، لأن كل مصل لا تفسد عليه صلاته بفسادها على غيره، قياسًا على أصل قول الشافعي في صلاة الخوف للطائفة الثانية ركعتها مع الإمام، إذا نسي سجدة من الأولى، وقد بطلت هذه الركعة الثانية على الإمام، وأجزأتهم عنده.
قال: ولا يكون هذا أكثر ممن ترك ام القرآن، فقد أجاز لمن صلى ركعة، يقرأ فيها بأم القرآن، وإن لم يقرأ بها إمامه فيها، وهو في معنى ما وصفت.
[ ٢ / ١٠٣٢ ]
قال القاضي حسين: الأمي: اسم لمن هو على الهيئة التي ولدته الأم، إلا أنا نريد بالأمي من لا يحسن الفاتحة أو بعضها، وإن كان يحسن جميع القرآن، ويسمى من لا يحسن الكتابة أميًا، ولهذا سمى النبي ﷺ أميًا، وهذا منقبة، وليس يكون بمنقصة له حتى لا يقال: إنما أخرجه من تلقاء نفسه وكيلا يتهم فيه، وتصح صلاة الأمي، ولا إعادة عليه، ثم ينظر إن أمكنه التعلم فقد بينا حكه فيما مضى، وإن أم لغيره نظر، فإن كان أميًا في مثل حاله صح، وإن كان أميًا غير أنه مخالف له بأن يحسن من الفاتحة، ما لا يحسنه، فحكمه حكم ما لو أم للقاريء، ففي الجديد لم يصح.
وفي القديم: إن كانت صلاته جهرًا لم تصح وإن كانت صلاته سرًا تصح والشافعي، ﵀ اعتبر في القديم أن الإمام يعني التحمل، فإن مذهبه في القديم أن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم في صلاة الجهر، فلم يصح اقتداؤه به فيها، لأنه لا يلزمه التحمل، وليس من أهل التحمل، وصح اقتداؤه به في صلاة السر؛ لأنه لا يتحمل عنه القراءة فيها.
ومن أصحابنا من خرج في الجديد قولا من معناه في القديم أنه يصح الاقتداء به في صلاة الجهر والسر؛ لأن الشافعي ﵀ اعتبر في القديم معنى التحمل.
وفي الجديد لا يتحمل عن المأموم في الجهر والسر ها هنا صلاة الجهر في القديم، وهذا إنما يخرج على طريقة من يقول: إذا نص الشافعي ﵀ في الجديد على خلاف ما نص عليه في القديم لم يكن رجوعًا عما نص عليه في القديم، وفيه قولان:
أحدهما: هذا.
والثاني: يكون رجوعًا كما لو صرح، وقال: رجعت عنه.
وقال أبو حنيفة - ﵀: لا يجوز للقاريء أن يقتدي بالأمي، وفرع عليه
[ ٢ / ١٠٣٣ ]
فقالوا: لو اقتدى جماعة من الأميين بأمي فجاء قاريء، فاقتدى به معهم بطلت صلاة الكل، لأنه ألزمه تحمل القراءة عنه، وهو ليس من أهل القراءة والتحمل عنه، فصار كأنه ترك ركنًا في صلاته، فبطلت صلاته، وإذا بطلت صلاته بطلت صلاة من خلفه من المأمومين، ولهذا قال بعضهم: لو وجد الأمي قارئًا يقتدي به لا تجوز منفردًا، لأنه وجد من يحتمل عنه القراءة، ويسقطها عنه.
واختار المزني هذا المذهب، واحتج عليه بفصول:
منها: أن الصلاة تصح خلف الجنب، والمحدث مع أن الصلاة للإمام غير محسوبة، فلأن تصح خلف الأمي وهي محسوبة له أولى، وأكده بأن الجنب واملحدث يعصيان لله تعالى بالشروع في الصلاة إذا علمها حقيقة الحال، وانعقدت الصلاة خلفهما، فالأمي الذي هو مثاب على عقد الصلاة، ووضع القراءة عنه، لأن تنعقد الصلاة خلفه أولى.
واحتج أيضا بأن القائم يصلي خلف القاعد، وكذا القاريء يصلي خلف الأمي، وأكده بأن فقد القيام أشد من فقد القراءة، بدليل المسبوق، فإنه يدع القراءة إذا أدرك الإمام في الركوع، ولا يسعه ترك القيام، واحتج أيضا بأن الشافعي، ﵀ نص على أن الامام إذا أدرك سجدة من الركعة الأولى في صلاة الخوف، فاقتدت به الطائفة الثانية صحت لهم تلك الركعة، وهي غير محسوبة عن الامام لترك السجدة من الأولى، وصلاة الأمي محسوبة له، فلأن تصح الصلاة للقاريء خلفه أولى، واحتج أيضا على أن الإمام أن ترك ام القرآن مع القدرة عليه بأن كان حنفي المذهب صحت صلاة القاريء خلفه، وترك الأمي، القراءة ليس بأكثر من ترك القاريء ذلك.
قال القاضي ﵀: وكان القفال، يحتج بهذا النص على جواز الصلاة خلف الحنفي، وإن لم يقرأ بأم القرآن، وهو صريح فيه، وإذا منعنا الصلاة خلف الحنفي، فالنص محمول على أنه إذا نسي القراءة، فقرأها المأموم، وإنما صحت صلاته، لأنه معذور فيه، ولا تصح للإمام الركعة التي نسي فيها القراءة.
[ ٢ / ١٠٣٤ ]
وأما الصلاة خلف الجنب والمحدث إنما صححناها، لأن الجنب والحدث ليس بنقص يحل ذات الامام، فلم يمنع صحة الصلاة خلفه وكونه أميا نقص في ذاته، فضاهي الكفر والأنوثة، وأيضا إن الحدث والجنابة مع الطهارة يتعقبان على الإنسان، فإنه يكون متطهرًا في حالة، فيصير محدثا فيها، ثم يصير متطهرًا وهو مما يخفى ولا يظهر، فلا يمكنه أن يطلع عليه غالبًا، فينسب إلى التفريط، وإن غفل عنه، بخلاف ما نحن فيه، فإن كونه أميًا أو قارئًا لا يتعاقبان، فإن الإنسان لا يكون في حالة قارئًا، ثم يصير أميًا فيها، ثم يعود قارئًا فيها، وهو مما يظهر ويطلع عليه في الغالب، فانتسب إلى التفريط، فأما القعود إنما يمنع اقتداء القائم به؛ لأن العجز عن القيام يعارض أمرًا ليس بنقص على البدن، يدل عليه أنه ﵇ صلى قاعدًا بالناس، فلم يمنع اقتداء من هو أكمل حالا منه به، بخلاف ما نحن فيه، وأيضا حكم القائم أخف من حكم القراءة فإنه يجوز ترك القيام مع القدرة عليه في صلاة التطوع فقط لا يجوز ترك القراءة مع القدرة عليها، والمعنى فيه انه معذور بترك القيام عند العجز، بخلاف ترك القراءة فإنه غير معذور فيه.
والمسبوق كما يترك القراءة يترك القيام إذا وجد الإمام في الركوع وما أتى به من القيام ليس بقيام القراءة، بل هو قيام التكبير يدل على أنه معذور به دون القراءة، وأن ما صحح الشافعي ﵀ صلاة الطائفة خلفه بأنهم معذورون فيه، ولم يحيطوا علمًا بنسيانه، فلم ينسبوا إلى التفريط بخلاف القاريء.
وأيضا السهو والغلط ليس بنقص بخلاف الذي نبه رسول الله ﷺ في موضع بخلاف كونه أميا، وإنما صحح الصلاة خلف من ترك الفاتحة، لأنه متعين مجتهد فيه، فإذا اعتقد أقام غيرها مقامها، قيل بأنه معذور فيه حتي لو أمكن للمأموم أن يعلم أنه لا يقرأ شيئا لا يصح اقتداؤه به.
[ ٢ / ١٠٣٥ ]
فرع
لو اقتدى رجل برجل لا يعلمه قارئًا أو أميًا، قال أصحابنا: إن كانت صلاته سرًا صحت صلاته، لأنه لا يجهر فيها بالقراءة، وظاهر حاله أنه يحسنها أتى بها، وإن كانت صلاة جهر لم تصح، لأن عجزه عن القراءة ظاهر، والأصل في الناس الأمي، فيقوى هذا الأصل بتركه الجهر، بخلاف ما إذا كانت الصلاة صلاة سر، فلو أسر في صلاة الجهر ثم قال: إنما لم أجهر فيها بالقراءة لعلم بأن الجهر ليس بواجب، وقال: قرأت فيستحب أن يعيد الصلاة، ولا يوجب عليه الإعادة، لأن الإمام كان أميًا، في الإمامة.
ولو قال له: كنت جنبا أو محدثًا لا يجب على المأموم الإعادة إذا لم يعلم بذلك حال ما كان في الصلاة، لأنه لو تحقق ذلك منه بعد الفراغ من الصلاة لا تلزمه الإعادة، وكذا لو أقر به، والمعنى ما بيناه من أنه يمكن الوقوف عليه بخلاف ما نحن فيه.
قال المزني: قال الشافعي: ﵀ فإن ائتم بكافر، ثم علم أعاد ولم يكن هذا إسلاما منه، وعزر، لأن الكافر لا يكون إماما بحال، والمؤمن يكون إمامًا في الأحوال الظاهرة.
قال القاضي حسين: صلاة الكافر لا تنعقد، وتلزمه الإعادة إذا بان إمامه كافرا؛ لأن الكافر له علامة يمتاز بها عن المسلمين، والكفر لا يخفى، لأن الكافر يباهي المسلمين بدينه، ويناظرهم عليه، فإذا غفل عنه انتسب إلى التفريط بخلاف الجنابة على ما بينا، نظيره الكافر الذي يستسر كفره مثل القرامطة والزنادقة وغيرهم، فإذا صلى خلفه جاهلا بحاله، ثم بان له حقيقة الحال لا تلزمه الإعادة لما قلنا.
واختار المزني ﵀ أنه إذا صلى واحدا فبان كافرًا أو خنثى أو امرأة لا تلزمه الإعادة إذا كان جاهلا بالحال وقاس على ما لو بان جنبا أو محدثا؛ لأن كل صلى لنفسه، والفرقان ما بيناه من الخفاء والظهور.
[ ٢ / ١٠٣٦ ]
وفرق الشافعي بين الكافر والمسلم المحدث بأن الكافر لا يكون إمامًا بحال، والمسمل قد يكون إماما في الأحوال الظاهرة، وفي بعض النسخ: في الأحوال الطاهرة.
وإنما أرد به أنه لا يؤم إلا متطهرًا في الغالب: ومن قرأ الظاهرة أن الظاهر حاله إذا أم أنه يكون بصفة الإمامة، ثم إذا أم الكافر لا يحكم بإسلامه عندنا إذا كان في دار الإسلام، وكذا لو صلى منفردًا، لأنه يتصور أنه أراد به الاستهزاء بالمسلمين.
ولو صلى في دار الحرب يحكم بإسلامه لعدم هذا المعنى، فأما في دار الإسلام فلا، إلا أن تسمع منه الشهادة في قراءة التشهد حينئذ يحكم بإسلامه لا بقراءته ما سواه من القرآن، ولو أذن وأتى بكلمة الشهادة يحكم بإسلامه، ولو قال: أشهد أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله لا يحكم بإسلامه.
وقال أبو حنيفة: ﵀، إذا صلى الكافر بالجماعة حكم بإسلامه، وإذا صلى بانفراده منفردًا في المسجد ففيه روايتان، ولو صلى في داره لا يحكم بإسلامه.
فأما المسلم إذا سجد للصنم أو عظمه في دار الحرب نظر فيه إن كان حواليه كفار يحملونه عليه، أو كان أسيرًا يشبه أن يكون مكروهًا على ما يتعاطاه من المحظورات الإسلام لم يحكم بكفره، وإن عدمت إمارة الإكراه أو كان ناج حكم بكفره، لأن المسلم لا يستجيز في عقيدته أن يشبه بالكفار بارتكاب محظورات الإسلام محاكاة لهم، واستهزاء بهم، فإقدامه عليه يؤذن بخبث سريرته، وكفر سابق كان يخفيه، بخلاف الكافر، فإنه قد يتشبه بالمسلمين فيما عليهم من العبادات محاكاة لهم، واستهزاء بهم، فاحتمل ذلك منهم غير الإسلام، فلم يجعل إسلامًا، وهذا نكتة المسألة الحقيقة، لأن كل ما تردد بين مسألتين لا يحمل على أحدها، وفعل الكافر هذا العبادات تردد بين ما قالوا وما قلناه من المحاكاة، قيل: الأظهر أنه فعله استهزاء، فلا يحكم بإسلامه، فالمسلم في دار الإسلام إذا تغسل بغسل الكافر، وتقلس مثلهم بقلنسوة المجسو، أو شيء من
[ ٢ / ١٠٣٧ ]
غير الكفار، فإنه يحكم بكفره، لأنه لولا اعتقاده الخبيث لما فعله ظاهرًا، والله أعلم بالصواب والمآب.
قال المزني: قال الشافعي ﵀ ومن أحرم في مسجد أو غيره، ثم جاء الإمام فتقدم في جماعة فأحب إلي أن يكمل ركعتين ويسلم يكونان له نافلة ويبتديء الصلاة معه.
قال القاضي حسين: قصد بهذا بيان أن الصلاة لا تختص بالمساجد، وأن فعلها جائز في غير المساجد خلاف ما ذهب إليه اليهود، فإنهم لا يجوزون الصلاة في غير المساجد.
والأظهر أنه قصد بيا أن قوله ﵇: لا صلاة لجاز المسجد إلا في المسجد، في نفي الفضيلة والكمال، دون نفي الجواز، لأنه لا يقصد به الرد على اليهود في فرع من فروع الدين.
وإذا افتتح الصلاة منفردًا، ثم حضرت الجماعة يستحب له أن يكمل ركعتين، ويسلم تكونان نافلة، ويستبديء مع الجماعة ليحوز فضيلة الجماعة، ثم فيه ثلاث مسائل:
إحداها: أن يسلم من ركعتين من غير أن يغير نيته الأولى، فتبطل صلاته، لأنه سلم في خلال معقود صلاته.
والثانية: أن يترك نية الفريضة، فلا يغير نية الأصل فيه، فتصح صلاته نافلة وترتفض الفريضة.
والثالثة: ان يغير نية الفرض إلى النافلة، فظاهر النص، أنها تقلب نافلة، ولا تبطل، وقد ذكرنا في نظائرها قولين، فيخرج من هذه المسألة قول آخر: انها تبطل، والأصح هو الأول، هذا قوله الجديد.
[ ٢ / ١٠٣٨ ]
قال المزني: وكرهت له أن يفتتحها صلاة انفراد، ثم يجعلها صلاة جماعة، وهذا يخالف صلاة الذين افتتح بهم النبي ﷺ ثم ذكر فانصرف فاغتسل ثم رجع فأمهم لأنهم افتتحوا الصلاة جماعة، وقال في القديم، قال قائل يدخل مع الامام، ويعتد بما مضى.
قال المزني: قلت أنا: هذا عندي على أصله أقيس، لأن النبي ﷺ لم يكن في صلاة، فلم يضرهم، وصح إحرامهم، ولا إمام لهم، ثم ابتدأ بهم، وقد سبقوه بالإحرام، وكذلك سبقه أبو بكر ببعض الصلاة ثم جاء فأحرم، وائتم به أبو بكر، ﵁ وهكذا يقول الشافعي بهذين الحديثين. وهو القياس عندي على فعله ﷺ.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا في هذه المسالة قوله الجديد أنه يسلم عن ركعتين، ولا يجوز أن يصلي صلاة انفراد بصلاة الجماعة.
وقال في القديم: يصل صلاته بصلاة الإمام، لأنه نص، وقال: لو قال قائل: يدخل مع الامام ويعتد بما مضى، فاختلف أصحابنا في هذه المسألة على طرق، فمنهم من جعل فيها قولين:
أحدهما: يجوز، لأن النبي ﷺ افتتح الصلاة بالناس، فذكر الجنابة فخرج من الصلاة، وكانت صلاة القوم انعقدت صلاة الانفراد، ثم وصلوها بصلاته ﵇ ولما روى أنه ﵇ دخل المسجد، وأبو بكر افتتح الصلاة بالناس في مرضه الذي توفي فيه، وحين خرج إلى بني عمر وبني عوف ليصلح بين قبيلتين، فتأخر أبو بكر، وتقدم هو ﵇، وافتتح الصلاة، ووصل أبو بكر صلاته بصلاته، وهذا اختيار المزني، وقوله القديم لا يجوز، لأنه يؤدي إلى تضاد الأحكام، لأنه يكون ربما وقع له سهو في حالة الانفراد، والإمامة دونه، وغير ذلك من الأحكام، ومن قال به أجاب عن
[ ٢ / ١٠٣٩ ]
الحديث بأن الناس كانوا قد افتتحوا صلاة الجماعة، ثم وصلوها بصلاة الجماعة، وكلامنا في صلاة الانفراد إذا وصلها بصلاة الجماعة في أصل القولين، فمنهم من قال: يبنيان على الصلاة خلف إمامين.
وفيها قولان: ولا نعني بالصلاة خلف إمامين أن يتقدم إمامان، فيفتتح الصلاة خلفهما، وإنما نعني به أن تقع للإمام علة، فيخرج من الصلاة، ويستخلف من يصلي بالقوم، إلا أن هذا البناء غير صحيح، لأن جواز الاستخلاف قول جديد، وجواز وصل صلاة الانفراد بصلاة الجماعة قول قديم، ولا يجوز بناء القديم على الجديد.
ومنهم من قال: القولان يبنيان على أنه أخرج نفسه عن صلاة الإمام، وفيها قولان، وجه البناء أن هناك يصلي بعض صلاته مع الإمام دون البعض، وها هنا بمثابة، وهذا أيضا لا يصح، لأن الخروج من صلاة الإمام تحصيل من غير فعله، وقصده بخلاف شرعًا، وهو المسبوق ببعض الصلاة يسلم إمامه فيخرج من صلاته فجاز أن يحصل بفعله وقصده، بخلاف الوصل بصلاة الإمام، فإنه لا يحصل بالشرع من غير فعله وقصده، فكذا بقصده.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز وصل الانفراد بصلاة الجماعة قولا واحدًا. وقوله ﵀ محمول على كراهية التحريم.
وقوله في القديم: ويعتد بما مضى حكاية مذهب الغير، وهذا إنما يخرج على قولنا الذي يقول تنصيصه في الجديد على خلاف ما نص عليه في القديم، لا يكون رجوعًا عما نص عليه في القديم، فإن الشافعي نص في الجديد على جواز الاستخلاف، وفي القديم على منعه، فمعنى مذهبه في القديم في منع الاستخلاف مع تنصيصه على المنع من وصل صلاة الانفراد بصلاة الجماعة، في الجديد أوجب منع الوصل قولًا واحدًا.
ومنهم من قال: وصل صلاة الانفراد بصلاة الجماعة جائز قولا واحدًا، والمراد بالكراهية كراهية التنزيه، وما قاله في القديم ذكر مذهب نفسه، وهذا إنما يخرج على القول الذي يقول: إن تنصيصه في الجديد على خلاف ما عليه في
[ ٢ / ١٠٤٠ ]
القديم، وقد نص في الجديد على جواز الاستخلاف، فجعل ذلك رجوعًا عما نص عليه في القديم من منع الاستخلاف.
ومن أصحابنا من جعل في المسألة قولين من غير البناء، والقائلون بطريق القولين اختلفوا في محلها.
فمنهم من قال: محل القولين فيما إذا كان هو والإمام في الركعة الأولى من الصلاة، فأراد وصل صلاته بصلاته، فأما إذا كان المأموم في الركعة الثانية، والإمام في الأولى لا يجوز قولا واحدًا، لأنه يختلف نظم صلاتهما، لأن محل الجلوس للتشهد في صلاة كل واحد منهما، بخلاف محل الجلوس للتشهد في صلاة صاحبه.
ومنهم من قال القولان فيما إذا كان الإمام في الركعة الأولى، وهو في الركعة الثانية، فأما إذا كان معًا في ركعة واحدة، إما في الأولى، أو في الثانية جاز الوصل قولا واحدًا.
ومنهم من جعل في الكل قولين، فإذا جوزنا وصل صلاة الانفراد بصلاة الجماعة، فعليه أن يراعي نظم صلاة الإمام، يجلس في محل جلوسه حتى لو كان الإمام في الركعة الثانية، وهو في الأولى، فإذا جلس الإمام في التشهد الأول ساعده فيه، وإذا كان الإمام في الركعة الرابعة، وجلس يتشهد، وهو في الثالثة يتابعه في الجلوس، ثم يقوم لقضاء ما عليه إذا سلم الإمام كالمسبوق سواء.
ولو كان في الركعة الرابعة، والإمام في الثانية، فإذا قام الإمام إلى رابعته هو بالخيار بين أن يخرج نفسه من صلاته ويتشهد ويسلم، وبين أن يصبر حتى يفرغ الإمام من الرابعة، ويسلم معه.
وإن كان قد سها في حالة الانفراد يلزمه سجود السهو في آخر صلاته إذا سلم الإمام، وإن كان قد سها إمامه في حالة انفراده عنه، فحكمه حكم المسبوق يتابع الإمام في سجود السهو.
[ ٢ / ١٠٤١ ]
ولو كان عليه سجود السهو يسقط عنه بذلك، وإن سها إمامُه بعد أن دخل في الصلاة معه، فيلزمه سجود السهو، لأن سهو الإمام أوقع خللا في صلاته.
قال القاضي ﵁ وقول الشافعي ﵀ أن النبي ﷺ افتتح بهم الصلاة جماعة في خبر أنه ﵇ تذكر الجنابة إنما أورده دليلا على قوله القديم، بأنه يجوز للمنفرد أن يصلي صلاته بالجماعة.
ومن قال بالجديد يقول: لا حجة في هذا الخبر، لأن الراوي قال: افتتح بنا الصلاة، وإذا انعقدت صلاتهم جماعة، فلا يكون هذا وصل صلاة المنفرد بالإمام، إلا أنه يجاب عنه بأنه وإن افتتح بهم الصلاة طاهرًا، ففي الباطن كأن صلاتهم قد انعقدت منفردين؛ لأن الإمام بان جنبًا، ثم عاد متطهرًا، وصلوا صلاتهم بصلاته.
قال ﵁: لو أن رجلا افتتح الصلاة بقوم، واقتدى القوم به، ثم تذكر الإمام أنه نسي النية، وكبر من غير نية كنت أقول قبل هذا: إنه ينوي، ثم يكبر سرًا، والقوم غير عالمين يتابعونه قياسًا على ترك الطهارة، فإن النبي ﷺ لم يكن متطهرًا، ثم تطهر، والقوم ما أحدثوا نية الاقتداء به، وترك النية كترك الطهارة في منع انعقاد صلاة الإمام، ثم هم وصلوا صلاتهم بصلاته، فكذلك هذا مثاله، وحكم صلاة القوم ها هنا حكم صلاة الذين كانوا خلف صلاة النبي ﷺ والآن رجعتُ عن هذا، وأقول قولا واحدًا على قوله القديم: لا يجوز له أن يفعل هذا، ولو فعل يعصي، بل عليه أن يخبر القوم، وليس كصلاته، ﷺ، بالقوم، لأنه ﵇ أخبر القوم، والقوم لما علموا وصلوا صلاتهم بصلاة النبي ﷺ وها هنا القوم غير عالمين بفعل الإمام، فلم يحدثوا نية الاقتداء به، فعلى هذا لا يخلو إما أن يكون إما أن يكون أخبرهم، أو لم يخبرهم، فإن لم يخبرهم عصى الله تعالى، وصح صلاة القوم منفردين، وإن أخبرهم ونووا، وافتتح الصلاة، فليس للقوم أن يبطلوا صلاتهم؛ لأنها منعقدة، ولا أن يقتصروا على ركعتين، ثم ينظر إن لم يحدثوا
[ ٢ / ١٠٤٢ ]
نية الاقتداء وتابعوه حكمهم حكم رجل لم ينو الاقتداء، ووقعت أفعالهم على أفعال صلاة الإمام.
وإن أحدثوا نية الاقتداء على قوله الجديد لا يجوز.
وفي قوله الجديد يجوز، ولو كانت الصلاة جمعة وجب عليه أن يخبرهم بذلك، حتى يحدثوا النية، لأن نية الاقتداء بالامام فيها واجبة، وإذا جوزنا للمنفرد أن يصل صلاته بصلاة الجماعة وجب عليه نية الاقتداء، بخلاف ما إذا استخلف الامام رجلا في خلال صلاته، حيث لا يجب على القوم أن يحدثوا نية الاقتداء به؛ لأن هناك قد اقتدوا بالإمام، والمستخلف يبني صلاته على صلاة الإمام، بخلاف ما نحن فيه، والله أعلم بالصواب.
[ ٢ / ١٠٤٣ ]